حربنا مع الفلسطينيين ليست حرب وجود وانما لابتلاع الاراضي.. انها حرب عقارات

حجم الخط
0

امريكا لا تستطيع الاعتراض علي سلام مع سورية.. فقط نريد حكومة شجاعة

هذه الحرب الخاسرة في لبنان والآخذة في التعقيد والتورط بلا جدوي، حافلة ايضا بنهم الاراضي الذي أصيبت به اسرائيل. ليس لأن اسرائيل تقاتل في هذه المرة من اجل احتلال جديد، مطلقا لا، ولكن انهاء الاحتلال كان من شأنه في واقع الحال أن يحول دون اندلاع هذه الحرب التي لا يوجد لها داعٍ. لو أن اسرائيل قامت باعادة الجولان في الوقت الملائم ووقعت علي اتفاقية سلام مع سورية في الموعد المحدد، لكان من المتوقع أن لا تندلع هذه الحرب. كان بامكان السلام مع سورية أن يضمن السلام مع لبنان، والسلام مع كلتيهما كان سيمنع حزب الله من زيادة قوته علي الحدود الشمالية لاسرائيل. كما أن السلام مع سورية كان سيعزل ايران، العدو الحقيقي والأكثر خطورة لاسرائيل، ويعزل حزب الله عن أحد مصدريه الأساسيين للسلاح والتمويل. بكل هذه البساطة لم تصل هذه المعلومات المنطقية الي التفكير الاسرائيلي الجامد، وبقيت معزولة عنه كونه خاضعا لعملية غسيل دماغ.

اسرائيل تفرض منذ سنوات الحرب علي الفلسطينيين والتي يقف من ورائها بشكل أساسي إصرارنا العنيد علي الاحتفاظ بالاراضي المحتلة. لولا المشروع الاستيطاني لانسحبت اسرائيل منذ زمن من المناطق المحتلة ولتوقف بذلك مُحرك الكفاح والمقاومة فيها بدرجة ملموسة. نحن لا نقول أن اسرائيل غير التوسعية كانت لتتحول في هذه الحالة الي جار عزيز علي العالم العربي، وانما نقول أن النيران التي تُلفظ نحوها من هذا العالم كانت ستخف بدرجة كبيرة جدا. ومن كانوا سيواصلون مقاتلتها كانوا سيعتبرون في مثل هذه الحالة معزولين. الحرب ضد الفلسطينيين هي اذا حرب اقليمية جغرافية صارخة، حرب حول المستوطنات. بكلمات اخري: في الضفة وغزة قُتل وما زال، أناس بسبب جشعنا للاراضي. منذ غولدا مئير وحتي ايهود اولمرت ترسخ هنا الزيف والافتراء القائل بأن الحرب ضد الفلسطينيين هي حرب وجودية قصرية فُرضت علي اسرائيل، بينما هي في الواقع حرب عقارات ودونم بعد دونم، رغم أنها ليست لنا. الوضع مع سورية مختلف. السوريون تنازلوا منذ 33 عاما عن الكفاح العسكري لاستعادة اراضيهم المحتلة. اسرائيل قادرة علي سن 10 قوانين علي شاكلة قانون هضبة الجولان من اجل ضمها، ولكن الاراضي المحتلة تبقي اراضٍ محتلة. في تلك السنوات هيمنت في اسرائيل رؤية تقول أن لا حاجة الي أي سلام مع سورية: السوريون يجلسون هادئين وادعين من الأصل، فلماذا اذا تتم اعادة الجولان لهم؟ هذا تفكير أحمق وواهم وخطير، وقد ميز العقدين الأولين من الاحتلال الاسرائيلي لغزة والضفة: الفلسطينيون كانوا في تلك الاثناء وادعين مستسلمين وخانعين للاحتلال الاسرائيلي، وعليه، لم يخطر في بال أحد أن يعيد لهم اراضيهم. في ظل هذه الفترة أقامت اسرائيل مشروعها الاستيطاني، ولكن ما أن هب الفلسطينيون وأدركوا أنهم موشكون علي فقدان اراضيهم الي الأبد، وشرعوا في كفاح عنيف، وبعد أن سُفك الدم استيقظت اسرائيل من حلمها واعترفت بأنها لن تتمكن من الاحتفاظ بكل المناطق الي الأبد. بهذه الطريقة وُلدت بتأخر كبير تخللته سنوات من سفك الدماء، عملية الاعتراف بـ م.

ت.

ف ومن ثم اتفاقات اوسلو ثم فك الارتباط ثم خطة الانطواء – كل هذه كانت حلولا جزئية ووهمية لا تهدف إلا الي تأجيل وتأخير انهاء الاحتلال. أما مع سورية فلم نكن بحاجة لكل ذلك – فقد جلسوا بهدوء وسكينة. الآن جاءتنا حرب لبنان لتبرهن أن هذه كانت ايضا مراهنة خاطئة. رغم أن السوريين جلسوا من الناحية الاخري، إلا أن الخطر لم يتلاش من هذا الاتجاه، والاعتقاد الواهن بأن الجولان سيبقي في أيدينا الي الأبد من دون أن نُطالَب بدفع ثمن الاحتلال، قد لطم وجوهنا الآن بكل قوة واحتداد. ولكن الحرب الحالية ستظهر كنوع من اللعبة بالمقارنة مع الحروب القادمة التي ستكون أكثر شدة وعنفوانا. القول بأن الوقت يصب في مصلحتنا هو مجرد أضغاث أحلام. خلال هذا الوقت الذي يتحدثون عنه سيتسلح العالم العربي والاسلامي، وخطر الذرة والصواريخ بعيدة المدي يُخيم فوق رؤوسنا منذ الآن. الرد الوحيد علي ذلك هو القضاء في أقصي ما يمكن علي بؤر الاحتكاك من قبل أن تأتي القنبلة القادمة. إلا أن اسرائيل اختارت إغماض عينيها وإرساء مستقبلها علي الهدوء المؤقت المخيف، وعلي المزيد فالمزيد من الاعمال الحربية. في الوقت الذي تفقد فيه الارض والمساحة أهميتهما العسكرية بسبب تطور الوسائل القتالية، تُطالعنا اسرائيل باتجاه معاكس يتشبث بالارض بذرائع أمنية واهية. الفرصة التي سنحت أمام رئيس الوزراء براك، للتوقيع علي اتفاق سلام مع سورية، فُوتت علي يديه بصورة اجرامية بعد أن أصيب بـ الجُبن وارتعدت أرجله وفق شهادات غير كثيرة ممن حوله، وتراجع في اللحظة الأخيرة. هكذا هي الحال عندنا: اذا كانوا في الجانب الثاني يجلسون بهدوء ـ فلماذا يتوجب علينا اعادة الاراضي؟ وعندما يشرع الطرف الآخر في الحرب ندعي أنه لا يوجد من نتفاوض معه، خصوصا في ظل اطلاق النيران. في الوقت الذي نسارع فيه الي القفز علي كل عربة قتالية، كما حدث في هذه المرة ايضا، نرفض المفاوضات السلمية ونؤجلها الي ما لا نهاية. الآن ايضا عندما تتشوق سورية، الملاحقة من قبل الولايات المتحدة، الي العودة الي أسرة الشعوب، توفر هذه الحقيقة توقيتا ممتازا لمحاولة التوصل الي سلام معها – يظهر عندنا من يدعون أن الوقت غير ملائم. ماذا سيقول الامريكيون عنا؟ هم يسألون. ويقولون أن واشنطن تعارض كل تسوية مع بشار الأسد، العضو في محور الشر. هذه ايضا ذريعة اخري لتفويت فرصة نادرة، ولكنها ايضا ذريعة كاذبة. مثلما حدث في السلام مع مصر الذي ضمن أمن اسرائيل لسنوات طويلة أكثر من أي حرب اخري، والذي تم التوصل اليه من خلف ظهر الامريكيين ـ لن يكون بامكان امريكا أن تعارض السلام مع سورية اذا حدث.

الآن عندما ضربنا حزب الله ودمرنا لبنان، يتوجب علي رئيس الوزراء أن يعلن: الجولان مقابل السلام. هذا يمكنه أن يخدم أمننا أكثر من ألف عملية حربية فارغة مهما كانت جريئة في بعلبك، ولكن ذلك يتطلب قدرا من الشجاعة أكثر من ذلك القدر الذي يحتاجه قرار شن حرب عدمية وبائسة اخري.

جدعون ليفيمختص في حقوق الانسان(هآرتس) ـ 6/8/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية