في صناعة التاريخ: وداعاً، شيخَ المؤرّخين العرب!

حجم الخط
0

في صناعة التاريخ: وداعاً، شيخَ المؤرّخين العرب!

الدكتور نيقولا زيادة، المؤرّخ الذي شاركَد. علي القاسميفي صناعة التاريخ: وداعاً، شيخَ المؤرّخين العرب!عندما رأيتُه قبل أكثر من سنة في ندوة علمية في بيروت، وعمره يناهز الثامنة والتسعين عاماً، وجدتُه وسيماً مبتسماً أنيقاً، ووجهه طافحاً بالفرح والصحة والحيوية، وكلماته بليغة ثابتة النبرة عميقة المضمون، تماماً كما كنتُ أراه في أروقة الجامعة الأمريكية في بيروت وقاعاتها عندما كنتُ طالباً فيها في أواسط الستينيات من القرن الماضي. قلتُ له وأنا أودعه: أتمنّي أن أراك قريباً في مناسبة قادمة. قال وابتسامته الحلوة تنير وجهه الحنون كلّه: سأدعوك إلي حفل ميلادي المائة، إن شاء الله. وكنتُ آمل ذلك فقد عرفته صادقاً وفياً. ولا بدّ أنه اضطر لإخلاف الوعد فأسلم الروح قبل عام واحد من الموعد، لأنّ قلبه الطيّب لم يحتمل رؤية الأطفال والرُّضّع في لبنان الذي أحبّه، وهم مضرَّجون بقنابل العدو الإسرائيلي.ولد الدكتور نيقولا زيادة في دمشق عام 1907 في عائلة جاءت من مدينة الناصرة إلي دمشق حيث كان الأب يعمل في سكة حديد الحجاز التي قرر السلطان العثماني عبد الحميد عام 1900 تشييدها لتيسير توجّه الحجاج من دمشق إلي المدينة ومكة، ولنقل الجنود العثمانيين إلي الحجاز.توفي والده وعمره ثماني سنوات أثناء الحرب العالمية الأولي، فعادت به أُمّه إلي الناصرة ليتكفّل بتربيته وأخوته الثلاثة جدّه لأمّه. وعندما صار عمره خمسة عشر عاماً قُبِل في دار المعلمين بالقدس وتخرّج منها ليصبح مدرّساً للتاريخ والجغرافية في مدرسة عكا الثانوية. ومن هنا جاء ولعه في ربط الأحداث التاريخية بالجغرافية. فمثلاً عندما قام بزيارة سورية ولبنان مشياً علي الأقدام سنة 1925، لاحظ أن العلاقات التجارية التاريخية بين مدينتي حمص وطرابلس تعود إلي وجود ممر بين الجبال يربط المدينتين. وفي مناسبة ثانية، علّل رحلات السفن التجارية بين إيطاليا وشرق المتوسط في مواعيد معلومة، خلال القرون الوسطي، بتغيّر اتجاه الرياح في موسمي الصيف والشتاء في البحر المتوسط. فالجغرافية تترك أثرها في مجريات التاريخ. حصل، وعمره 28 عاماً، علي منحة من حكومة فلسطين البريطانية لدراسة التاريخ القديم وخاصة اليوناني والروماني في جامعة لندن. وعاد إلي فلسطين سنة 1939 وهو يحمل البكالوريوس في التاريخ. وبعد ثماني سنوات، سافر مرة أخري إلي لندن والتحق بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن وحصل علي الدكتوراه في التاريخ عن أطروحته التي قدّمها سنة 1950 حول تاريخ المدن السورية . وعندما عاد من إنكلترا، كانت مدينته الناصرة ضمن دولة إسرائيل التي أقاموها سنة 1948، فذهب إلي لبنان وعمل أستاذاً للتاريخ في الجامعة الأمريكية. وبقيت الناصرة جرحاً غائراً في أقصي حنايا الروح.كان نيقولا زيادة من الرعيل الأول من دعاة الوحدة العربية مثل أستاذه درويش المقدادي، وساطع الحصري، وقسطنطين زريق، وغيرهم. كان يفهم القومية العربية علي أنها شعور بالانتماء إلي أُمّة لها تراث مشترك من الشعر والأدب والدين والتاريخ والسياسة. وكان يري في ديانته المسيحية ديناً من أديان العرب فقد ظهرت المسيحية في الشام. وكانت الشعوب العربية إبان شبابه تناضل ضد عدو مشترك هو المستعمِر في المشرق والمغرب. فكان يدعو إلي النضال من أجل الاستقلال ثم إلي الوحدة العربية التدريجية، بحيث تتوحد في مرحلة أولي شعوب الأمة العربية في أربعة كيانات بحكم الجغرافية هي: جزيرة العرب، والعراق والشام، ومصر والسودان، والمغرب العربي.وساعده علي نشر أفكاره عمله أستاذاً للتاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت التي كان يؤمّها آنذاك النابهون من الطلاب من جميع أقطار المشرق العربي، ويتواجد فيها عدد من الأساتذة دعاة الوحدة العربية مثل قسطنطين زريق، ومحمد يوسف نجم، وخليل حاوي، وإحسان عباس، وغيرهم. كما راح يُرهص لأفكاره في كتبه الموضوعة والمترجَمة التي تتناول تاريخ العرب المشترك وحضارتهم. ومن مؤّلفاته كتاب لمحات من تاريخ العرب ، وكتاب الجغرافية والرحلات عند العرب ، وكتاب ليبيا في العصور الحديثة ، ومن ترجماته كتاب تاريخ البشرية لأرنولد توينبي، و تاريخ المغرب في القرن العشرين لروم لاندو. وله مئات من الدراسات والبحوث والحلقات الإذاعية عن تاريخ العرب. كان نيقولا زيادة مؤرِّخاً فذّاً شارك في صنع التاريخ وأحداثه.كاتب من العراق0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية