عن بعض الاعتراف العربي بالخطاب اللساني الحديث
بخصوص منح جائزة الملك فيصل العالمية لعبد القادر الفاسي الفهري بالاشتراك مع تمام حسان من مصر محمد غاليمعن بعض الاعتراف العربي بالخطاب اللساني الحديثفاز العالم اللغوي المغربي الأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري مؤخرا بجائزة الملك فيصل العالمية (بالاشتراك مع الأستاذ تمام حسان من مصر). ويعتبر هذا التتويج حدثا علميا هاما ومتميزا في مسار البحث اللساني المغربي المعاصر. وهو تتويج صادر عن جهة عرفت علي المستوي الدولي بتكريم الأعمال ذات القيمة المتميزة، ولطالما تم حجبها في مجال اللغة والأدب العربيين. ان الحدث ذو دلالة لدي المغاربة وعلي رأسهم اللسانيون الذين لا بد أن يشعروا ببعض الاعتراف بما ينجز في بلدهم في هذا المجال المعرفي، وخاصة بالنظر الي ما يكاد يكون تحيزا مقصودا في الجامعات العربية المشرقية ضد البحث اللساني المزدهر الذي يُنجز في جامعات المغرب العربي، وفي المملكة المغربية علي وجه الخصوص ، كما يشير الي ذلك الكاتب والباحث اللغوي السعودي الأستاذ حمزة المزيني في تعليقه علي هذا الفوز1 ان الجائزة، بقدر ما هي تكريم لعالم لغوي مغربي رائد واعتراف بجهوده المشهود بها، هي تكريم واعتراف بخطاب لساني وفكري عربي من نوع محدد وذي سمات مخصوصة من أبرزها، كما نبين في ما يلي، سمتا العقلانية والكونية المرتبطتين بممارسة علمية قوامها التفسير والصورنة وبناء النماذج الاستدلالية المقارنة الرامية الي استكشاف الكليات في لغات البشر، هذا النوع من الخطاب الذي شق طريقه الي النور والمشروعية الفكرية والثقافية رغم ما واجهه، وما زال، في البلاد العربية ومنها المغرب، من صعوبات ومقاومات وردود أفعال سلبية ناتجة عن تجاهل مقصود أو جهل مستحكم أو دفاع أعمي عن مسبقات فكرية عقيمة متجاوزة. كما شكل هذا الخطاب الاطار العام لمشروع اللسانيات العربية الذي بلوره الأستاذ الفاسي وانخرط فيه أكثر من جيل من الباحثين المغاربة ومن الوطن العربي الكبير كذلك، وأثمر، وما زال، أعمالا متميزة بقيمتها المعرفية في المجال.لقد قام مشروع اللسانيات العربية علي تصور متعدد الواجهات لتناول اللغة العربية، في اطار مقارن، من حيث ظواهرها ومحاورها وقضاياها التطبيقية الاجرائية. ويمكن اجمال أبرز مبادئ هذا المشروع في ما يلي:1ـ اقامة أنحاء عصرية لوصف اللغة العربية الحالية واللغة العربية القديمة، وكذلك اللهجات، في اطار لسانيات مقارنة، بالنظر الي الترابط الحاصل بين هذه الجوانب الثلاثة.2ـ دراسة اللغة العربية في اطار لسانيات تطورية أو تاريخية تضبط اللغة العربية في مراحلها المختلفة والمبادئ التي تتحكم في هذا التطور، بجانب الاهتمام بالواقعية النفسية للمراحل والمواد، بهدف بناء نماذج لادراك اللغة واستعمالها وتطورها.3ـ معالجة اللغة العربية آليا وحاسوبيا وافراز البرمجيات والمعالجات والمحللات اللائقة لقواعدها وموادها المعجمية من أجل تمكينها في محيطها المحلي والدولي.4ـ بناء نظرية تؤرخ للفكر اللغوي العربي، بعيدا عن الاسقاطات الظرفية، وتنفذ الي الأفكار المتميزة في الفكر اللغوي العربي ومبادئه الموجهة. 5ـ تطبيق نتائج هذه الأبحاث الأساسية في حل المشاكل العملية للغة العربية، وضمنها التدريس باللغة العربية، وتدريسها للناطقين بها وللناطقين بغيرها، وحل مشكل المصطلح العلمي، وبعث ثقافة عربية في المستوي اللائق.لقد شكلت هذه المبادئ وما يتفرع عنها من قضايا نظرية وتطبيقية المجال التصوري العام الذي اندرجت فيه أعمال الأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري منذ سبعينيات القرن العشرين، كما شكلت منطلقات علمية لكثير من الأبحاث الجادة التي أنجزهـا باحثون تحت اشراف الأستاذ الفاسي وما زالوا. وكان للأستاذ فضل الريادة في تأسيس هذا المشروع اللغوي علي مرتكزات ابستمولوجية واضحة، هي مرتكزات الثورة العلمية الحديثة التي مكنت من الخروج بالنظر اللغوي العربي من فكر يغلب عليه التأمل والملاحظات العامة ويطبعه التقليد قلبا وقالبا، الي جانب الذرية والتشتت، الي ممارسة علمية من مقوماتها الاستدلال والتفسير والتجريد والطبيعة الرياضية والمرونة الابستمولوجية الي جانب الاهتمام العلمي الدقيق بالملاحظة والمادة. وقد مكنت هذه المرتكزات من السبق الي تبيان مواطن الضعف الرئيسية في الخطاب اللغوي العربي السائد، خلال القرن الماضي، وطرح أسئلة تأسيسية جوهرية ارتبطت بماهية اللسانيات، وعلاقتها بالثقافة وبالعلوم الأخري، الدقيقة أو غير الدقيقة ، وبنوعية النشاط اللساني بالمقارنة بأنشطة علمية أخري، والتساؤل عن المبادئ والقرارات المنهجية التي تحدد أوصاف اللغات الطبيعية. ان التعرض لهذه المسائل والقضايا ارتبط لدي الأستاذ الفاسي، من ضمن ما ارتبط به، بالالحاح علي أهمية الوعي بالمنطلقات النظرية والمنهجية في أي ممارسة علمية، وعلي الوضوح في ابراز هذه المنطلقات، نظرا الي أن الوعي والوضوح شرطان لازمان لتأسيس خطاب لساني عربي علمي، وتقويم نقدي دقيق ومكثف لتجربة اللسانيين العرب المحدثين، وبناء أوصاف علمية لبنيات اللغة العربية التركيبية والصرفية والدلالية والمعجمية وغيرها، علي طريق بناء نظرية للغة العربية أو نحو يمثل الملكة الباطنية لمتكلم هذه اللغة ومستعملها، ويشكل أساس تناول قضاياها العملية كالتعليم والتعريب ووضع المصطلح والترجمة، الخ.في اطار هذه المقتضيات الابستمولوجية التأسيسية، كانت أعمال الأستاذ الفاسي سباقة الي تبيان مظاهر الضعف في الخطاب اللغوي العربي، وفي تصور اللغة في خطاب المثقف العربي بصفة عامة، وتصور علاقة اللغة بالفكر، والعلاقة بين الثقافات، والعلاقة بين النظرية والتجربة، وتصور الحلول للقضايا التطبيقية، وضمنها مشكل المعطيات أو المادة التي يصفها اللغوي العربي. فحتي الوصفيون الذين انتقدوا النحاة القدامي في أشياء متعددة اكتفوا بالاحتفاظ بما أتي به القدماء من معطيات، ولم يحاولوا وصف لغة أخري بالاعتماد علي جرد مواد جديدة انطلاقا من نصوص شفوية أو مكتوبة (كالروايات والمحاضرات والأشعار، الخ). ومشكل المعطيات هذا ارتبط بمشكل آخر هو مشكل المنهج. ذلك أن استعمال معطيات القدماء جعل اللغويين العرب المحدثين، في كثير من الأحيان، سجناء مناهج القدماء، نظرا الي العلاقة القائمة بين الأصول التي وضعوها وبين المواد التي وصفتها هذه الأصول. فنتج عن ذلك خلط بين وصف اللغة العربية وقراءة التراث النحوي العربي، أو تعريف للأوصاف اللغوية سلبا فقط، بتحديد وضعها ازاء ما قاله القدماء، في حين أنه لا ضرورة منهجية ولا منطقية تفرض الرجوع بهذه الصورة الي فكر الماضي وتصنيفاته ومفاهيمه لمعالجة مادة معينة. ومما بينه الأستاذ الفاسي أيضا زيف الاعتقاد الضمني السائد لدي كثير من اللغويين العرب الذي مفاده أن مشكل المعطيات في اللغة العربية (القديمة والحديثة) قد حل بشكل نهائي في النحو القديم، وأنه يكفي جرد أمهات كتب النحو واللغة القديمة لبلوغ المراد، في حين أننا نجد لدي القدماء معطيات ناقصة أحيانا، وزائفة أحيانا أخري، علاوة علي كون اللغة ومعطياتها في تطور دائم. وهذا يفرض، خلافا لما هو شائع، أن نتوقع غياب المعطيات الأكثر دلالة بالنسبة لافتراضاتنا وتساؤلاتنا الجديدة أو تشويهها أو انكار بعض النحاة لها، أو اختلافها باختلاف مراحل تاريخ اللغة، أو المستويات اللغوية المرصودة، أو المناهج الموظفة، الخ.ومن التصورات المنهجية الخاطئة التي انتقدها الأستاذ الفاسي في أعماله اعتبار اللغة العربية، لدي كثير من اللغويين العرب المحدثين، لغة تتفرد بخصائص لا توجد في لغات أخري، بل لا يمكن وصفها بالاعتماد علي النظريات الحديثة الغربية التي بنيت لوصف لغات أوروبية، كما يزعم البعض، رغم أننا لا نكاد نجد ظاهرة في اللغة العربية الا ونجد لها مثيلا في لغة أو لغات أخري هندو ـ أوروبية كانت أو غير هندو ـ أوروبية. ومن الأخطاء التصورية كذلك اعتبار العلم محصورا في ما هو ملاحظ ، ويجب أن يكتفي بالملاحظة الخارجية، والتساؤل عن الكيف، دون أن يتعدي ذلك الي التساؤل عن علة وجود الظواهر، رغم ان الثورة العلمية الحديثة قامت علي أساس أن النظريات العلمية بناءات عقلية تتوق الي ربط أكبر عدد من الظواهر الملاحظة بقوانين خاصة تكون مجموعة متسقة يحكمها مبدأ عام هو مبدأ التفسير. وبخصوص الموقف من التراث اللغوي العربي أيضا، دافع الأستاذ الفاسي عن تصور مفاده أن أي نظر علمي في التراث يجب أن يفرق بين النسق الفكري وبين المعطيات، لأن التراث اما معطيات اللغة الموصوفة واما مفاهيم وصفية أو أصول وتأملات. وقيمة المعطيات في التراث النحوي القديم انما تتحدد بامكان ـ وليس بضرورة ـ استعمالها لبناء نحو اللغة العربية القديمة، لأنه يمكن أن يستعاض عنها بالرجوع مباشرة الي النصوص القديمة. وأما النسق المفاهيمي النحوي واللغوي، فمجال دراسته التأريخ للفكر، وليس له توظيف حتمي في بناء نحو يصف اللغة العربية، لأن الآلة الواصفة الموجودة عند القدماء، علي الرغم من أهميتها التاريخية، ليس لها أي امتياز في وصف اللغة العربية، قديمها وحديثها. لقد اهتمت أعمال الأستاذ الفاسي، كما بينا، ببناء نحو جديد للغة العربية يواكب أحدث المكتسبات النظرية والتحليلية في البحث اللساني الدولي المعاصر، ويبرز مظاهر الائتلاف والاختلاف بين خصائص هذه اللغة وخصائص اللغات الطبيعية الأخري. وتمت العناية خاصة بركائز النسق النحوي العربي كقواعد انتظام المقولات الكبري داخل الجملة، وبنية المركبات بأنواعها وخصائصها الوظيفية والاعرابية، وظواهر المراقبة فيها، وبنية الكلمة من حيث خصائصها الصرفية والتركيبية، وعلاقة التوازي القائمة بين هذه الخصائص وخصائص بنية الجملة. وقد تمت العناية، بموازاة ذلك، ببنية المعجم العربي وخصائص مداخله التركيبية والصرفية والدلالية وعلاقة هذه المداخل ببعضها، ونسق الحقول الدلالية بأولياتها ومبادئ تأليفها، والترابطات الممكنة بينها. وفي كل هذه المستويات وما يتفرع عنها من قضايا دقيقة ومتشابكة، كانت للأستاذ الفاسي اسهامات ليس فقط علي مستوي تحليل معطيات اللغة العربية، في اطار نهج مقارن واعادة تبويب مكونات النحو العربي، ولكن أيضا علي مستوي الابداع في النظرية اللسانية العامة وبنية أنحاء اللغات الطبيعية. فقد ساهم في النقاش اللساني العالمي بمجموعة من الافتراضات والمبادئ والقواعد. ويذكر من ذلك، علي سبيل المثال، فرضية المركب المصدري في السبعينيات من القرن الماضي التي مفادها أن مقولة المصدري تتصرف مثل المقولات المعجمية من جهة امتلاكها رأسا وفضلة ومخصصا، وفق ما تقتضيه نظرية سَ الضابطة لتوزيع المقولات التركيبية. وساهمت هذه الفرضية، الي جانب فرضية تفكيك الصرفة، في وضع نمطية للغات الطبيعية، ورصد جوانب الائتلاف والاختلاف بينها. ويذكر من ذلك أيضا افتراض سلمية كلية للأدوار الدلالية تتحكم في القواعد التي تربط الدلالي بالنحوي، وضمنها القواعد التي تسند الوظائف النحوية الي الأدوار الدلالية، وهو افتراض يدخل في اطار تصور جديد للمعجم العربي، يحدث تحولا نوعيا في تصور هذا المعجم منهجا ومادة ونظرا، وفي ارساء الأسس النظرية والتحليلية لبناء معجمية عربية حديثة تقوم علي معالجة متقدمة للمادة المعجمية وحصرها وانتقائها وتنظيمها، وعلي تصور نسقي للمعجم يجعل منه نسقا من العلاقات النحوية والدلالية، علي غرار نسقية باقي مكونات النحو. وقد شكلت هذه النظرية المعجمية، اضافة الي ما فتحته من آفاق جديدة للبحث النظري في أسرار المعجم العربي، منطلقا علميا رصينا لوضع قواميس عربية عامة ومتوسطة تماثل معاجم الأمم المتقدمة التي تبلور ثقافة العصر ولغته وتستجيب للأهداف المتوخاة من وضعها. ويذكر هنا كذلك المبدأ العام الذي اقترحه الأستاذ الفاسي، وسماه مقياس التسويغ المتبادل، لرصد الفرق بين أنماط الرتب في الجمل العربية، والفرق بينها وبين لغات أخري في هذا الباب. وهو مبدأ يتيح افراز تعميمات تخص تنميط الجمل في اللغات، ورصد البنيات الداخلية للمركبات الاسمية وأنماط الرتب داخلها. وقد اقترح الأستاذ الفاسي نموذجا عاما لتوليد الكلمة وتحديد مستويات بنائها، وهو نموذج يمكن من وصف تكوين الكلمات في اللغة العربية وفي لغات أخري، مع الاستدلال علي أن مبادئ بناء الكلمة توازي مبادئ بناء الجملة، وهو استدلال لا تخفي أهميته النظرية من حيث استجابته لمبدأ الاقتصاد فيما يخص هندسة بناء الآلة النحوية.وتشكل القضايا التطبيقية للغة العربية جزءا رئيسا من مشروع اللسانيات العربية عند الأستاذ عبد القادر الفاسي الفهري، بل ان القضايا المرتبطة بالتخطيط للغة العربية وتطويعها وتمكينها في محيطها وتنمية طاقة مستعمليها ـ ومنها التعريب ووضع المصطلح والمعالجة الآلية ـ تعتبر عنده الوجه الآخر للنظرية اللسانية العامة، علي أساس أن التطبيق لا ينفصل عن التنظير. لقد بين أن كل طرح خارجي لهذه القضايا (في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية) يجب أن يلازمه طرح داخلي كاف يرتبط بالطاقة التعبيرية للغة وقدرة متكلميها علي التعبير عن المفاهيم الحضارية والعلمية والفنية وكل المعلومات الواردة بصفة عامة، والا تحول الأمر الي مغالطة في طرح الأبعاد الخارجية يحول بمقتضاها التعريب ووضع المصطلح في جانبهما اللغوي الي مشكل تقني فني محض. ومن ثمة دافع الأستاذ الفاسي عن أن الأمر يقتضي الوقوف علي العلاقة بين الجهاز الاصطلاحي (والمفرداتي بصفة عامة) الذي توفره اللغة وبين التيار المعلوماتي الذي تساعد علي التقاطه، كما يقتضي، في ارتباط بذلك، اعادة تنظيم معجم اللغة ونحوها. وهذه عملية يجب أن تتم أولا من الداخل، بالاستناد الي أساسيات من ضمنها نظرية كافية للمعجم والدلالة وعلاقة اللغة بالمعلومات. وقد أوضحت أعمال الأستاذ الفاسي المبادئ النظرية والتحليلية لمعالجة هذه الجوانب، وذلك علي أساس نقد تصورات الهيئات التعريبية العربية في الموضوع. فمما يميز هذه التصورات، من جهة، ربط التعريب بالترجمة، أي التعبير بالعربية عما يعبر عنه بلغة أجنبية، والاقرار بالوضع الازدواجي، وضعف العربية ازاء اللغة المصدر علي مستوي الرصيد الاصطلاحي، ومن ثمة القول بوجود علاقة مباشرة بين المعلومات والأداة اللغوية، وبأن الطريق المباشر الي المعلومات الداخلة (الأجنبية) هو الترجمة (أو القاموس المتعدد). ومما يميزها كذلك، الدعوة الي تجنب الاشتراك اللفظي والتعدد الدلالي والترادف والتزام المصطلح الواحد للمفهوم الواحد.ولتبيان عدم كفاية هذه التصورات، قدم الأستاذ الفاسي بشكل مفصل مبادئ نظرية نفسية تتناول، من جملة ما تتناوله، تنظيم المعجم الذهني والتمييز بين الحقول التصورية والحقول المعجمية، وسد الثغرات في اللغة، وقضايا تعدد المعاني الذي تعتبر خصيصة ملازمة للمعجم، ومظهرا من مظاهر ضبطه الذاتي، وليس نقيصة يجب تجنبها. ويصدق هذا علي اللغة العامة كما يصدق علي اللغة العلمية، اذ دور المجاز والاستعارة ثابت في تشكيل المصطلح العلمي، وهو ضرب من تعدد المعاني وتداخل الحقول. وقد قدم أسس نظرية بيئية تهتم بالدلالة الخارجية للغة وعلاقتها بالعالم الموصوف لا بالذهن الواصف، وتعتبر التيار المعلوماتي، الذي يستعمله المعني اللغوي، جزءا فقط من التيار العام للمعلومات الذي يحتاج اليه المعني الطبيعي. بل ان المعلومات سابقة عن اللغة، قد نصل اليها باللغة أو بغيرها. وعليه، فالتعامل قائم بين الأداة المعبرة، أي اللغة، ومستجد الثقافة والحضارة ومطلق المعلومات، وليس بين أداة معبرة وأداة غير معبرة. فمشكل التعريب اذن ليس مشكل ترجمة بالأساس، واللغة جهاز تعبيري لا يحتاج مبدئيا وعمليا الي المرور بجهاز تعبيري آخر للتعبير عن معلومات ومعان مستقلة عن الألفاظ التي ترمز اليها في لغة معينة. ان التعامل مع حضارة أو ثقافة أو معلومات لا يعني حتما التعامل مع لغة هذه الحضارة أو المعلومات. فاللغة ليست هي الثقافة والحضارة، بل هناك فجوة بينهما، وان كانت اللغة تعكس الثقافة أو المعلومات بطريقة غير مباشرة.في ضوء هذه المبادئ المؤسسة، دافع الأستاذ الفاسي في أعماله ومحاضراته وحواراته عن أطروحة التعريب المدعوم باللغات الأجنبية. ومفاد هذه الأطروحة نهج سياسة لغوية تعتمد علي أن اللغة العربية هي اللغة التي يمكن أن تقوم بالوظائف المختلفة داخل المجتمع، وخصوصا وظيفة تكوين الشخصية الثقافية والهوية، علي أن يكون هناك دعم من اللغات الأجنبية لاكتمال المرجعيات واكتمال المعلومات التي نريد الوصول اليها. فالمطلوب ادخال اللغة العربية الي المجالات التي لم تدخل اليها كمجالات المعاملات الاقتصادية والمالية والخدمات الاجتماعية، التي لا نحتاج فيها بالضرورة الي استعمال اللغة الأجنبية. ويمكن أن يكون هناك دعم بالمصطلح الأجنبي والمراجع الأجنبية عند الحاجة. ان اللغة العربية قادرة علي الوفاء بالقيام بمختلف الوظائف ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي وتدريس مختلف العلوم. وذلك رهين بتعريب المتكلم، وتهييء خطط التدخل لتغيير وضع اللغة في محيطها في مختلف القطاعات، واعداد اللغة العربية من الداخل بتوفير الأدوات اللازمة من محللات آلية، علي كافة المستويات، وقواعد معطيات وقواعد معارف وبنوك توثيقية وعدد هائل من المصطلحات لا يمكن توفرها الا عن طريق استثمار النسقية التي يفرزها النظام العام للغة، باعتبار أن اللغة المختصة اسقاط لنظام اللغة العام في مجال معرفي معين. ويمكن ترجمة هذه النسقية في الحاسوب عبر آلية التوليد. وقد بلور الأستاذ الفاسي في هذا السياق مشروع قاعدة اصطلاح مولد، يهدف الي بناء قاعدة معطيات مصطلحية متعددة اللغات باعتماد آليات التوليد، علي أساس أننا لا نخلق المصطلحات أو المولدات بقدر ما نستعيد ما هو كامن في اللغة ليصبح متداولا بالفعل. وبما أن الاصطلاح، باعتباره تنظيما نسقيا للمفردات الخاصة، تابع لنظام اللغة العام، فاننا نحتاج الي ادماج آلة نحوية ـ معجمية في المصطلح المولد. وتسعي هذ الآلة، التي يسميها الأستاذ الفاسي: مولد الصور المعجمية، الي سد الثغرات الموجودة في قواعد المعطيات المعجمية المتداولة، عن طريق بناء قاعدة معطيات ذكية تولد جذورها (الصامتية)، وصيغها (الصائتية)، وجذوعها، وصورها المركبة انطلاقا من قواعد توظف مجموعات من الذوات (أو أبجديات) محدودة العدد.هذه بعض ملامح مشروع اللسانيات العربية المتعدد الواجهات الذي أسهم به الأستاذ الفاسي، وما زال، في اغناء الفكر العربي عموما وعلم اللغة العربي علي وجه الخصوص، فاستحق بذلك هذا التكريم. وهو مشروع اغتني ويغتني بأعمال عدد من الباحثين الجادين المغاربة، وأصبح عنوانا لازدهار وتقدم يميزان الخطاب اللساني العربي الحديث بالمغرب بين سائر البلدان العربية الأخري. باحث من المغرب0