لحماية القرار الوطني الفلسطيني: يجب تشكيل حكومة وحدة وطنية

حجم الخط
0

لحماية القرار الوطني الفلسطيني: يجب تشكيل حكومة وحدة وطنية

إبراهيم أبراشلحماية القرار الوطني الفلسطيني: يجب تشكيل حكومة وحدة وطنية منذ أن راج الحديث في الساحة الفلسطينية عن الاستحقاق الانتخابي باعتباره مظهرا وخيارا ديمقراطيا أبدينا تحفظاتنا وتخوفاتنا من هذا الخيار، ليس كفرا بالديمقراطية وبالانتخابات بل تلمسا لخصوصية الحالة الفلسطينية، وكنا دوما نفضل التفاهم والاتفاق علي ثوابت ومرجعيات مشتركة قبل اللجوء لصناديق الانتخابات وكانت تخوفاتنا تستند علي الموجبات التالية:1 ـ إن الشعب الخاضع للاحتلال يحتاج لتوحيد كل جهوده وقواه السياسية بغض النظر عن تبايناتها العقائدية والسياسية لمواجهة عدو مشترك، ذلك أن كل حركات التحرر في العالم كانت تُقاد بجبهة موحدة، ولم تعرف حالة استقطاب ما بين سلطة ومعارضة، وكانت السلطة هي سلطة الشعب مجسدة بجبهة التحرير أما من يقف معارضا لها فكان يصطف لجانب العدو، فلا حيادية في مواجهة المشروع الاستعماري.2 ـ لا شك بأن تغير الأزمان والظروف يتطلب اشتقاق وسائل نضالية جديدة كالمزاوجة بين النضال الديمقراطي والنضال ضد الاحتلال، إلا أن ذلك يتطلب أقصي درجات الحذر حتي لا يُوظف النضال الديمقراطي وخصوصا من طرف قوي خارجية معادية لحرف الشعب عن قضيته الأساسية وهي مواجهة الاحتلال، بحيث تنشغل القوي السياسية بالصراع علي السلطة بدلا من الصراع مع العدو الخارجي.3 ـ نجاح الانتخابات بما هي آلية سلمية للتداول علي السلطة يكون مرهونا باتفاق القوي السياسية علي ثوابت ومرجعيات منصوص عليها بالدستور وتلزم الجميع، كمفهوم الوطن والدولة والحقوق الوطنية والهوية الخ، وتختلف حول قضايا جزئية، وبالتالي عندما تنتقل السلطة من حزب لآخر لا تحدث تغييرات جذرية تمس ثوابت الأمة بل لا يشعر المواطن العادي بحدوث تغيير في حياته، فيما في الحالة الفلسطينية فإن القوي السياسية المتنافسة مختلفة حول الثوابت والمرجعيات، وبالتالي تتحول الانتخابات إلي آلية انقلابية الأمر الذي يدخل النظام السياسي في أزمة عميقة بدلا من ان تحل الانتخابات أزمة النظام وهذا ما جري عقب انتخابات 25 كانون الثاني (يناير) 2006.4 ـ الاستحقاقات الديمقراطية من خلال صناديق الانتخابات ستؤدي لفوز حزب علي الآخرين وبالتالي تقسيم الساحة الداخلية بين سلطة ومعارضة والانشغال بالسلطة ومكاسبها والعمل علي التمترس علي كراسيها بالنسبة للمنتصرين بالانتخابات وانشغال المنهزمين بالتآمر علي مَن هم في السلطة أو الانشغال بالإعداد للجولة القادمة من الانتخابات إن توفر حسن النية، سيُغيب ولو إلي حين جوهر الصراع او حلقته المركزية ونقصد الاحتلال، وفي كثير من الحالات يكون الصراع علي السلطة أكثر شراسة من الصراع مع عدو خارجي.5 ـ الديمقراطية ليست مجرد انتخابات ومؤسسات ونصوص بل هي ثقافة وسلوك جمعي، وقد بان بأن ثقافة الديمقراطية ضعيفة في الساحة الفلسطينية سواء عند حركة فتح أو عند الحركات الإسلامية أو عند قوي اليسار، وعندما نقول ثقافة الديمقراطية نعني اعتراف القوي السياسية بعضهم ببعض كشركاء وليس كبدائل واحترام نتائج صناديق الانتخابات، وخضوع الأقلية للأغلبية مع احترام الأغلبية لحقوق الأقلية، والمراكمة علي ما بناه الأولون وليس الانقلاب عليه والبدء من نقطة الصفر، وثقافة الديمقراطية تعني الخضوع لسلطة واحدة وقرار مركزي واحد .بالرغم من كل تخوفاتنا السابقة فقد سايرنا المزاج الشعبي العام الذي هلل للديمقراطية ولإرادة الشعب ولنجاح حركة حماس، وقلنا ربما يوجد في النهر ما لا يوجد بالبحر! ولماذا نقلل من قيمة النخبة السياسية الفلسطينية وخصوصا نخبة حركة حماس! ولماذا نعتقد بان حركة حماس في الداخل والخارج والتي هي امتداد لحركة الإخوان المسلمين اعرق حركة سياسية في العالم العربي لا تعرف ماذا تفعل أو أنه قد غُرر بها ؟ أليس من الممكن أن شكلا إبداعيا من العمل السياسي غير المسبوق سنشهده مع حركة حماس بحيث تستطيع أن تمزج بإبداعية ما بين الديمقراطية فكرا وممارسة وبين متطلبات مواجهة الاحتلال؟ وعلي هذا الأساس فقد انتابتنا حالة من الفرح الحذر عندما فازت حركة حماس، وخصوصا ان تصريحات مطمئنة صدرت عن قادة حماس سواء من جهة الرواتب او من جهة الحفاظ علي الأمـــن أو من جهة الحفاظ علي وحدة الجبهة الوطنية أو العلاقة مع الخارج الصديق الخ.كنا نتمني أن يتوج (العرس الديمقراطي) بتشكيل حكومة وحدة وطنية وقد كتبنا يومها مقالا بعنوان لماذا الانتخابات إن لم تؤد لتشكيل حكومة وحدة وطنية إلا أن حسابات حزبية ضيقة عند البعض في حركة فتح وحسابات عقائدية خارجية عند حركة حماس حالت دون تشكيل هذه الحكومة وتفردت حركة حماس بالحكومة كما كان الأمر مع حركة فتح سابقا، ولكن الحكومة هذه المرة خارج قواعد العمل التي تُلزم السلطة والرئاسة مما أوجد نظاما سياسيا رسميا برأسين واستراتيجيتين، فعمقت الديمقراطية من أزمة حركة التحرر بدلا من أن تكون عونا لها ومخرجا من مأزقها.ما أن مرت عدة أيام علي تسلم الحكومة لعملها حتي ارتفعت الأصوات من حركة حماس لتتحدث عن التآمر علي الحكومة والحركة لأن الجهات المانحة أوقفت دعمها للسلطة وإسرائيل واصلت عدوانها وحركة فتح لم تلتزم ببرنامج الحكومة وسياستها الخ!. والسؤال الذي يفرض نفسه قي هذا السياق: هل كانت حركة حماس تنتظر من الولايات المتحدة والدول الأجنبية والعربية أن تتجاهل التزاماتها وتعهداتها الدولية والقواعد التي تحكم علاقتها بالصراع قي المنطقة وتشتغل علي أجندة وبرنامج وأهداف الحركة لمجرد أنها منتخبة ديمقراطيا؟ وهل كانت حركة حماس تنتظر من حركة فتح أن تتعامل معها بوضوح وشفافية أو بطريقة مغايرة للطريقة التي كانت حركة حماس تتعامل بها مع حكومات فتح؟ وحماس تعرف بان حركة فتح منهزمة بالانتخابات ومتهمة من حماس نفسها بالفساد بالإضــــافة إلي كونها تشتغل علي برنامج سياسي مخالف لبرنامج الحكومـــة؟ فإذا كانت حركــــة حمـــاس أو الحكومة تعتقد وتنتظر من هذه الأطـــراف تصـــرفات غير ما كان منها فهذا جهل بالسياسة، وإن كانت تتــــوقع مثـــل هكذا معاملة فيفترض ان تكون عند الحكومة سياسات عامة وخطط للتعامل مع هذا المحـــيط المعادي أو العاجز في أفضل الحالات بدلا من الهـــروب نحو خطاب التآمر أو ما هو أخطر من ذلك ونعني التهـــرب من تحمل مسؤولية اتخاذ القرار السياسي الوطني وترحيل هذا القرار لأطراف خارج حدود الوطن، وخصوصا أن هناك مؤشرات مقلقة علي محاولات حثيثة لمصادرة القرار الوطني لصالح أطراف خارجية، وإذا غاب القرار الوطني غابت الهوية الوطنية التي هي الحلقة المركزية أو الأداة الرئيسة في نضالنا ضد إسرائيل نقيض وجودنا الوطني، كما أن الهوية الوطنية هي حصيلة نضال امتد لأكثر من أربعة عقود.مع العدوان الإسرائيلي غير المسبوق في شراسته علي مناطق السلطة وهو العدوان الذي يستهدف كل الشعب وما تم بناؤه من مشروع دولة ومع التداعيات السلبية المنتظرة للحرب علي لبنان، ومع انكشاف محدودية الدعم العربي والإسلامي للشعب وللحكومة لم يعد ثمة مجال للمكابرة والتهرب من الحقيقة التي يعرفها ويدعو لها كل صغير وكبير وتتعامي عنها النخبة الحاكمة وهي تشكيل حكومة وحدة وطنية إن أردناها سلطة وطنية تؤسس لدولة في إطار الشرعية الدولية، وقيادة وحدة وطنية إن أردناها حركة تحرر وطني، وحيث أن كل القوي السياسية فيما عدا الجهاد الإسلامي تريد سلطة وحكومة فمطلوب الإسراع بتشكيل حكومة وحدة وطنية تتعامل مع المستجدات كحكومة طوارئ، وهذه الحكومة لا تعني بالضرورة فشل الحكومة الراهنة بل تكون ردا علي تحديات ومستجدات طارئة وللخروج من حالة الانتظارية المهيمنة علي مؤسستي الرئاسة والحكومة وكل النخبة، ولا ندري ماذا ينتظرون؟قد يقول قائل بأن التحديات كبيرة والأمور معقدة مما لا يسمح للقيادة بفعل شيء أو فلنمنحها مزيدا من الوقت حتي تزول الهجمة الإسرائيلية! مثل هذا القول التبريري بعيد عن فهم حقيقة ودور النخبة السياسية أو مؤسسة القيادة، فلا قيمة للقيادة إن لم تجد حلولا للمهام الصعبة التي تواجه الشعب، ولا تختبر مصداقية القيادة إلا في الأوقات الصعبة وكل تاريخنا صعب، أما قيادات الظــــروف المريحة والنضال المريح فلا نحتاج لها وليست من متطلباتنا. وعليه إن لم تشكل حكومة وحدة وطنية بأسرع ما يمكن فالقرار الوطني المستقل سيهجـــر أرض الوطن وستتآكل شرعية ومصداقية وفعالية مؤسسات السلطة مع مرور الزمن وسيصبح همَّ غالبية سكان الضفة والقطاع مجرد تحسين شروط المعيشة وبعض العمليات العسكرية العبثية تنفس عن وطنية مكبوتة للبعض أو تكون مجرد وظيفــة لعناصر ولحساب أجندة خارجية. أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر ـ غزة8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية