بدلاً من لوم الضحية

حجم الخط
0

أسامة عرابي

لماذا نتجاهل الحقائق علي الرغم من أنها صلبة وعنيدة، ونقف عند الظرفي والآني من الأحداث والوقائع؟ أليس الحاضر تاريخاً؟ هل نسينا تصريح الشيخ بيار الجميل وزير داخلية لبنان عام 1969الذي أعلن فيه أن قوة لبنان في ضعفه، وهو ما يجري تجسيده الآن علي أرضه من قبل النازية الجديدة (اسرائيل)؟ هل غاب عنَا ما كتبه شاعرنا الرائد الكبير أنسي الحاج في ملحق النهار بتاريخ 7/7/1968رداً علي الحملة التي قادها المرحوم العميد ريمون اده تأييداً لمطلبه القاضي باستدعاء قوات الطوارئ الدولية الي لبنان متسائلاً بوضوح عما اذا كان لبنان (أبرشية أو ضيعة تعيش من تربية البقر، وكل مطلبها حراس يؤمنون لها الاستمرار في حلب البقر).. ثم يشتد صراخ صاحب (لن) قائلاً: نطلب البوليس الدولي ليحمينا ممن؟ من العرب أم من اسرائيل؟ أم من نصف اللبنانيين؟ أم لتوفير زبائن لفنادق البلد؟ ليت الذين يؤرقهم هاجس السياحة وموسمه المتميز هذا العام في لبنان، ويتباكون علي ضربه، أن يعوا درس التاريخ وينطلقوا منه في فهم ما يجري ويدور الآن، بدلاً من لوم الضحية وتحميلها كل المسؤولية، وكأن وظيفة وزارة الحرب الاسرائيلية أمست دفاعية، وليست أداة لتحقيــــق مخطط نجد عناوينه الرئيسة في الرسالة التي بعثها وايزمان الي لويد جورج عام 1919 في أهمية الاستيلاء علي مياه الحاصباني ومرتفعات جبل الشيخ وأن يكون نهر الليطاني حدود اسرائيل الشمالية مع لبنان. ثم جاء غزو لبنان عام 1982، ليستهدف ضمن ما يستهدف تأمين الحدود الشرقية لاسرائيل ودفع الفلسطينيين للهرب الي الأردن؛ باعتباره فلسطين المسماة بالأردن بتعبير ارييل شارون في حزيران (يونيو) 1982. من هنا كان الحرص علي اضعاف لبنان عسكرياً، واخراجه من حومة الصراع ضد اسرائيل في الحروب العربية الرسمية:1948، 1956، 1967، 1973، ومغزي التحذير الذي أطلــــقه شمعــــون بيريس وزير الحرب الاسرائيلي الأسبق: (ان الأردن فهم الرسالة عام 1970، ولذلك علي لبــــنان أن يفهم هو الآخر ويستخلص النتائج). لذا عمدت اسرائيل الي الالحاح علي ضرورة نزع سلاح الميليشيات المعادية لها في لبنان وطرد عناصرها ولو كانوا (لبنانيين في جنسيتهم ودورهم السياسي) وفق ما ذهب اليه الجنرال رفائيل ايتان رئيس أركان الجيش الاسرائيلي الأسبق، توطئةً لابرام معاهدة كامب ديفيد أخري مع لبنان لتكريس حياده وفصمه عن محيطه العربي. وذلك علي نحو ما صنعته اسرائيل فجعلت من مؤامرة ترحيل الفلسطينيين من لبنان الي تونس في آب (أغسطس) 1983، فرصة سانحة لتنصيب بشير الجميل رئيساً للبنان بعدها بثلاثة أيام؛ توطئةً لعقد اتفاقية العار بينه وبين اسرائيل في 17 ايار (مايو) 1983داخل مستعمرة كريات شمونة الاسرائيلية، في ارتباط شرطي لا تخفي دلالته. الأمر الذي يشي اليوم بجدية العلاقة التي تصل ما بين العدوان الاسرائيلي البربري الهمجي علي لبنان، ومحاولة فرض حقائق جديدة علي الأرض ترمي الي تجريد حزب الله من سلاحه، وفرض التطبيع بمظاهره المتعددة علي لبنان، بما يعنيه ذلك من قيام علاقات طبيعية بين البلدين، وترتيبات أمنية في الجنوب تضمن سلامة الجليل، وتيسير العلاقات الاقتصادية والسياسية المتبادلة، والاتفاق علي دور امبريالي لقوات الطوارئ الدولية والقوة المتعددة الجنسيات. وهو ما لخصه بجلاء (آفي بارنز) الناطق الرسمي الاسرائيلي في محادثات المفاوضات اللبنانية ـ الاسرائيلية عام 1982 في مدينة خلدة اللبنانية فقال: (ان هدف اسرائيل هو اجلاءكل القوات الغريبة عن لبنان، واستعادة السلطة والسيادة علي كل التراب اللبناني). ومن ثم الغاء (اتفاق القاهرة) بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، علي الرغم من الوثيقة التي وقعها أبو أياد في حزيران (يونيو) 1973مع جوزيف شادر عضو المكتب السياسي لحزب الكتائب اللبناني، وحرصا فيها علي النص بوضوح علي أن بواعث الاعتداءات الاسرائيلية ضد القري الحدودية، لا تعود الي تواجد الفدائيين في هذه المنطقة، بل الي مطامع الدولة الصهيونية في الأراضي اللبنانية. لذلك تدفقت الأسلحة الأمريكية الصنع، البالغة التطور علي (جونية) لتستخدم ـ كما ذكر أبو أياد في حوار له مع الدبلوماسي والكاتب الصحافي ايريك رولو ـ ضد الفلسطينيين، علي نحو ما أبلغه أمين الجميل رداً علي سؤال له حول ماهية الاستعدادات العالية للميليشيات التابعة لحزبه، عقب زيارة قاما بها لمعسكر تدريب. بيد أن اسرائيل عمدت بُعيد دخولها الجنوب اللبناني الي البحث عن عميل شيعي، من طراز الرائد سعد حداد قائد جيش لبنان الحر! ونبيل بشاشة الذي أسس جيشاً سنياً في اقليم الخروب في الشوف بمعاونة الجيش الاسرائيلي، يكون علي استعداد للتعاون معها بلا حدود؛ توقياً لخطر الطائفة الأكثر عدداً، واعانتها علي تفخيخ العلاقة بين المسيحيين والشيعة تمهيداً لاشعال حرب طائفية، تهيئ لها السبيل لاعادة صياغة الأوضاع بالبلاد بما ينسجم ومخططها الصهيوني. لذلك لم يكن بالعجيب العاجب أن نقرأ لهنري كيسنجر وهو بعدُ وزير الخارجية الأمريكية تصريحاتٍ أثناء الحرب اللبنانية يعلن فيها بثقة مريبة عن النتائج المتوقعة منها، وما ستفضي اليه من موت لثلث السكان، وهجرة لثلث ثانٍ، وفقدان لعقل الثلث الثالث الذي سيبقي بالبلاد. عندئذٍ لا يصادفون معارضة تُذكر، ويُمسي المناخ العام مُعبَداً لتمرير ما انتووا عليه. وبالطبع كان ارهاب الجيش الاسرائيلي القابلة التي تمكن المشروع الصهيوني دوماً من بلوغ غاياته ومراميه، كما فعلوا في لبنان خلال الأعوام 1970 و1975 و1978 أثناء ما سمي بـ(عملية الليطاني) و1982ابان الغزو الكبير للبنان حتي العاصمة بيروت وفي الجنوب اللبناني هذا العام ولا سيما في (قانا) التي تعرضت للمجازر الوحشية مرتين، أولاهما في 18 نيسان (ابريل) 1996 والتي قُتل خلالها ما يربو علي مئة مدني لبناني في مقر الكتيبة الفيجية التابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، وثانيتهما في 30 تموز (يوليو) 2006 وراح ضحيتها أكثر من ستين طفلاً وامرأة؛ علي نحو ما انتهجوه من قبل حين عمدوا الي تغيير الواقع الديموغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ بهدف بلورة خطة استراتيجية ترمي الي تدشين اسرائيل دولة لكل يهود العالم، وتفريغ البلاد من أصحابها الأصليين، ولكن بعد (استخدامهم في القضاء علي الحيوانات البرية المتوحشة والأفاعي، ودفعهم الي بلاد العبور المجاورة) وفق ما ذهب اليه هرتزل في مذكراته. وكما نهضت اسرائيل بتجريد لبنان من تراثه الحضاري فسرقت من قصر الأونيسكو (كميات كبيرة من الرسوم الزيتية الفنية والتراث الثقافي، وسرقت اللوحات الفنية من الجامعة اللبنانية، ومن كلية العلوم سرقت جميع المعدات والأجهزة) حسب ما جاء في شهادة الشهيد جورج حاوي أمام اللجنة الدولية للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي من قبل اسرائيل أثناء غزوها لبنان عام 1982، وسرقت أرشيف جريدة النهار النادر ومكتبة مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، فانها ترمي اليوم بالاضافة الي ما سلفت الاشارة اليه، الي تعويق تطور لبنان العام وتكبيل استقلاله المرتجي، واغراقه في فوضي التناقضات المذهبية والطائفية، علي نحو ما جري في العراق. غير أن ثقتي الكبيرة في وعي الشعب اللبناني العظيم، وحرصه علي وحدته الوطنية، سيفوتان الفرصة علي أعدائنا التاريخيين، وستعود بيروت منارة وطليعة للحداثة العربية، كما استقرت في ضميرنا ووعينا دوماً، بعد أن أمسي قدرها أن تعيش بين حربين طاحنتين لا تتركان للذاكرة اللبنانية فسحة خارجهما، وأن تحيا فصول الملهاة العربية التي تأبي الا أن تراوح في مكانها، مخلّفة انحطاطها السياسي وأسفارها الدموية. وتحية لزعيم هذه الأمة السيد حسن نصرالله الذي أجَل تحرير شهادة وفاة العرب بوقفته البطولية هذه، التي أعادت الاعتبار لنهج المقاومة وللكفاح المسلح مما أجبر اسرائيل من قبلُ علي تنفيذ القرار 425 في لبنان، والجلاء عن أراضيها. واليوم تضيء العمليات الاستشهادية سماء لبنان، جنباً الي جنب مع المقاومتين الوطنيتين العراقية والفلسطينية العظيمتين، كما أدركها طلاب جامعة بيرزيت الفلسطينيون حين هتفوا بحسم في وجه الصهيوني الفرنسي جوسبان الذي رمي حزب الله بسخائم يعف عنها اللسان قائلين له: من بيرزيت لبيروت شعب واحد لا يموت. ولن تُفلح الحملة المغرضة التي يشنها أعوان الصهيونية وصبيان أجهزة الأمن في تشويه الصورة الوضاءة لسيد المقاومة حسن نصر الله حين ينسبون اليه زوراً وبهتاناً قتل الشهيدين: حسين مروة ومهدي عامل ورفاقهما؛ فالقاتل معروف وهو أمير حركة التوحيد الشيــــخ سعيد شعبان لكنهم عنه يصدفون، والي السيد نصر الله يُصرون. وقانا الله شر أجهزة الافك والطغيان، وعاشت المقاومة لتحرر الشعوب العربية من حكامها الخونة. كاتب وناقد من مصر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية