المقاومة في زمن الاحتلال فعل حضاري راق
يحيي اليحياويالمقاومة في زمن الاحتلال فعل حضاري راقليست المقاومة (مقاومة الاحتلال تحديدا في هذا المقام) ترفا أو مقامرة ولا هي (ولا كانت يوما) خيارا ذاتيا أو معطي عفويا سرعان ما يضمر وتتلاشي خيوطه بضمور ما في المشروع (مشروع المقاومة) أو تلاشٍ ما من لدن القائمين عليه جراء الضغط أو تشديد الخناق أو المحاصرة أوالتضييق.المقاومة حالة اجتماعية عارمة، وبالوقت ذاته حالة نفسية يكون للمقاوم بموجبها القابلية علي وضع روحه بين يديه فما بالك بمعيشه اليومي أو معيش أهله وذويه. والسبب في ذلك لا ينحصر أصلا في كونه (المقاوم أقصد) يستهين بروحه أو بقوت صغاره، ولكن اساسا كون الذي يدفع به ويقدمه قربانا له إنما يتجاوز النفس والمعيش ليطال جانبي الحرية والكرامة اللذين لا يقلان عن النفس والمعيش قيمة ولا إلحاحية.وإذا كان من المزايدة الخالصة حقا الادعاء بأن زمن المقاومة (المسلحة تحديدا) قد ولي بسبب اختلاف الأزمان وتباين الظروف و استحالة هزم المحتل المدجج بالتكنولوجيا الحربية المتطورة والأقمار الصناعية الملتقطة للمتناهي الصغر والطائرات الموجهة بالحواسيب، فإنه من المزايدة الخالصة أيضا القول بإمكانية قهر المقاومة (أية مقاومة) إذا كانت مسنودة بفكرة ومرتكزة علي تصور وحتمية، فضلا عن كل هذا وذاك، بشرائح عريضة من المجتمع تستهجن الاحتلال وتتقزز من تواجده فما بالك إن كان عدواني الطبع، استفزازي السلوك، غير مكترث بأخلاق الشعب المحتل ولا مبالياً بتميز عاداته وتقاليده!ليس ثمة من شك إذن أن المقاومة ثقافة بامتياز ناهيك عن كونها فعلا حضاريا راقياً وإلا فما معني أن تعترف لها الديانات والقوانين الوضعية بالمشروعية والشرعية ووجوب السلوك كائنة ما تكن فلسفة الجهة الثاوية خلفها المتبنية للعمل المسلح كما الدافعة بالبعد المسالم كما العاملة علي المزاوجة بينهما عبر خلق الأجنحة المختصة أوالتوزيع المبطن للوظائف والأدوار.ولما كانت كذلك (أو هكذا تبدو لنا)، فإن من الشروط الموضوعية لاستمراريتها وضمان النفس الطويل من بين ظهراني عناصرها (أفرادا وتنظيمات) إنما ضرورة ارتكازها علي بنية مادية تضمن لها الحد الأدني في البقاء وتؤمن لها سبل الحماية المعنوية التي لا مقاومة بدونها أو بعدم توفرها.المقاومة ليست دولة قائمة (حتي وإن كان ذات الحلم يراودها عندما يندحر الاحتلال) بإمكانها فرض جبايات أو تحصيل إتاوات أو الحصول علي مداخيل سلطانية تتأتي لها بقوة النار والسلاح. وهي ليست حزبا أو طائفة أو ميليشيا تستجلب مصادر تمويلها من الاشتراكات أو من التبرعات أو من تقاسم لمصادر الغنيمة مع هذا الطرف أو ذاك. هي أبعد عن أن تكون هاته أو تلك، ليس فقط كونها مشروعا تحريريا (تطوعيا في جانب كبير منه)، ولكن أيضا لأنها لا تبني اقتصادها علي المصادر المستجدة التي تعتمل بداخل اقتصادات الدول المستقلة أو القائمة:ـ فهي راهنت و تراهن، في اقتصادها، علي التقشف الصرف في تدبير ما وفرته من موارد عندما تبين لها أن زمن الاحتلال قادم لا محالة فوجب التهيؤ له والاستعداد لمواجهته كما كان الحال مع المقاومة العراقية التي رتبت قبليا لما كانت مقتنعة بأنه آت… فأتي حقا بمجرد انقضاء اليوم التاسع من نيسان (ابريل) من العام 2003. ـ وهي راهنت، ولا تزال تراهن، علي كبرياء أبنائها (المقاتلين بالبندقية كما المرابطين حول الحرمات) علي شد الحزام (كما هو الحال المشترك بين المقاومة العراقية والمقاومة بفلسطين). فإن تحصلت لهم وجبة أكل استحبوها ووجهوا مقابل الوجبتين لتقوية عضد المقاومة وإن لم يتسن لهم ذلك اعتبروه ثمن المقاومة أو في أخف الأحوال تضامنا معنويا معها.ـ وهي راهنت، ولا تزال تراهن، علي ما توفر لها من سلاح بدائي (بالأجساد في الغالب الأعم) أو ما اغتنمته من قوي الاحتلال أو ما تسني لبعض الجيران تسريبه لها أو تمريره لبعض من عناصرها خفية ودونما أوساط إعلامية قد تفسد عليها النهج. ولئن بات الحال (بفلسطين كما بالعراق) يشي بمهادنة معلنة (حالة العراق) أو مضمرة (حالة فلسطين) لبعض من ابناء الوطن لقوي الاحتلال اعتبارا لتقاطع المصالح أو كنية في مقاومة يدعون أن ولاءها لهذه الجهة أو تلك، فإن واقع الحال يشي أيضا بأن ذلك إنما اضحي عنوان الممانعة الأساس المرفوع بوجه المقاومة بالعراق كما بفلسطين: ـ فالقوي السنية المحسوبة تجاوزا علي المقاومة العراقية (فما بالك بالقوي المتحالفة أصلا مع الاحتلال) لم تعد تحيل في مرجعياتها الخطابية علي المقاومة، بل اضحت جزءا من عملية سياسية ثوت خلفها ورتبت لها قوي الاحتلال (وادعت أنها المدخل لديمقراطية العراق الجديد ) واعتبرت بالتالي أن ما تقوم به المقاومة إنما يجد تجسيده في حالة الحصار والتدمير والتخريب التي يتعرض لها الشعب العراقي، في حين (تقول ذات القوي) أن اللجوء للمقاومة السلمية أولي وأفيد وأقل ضررا. لا تستقرأ أحداث المعيش اليومي هنا (قطع الكهرباء والماء، انقطاع الناس عن مزاولة نشاطهم، تعذر التزود بالمواد الطاقية الأساس وما سوي ذلك)، لا تستقرأ في كونها جزءا من سلوك للاحتلال يود من خلاله تشويه صورة المقاومة، بل وأيضا للتمويه بأن الذي جري ويجري إنما سببه المقاومة وليس الاحتلال. وهو أمر يجانب الصواب ولا يقترب من حقيقة المجريات علي الإطلاق. ـ وحكومة حماس (حكومة الشعب الفلسطيني أقصد) لا تستقرأ إجراءاتها في كونها جزءا من اقتصاد مقاوم يتغيا قطع الانفصام مع اقتصاد الاحتلال وبناء اقتصاد يعتمد القدرات الذاتية، بل يعتبر (من لدن مناوئيها من حركة فتح تحديدا) تجويعا للشعب وقطعا لأرزاق مواطنية العاملين بإسرائيل وتجاوزا (يقول هؤلاء) علي حقيقة أن الاقتصاد الفلسطيني اقتصاد معونات خارجية بامتياز .لم ينحصر الأمر عند هذا الحد، بل ذهب لدرجة مصادرة أموال (متبرع بها) أتي بها أعضاء من حركة حماس لتسديد رواتب موظفي السلطة فإذا بهم يقتادون لمخافر الشرطة تماما كمهربي العملة أو المتهربين من الضرائب أو الباحثين عن سبل الاستثمار الريعي.وإذا كان القول بأن إدخال بعض من المال للشعب الفلسطيني (عبر المعابر) دونما علم للسلطة هو مخالفة قانونية تستوجب العقاب، فإنه من الغباء حقا (والحيف أيضا) تصنيف عناصر حماس ضمن المهربين أو اعتبار بحثهم عن مصادر القوت لأبناء طينتهم ضربا من ضروب التجاوز علي القانون.عن أي قانون يتحدث هؤلاء وهم يعلمون أن من بينهم من باعت شركاته الإسمنت لبناء الجدار العازل علنا وجهارة؟ وعن أي قانون يتحدثون وهم يعلمون علم اليقين أن ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي قد جعل الأول رهينة للثاني وجعل الفلسطينيين مجرد مستهلكين لبضائع إسرائيل؟ليس من الطوباوية في شيء المطالبة ببناء اقتصاد للمقاومة بالعراق كما بفلسطين (موازٍ للاقتصاد الرسمي )، وليس من نسج الخيال الاعتقاد بضرورة قطع سبل التعامل مع الاحتلال. ليس ذلك طوبي ولا نسج خيال، بل هو المدخل الأساس للتحايل علي اقتصاد الاحتلال ومحاصرته من حيث لا يدري… 9