د. فوزية ابو خالد
تدخل حرب إسرائيل أسبوعها الرابع وتمضي ذئاب آلتها العسكرية في نهش لحوم أطفال لبنان حيا علي الهواء، تقتلع من أخطأته خطافات الحرب منهم خارج أرضهم وترميهم علي ممرات عامرة بالدمار وليس من يفعل شيئا إلا ما تفعله الخيانة بالمغدور وما يفعله الجبناء أمام الريح؟
كتب الكثير من التحليلات عن هذه الحالة المستعصية من الشلل الجماعي وعن تلك الانقسامات التي تعيد انتاجها مع كل عقد من التاريخ العربي بحسابات مصلحية أو شعارات ايديولوجية جديدة تحافظ علي بنية التفتت. أطلقت تصريحات سياسية نارية أو باردة لا يرد أي منها غائلة الغارات. فهل حقا أن ليس بيد العرب اليوم والنظام العربي والحكام العرب إلا الوقوف بعيدا عن نيران الحرب علي أي من قذائفها لا تصيب الموتي في مقتل. تجري هنا وهناك علي الجانب العربي مجهودات دبلوماسية طيبة حتي لا نقول ساذجة أو سمجة لا يدري أحد مدي جديتها أوجدواها أو الإثنين معا ليس في التصدي للحرب بطبيعة الحال بل علي الأقل في التعبير عن موقف الاستياء العام وفي حمل أمانة مطلب ضرورة إيقافها.
علي أننا لا بد من القول بصراحة حارقة أنه أيا كانت حسن النوايا في تلك الجهود فهي جهود محدودة ومبعثرة ومتعثرة ولم تثبت أن لها أي قيمة في ميزان السياسة الأمريكية التي تتزعم موقف استمرار الحرب الإسرائيلية علي لبنان وتحرض وتضغط كل الجهات الممكنة من الأمم المتحدة إلي الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي إلي العالم العربي لعدم تبني أي موقف يفضي إلي وقف اطلاق النار أو يمهد له قبل نهاية المهلة المفتوحة التي تعطيها أمريكا لإسرائيل في سبيل أن ينجز جيشها المتخبط مهمة القضاء علي حزب الله وإن كان الثمن تقتيل آخر طفل وآخر مواطن لبناني ومسح لبنان عن الخارطة. قد يجد البعض عذرا أيا كان وهنه للنظام العربي في موقفه المتبلبل والمتباطئ في بداية إعلان إسرائيل للحرب أما اليوم وسماء الحرب الإسرائيلية مفتوحة بوحشية علي الشعب اللبناني لما يقارب شهرا بأيامه ولياليه الدامية وبعد الثمن الباهظ الذي دفعه اللبنانيون جميعا من دماء المدنيين في حرب فرضت عليهم فإنه لم يعد من مجال لموقف عربي رسمي ملتبس في أهداف وطبيعة هذه الحرب.
والمطلوب في هذه المواجهة الشرسة قرار قاطع بالوقف الفوري للحرب. وللمطالبة بهذا المطلب أساليب واضحة وسلمية ليس أحدها كما ثبت علي أرض الواقع استجداء وقف إطلاق النار من إدارة بوش و الاكتفاء بإطلاق تلك التصريحات المتعاطفة مع اللبنانيين علي قنوات الإعلام لامتصاص الجيشان العام والتعامل مع كارثة العدوان وكأنها كارثة طبيعية تداوي بالمساعدات المالية ومعونة الخيام والأغطية والأطعمة وليس باعتبارها مأساة ناجمة عن حرب عدوانية واصلت قصفها علي المدنيين العزل لعدة أسابيع. علي ما في مثل هذا التوجه الاستجدائي تجاه أمريكا والتطييبي تجاه لبنان والامتصاص تجاه الغضبة الشعبية من خطورة تمييع الفداحة العسكرية والسياسية للعدوان وما تقتضيه من التزامات ليس أعلي سقفها اتخاذ مواقف سياسية حازمة تجاه المتسبب في مآسي تلك الحرب والمتمسك باستمرارها. وبصراحة أكثر فالمطلوب من النظام العربي هو إثبات براءة ذمة علني من دم الأطفال والمدنيين الأبرياء في لبنان بل ومن دم المقاومة أيضا. فإذا كانت الأنظمة غير ضالعة حقا في لعبة هذه الحرب وبموافقة ضمنية أو سافرة مبيتة مسبقا، سواء بحسابات المصالح أو بعدم تقدير لخطورة هذه الحرب والمدي الذي يمكن أن تذهب إليه في سبيل القضاء علي المقاومة تحت ستار إقناع تلك الأنظمة بخلق توازنات إقليمية لصالحها فإن إثبات عدم التورط يحتاج إلي برهان غير التصريحات والمعونات والاستجداءات الدبلوماسية علي أعتاب أمريكا. وفي هذا فليس المطلوب ولا المتوقع أن تزحف الدول العربية بجيوشها أو ترسل اسلحة الزينة والاستعراضات السنوية لتذود عن أرض لبنان وتدافع عن المنطقة ضد المشروع الأمريكي ولكن المطلوب أبسط من ذلك بكثير.
المطلوب أولا، موقف سياسي علي المستوي الرسمي وعلي مستوي طروحات المثقفين العرب لا يزايد علي اللبنانيين في الموقف من حزب الله وفي تحديد المعتدي في هذه الحرب. فالبعض من هؤلاء العرب يتخذ مواقف تزايد علي مواقف جميع الفرقاء في لبنان من قضية بسط سلطة الدولة اللبنانية بما يكاد يشكل مواقف متخاذلة من المقاومة بل ومن قتل المدنيين بتبريرات غير عقلانية ترجع إلي الموقف من حزب الله ويتساوي في ذلك من يسند موقفه علي خلفية ايديولوجية أو مذهبية من الحزب. المطلوب ثانيا، موقف عربي رسمي يستحي علي الأقل من تلك الوقفة اللبنانية الشجاعة المتماسكة والمنضبطة التي ما زالت رغم ضراوة الحرب تتمسك بها وتجمع عليها كافة القوي السياسية في لبنان علي اختلاف بناها وتباين مواقفها السياسية في الأحوال العادية. أن المطلوب بقوة ألا يتدخل الموقف العربي الرسمي لصالح تليين مواقفهم السياسية في المطالبة بتفاوض يليق بتضحياتهم وانضباطهم. فإذا لم يكن بالإمكان الوقوف الواضح معهم فالمطلوب عدم تحميلهم جميل وقوف يستخف بجراحهم أو يزرع بذرة الخلاف فيما بينهم أو يدفعم لقبول تسويات مذلة دفعوا ضريبة عالية لتجنبها. المطلوب ثالثا، موقف عربي رسمي يخجل من عيون أطفال لبنان ومن تذبيح المدنيين ومن تضحيات الشعب اللبناني الفادحة علي مدي ثلاثة اسابيع متواصلة. فلا تنازل قانونيا عن الانتهاكات التي اعتدت علي حقهم في الحياة ودفعت بهم ليكونوا أهدافا عارية للهجمات الإسرائيلية ولاسلحتها المحرمة بموجب معاهدات جنيف الدولية. المطلوب رابعا، موقف يقر للمقاومة ببسالتها وبأنها ثبتت في الحرب وكبدت الجيش الإسرائيلي المعتدي خسارات في المقاتلين والعتاد ووصلت في رد الاعتداء إلي تهديد المدن التي يقيم عليها مستعمراته في بادرة هي الأولي من نوعها بعد أن كانت الأرض العربية وحدها مرتعه لبث الرعب والإرهاب. وبذلك تكون المقاومة قد حققت انتصارات لم تحققها الجيوش العربية مجتمعة في أكثر من حرب. المطلوب خامسا، عدم محاربة الواقع الذي اثبتته المقاومة في تعريتها لخرافة ذلك الخوف التاريخي الذي يتعلمه الأطفال العرب في المدارس ويعطي لهم بجرعات منتظمة عبر الإعلام الرسمي بأن قوة إسرائيل العسكرية قوة لا يمكن الدخول في تحد معها. المطلوب سادسا، موقف رسمي لا يقل علي الأقل عن موقف فنزويلا البعيدة في سحب سفيرها من إسرائيل احتجاجا علي الحرب. فسحب السفراء العرب والدول الإسلامية من أمريكا ومن الدول التي تقف معها في رفض وقف إطلاق النار، إخراج سفراء إسرائيل من أراضي أولئك المطبعين والاستغناء عن سفراء أمريكا من الدول العربية بات أمرا ملحا ليس لتسجيل موقف احتجاج رسمي رمزي أمام الشعب العربي الغاضب ولكن لئلا تفقد الحكومات احترامها لنفسها أمام نفسها وأمام العدو أو من نظنه صديقا ممن لا يحترمون، المتميزون بالطاعة العمياء أودماثة الأخلاق والصبر علي الضيم. وفوق هذا وذاك فإن أمر المقاطعة الدبلوماسية علي صعيد السفراء غاية في الضرورة إن كانت الحكومات العربية جادة في مطلب إيقاف الحرب قبل القضاء علي كافة لبنان وإن كانت جادة في إظهار براءتها بأنها ليست طرفا متورطا فيها عن عمد أو جهالة. المطلوب سابعا، عدم طرح سؤال سلاح النفط علي استحياء أو تصديق خبراء أمريكا في عدم جدوي ذلك باعتباره مجرد سلعة تجارية والتعامي عن طبيعته السياسية التي هي بلا مبالغة محور المشروع الأمريكي بالمنطقة. فبعد هذه الحرب الإبادية لم يتبق إلا علي الأقل التلويح باستخدام سلاح النفط والتهديد بإيقاف ضخه إلي الدول الغربية إذا لم يكن هناك وقف فوري للحرب الإسرائيلية الأمريكية علي لبنان والتي لم يكن لها أن تستمر لولا ذلك الوقود. المطلوب ثامنا، عدم الاستخفاف بمشاعر غضب الشارع العربي لأنه لا بد صار لدي الأنظمة خبرة في الثمن الفادح الذي يمكن أن تدفعه المجتمعات أثمانا لهذا الاستخفاف من سلامة وأمن الحاكم والمحكوم. وإذا كانت أمريكا لم تتعلم الدرس فليس لنا أن نجاريها لمزيد من قتلنا بأيديها وأيدينا. المطلوب تاسعا، أن لا تقف البرلمانات ومجالس الشوري العربية موقف حياد تتفرج فيه علي مذبحة الحرب وعلي تخبط الأنظمة فصمتها خيانة للشعوب والحكومات معا. إنها الحرب السادسة وهذا مسمي لم تطلقه وسائل الاعلام بل هو مسمي تشتقه لها الوقائع المروعة التي تحاول بشراستها فرض واقع جديد علي الأرض يصبح جزءا من المشروع الأمريكي في تطويق المنطقة بنار الحرب. 9