عندما يمرض الزعيم

حجم الخط
0

عندما يمرض الزعيم

عندما يمرض الزعيمالقادة الكبار يصعب تعويضهم، وفيدل كاسترو هو من ابرز هؤلاء. ولذلك عاش الكوبيون الذين لم يعرفوا غيره زعيماً علي مدي خمسة عقود، لحظات صعبة، وهم يتلقون انباء نقله الي المستشفي بسرعة مقلقة للعلاج من نزيف داخلي.الاحوال الصحية للقادة الكبار تظل من الاسرار الاستراتيجية، لا يمكن الكشف عنها ومعرفة تفاصيلها الا بعد وفاتهم، ولذلك لم يتسرب الا القليل القليل عن طبيعة مرض الزعيم الكوبي. ولكن صدور بيان عنه بنقل الصلاحيات الرئاسية الي شقيقه راؤول، وزير الدفاع، والحارس الأمين، يوحي بان الأمر ينطوي علي خطورة. فالسوريون لم يعرفوا شيئا عن طبيعة مرض الرئيس السوري حافظ الاسد الا بعد وفاته، حيث تبين انه كان في حالة غيبوبة لعدة اسابيع، والشيء نفسه يقال ايضا عن الرئيس جمال عبد الناصر، والعاهل المغربي الحسن الثاني والزعيم التونسي الحبيب بورقيبة، والقائمة تطول.المنشقون الكوبيون الذين هربوا الي الولايات المتحدة، وانخرطوا في مخططها لزعزعة استقرار بلادهم، بدأوا الاحتفالات مبكرا في ميامي مركز تجمعهم الرئيسي. فبعدما فشلوا، رغم الدعم الامريكي الضخم، في اطاحة الرجل وحكمه حياً، يريدون ان تنجح العناية الآلهية فيما فشلوا فيه علي مدي خمسين عاماً.من الصعب التكهن بالصورة التي ستكون عليها كوبا اذا قدر الله وضع حد لحياة هذا الزعيم الأممي العنيد المعادي للاستعمار الامريكي، ولكن تجارب التاريخ علمتنا ان خلفاء الزعماء الكبار لا يسيرون علي النهج نفسه، وغالباً ما يفضلون فرض بصماتهم الخاصة، وهي غالباً مختلفة.فأنور السادات خليفة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي عاش في ظله نائبا لسنوات عديدة، انقلب مئة وثمانين درجة علي سياسة معلمه، وانحرف يمينا، وغيّر اسم البلد وعلمها، وذهب الي تل ابيب مستجدياً السلام بعد حرب غامضة، التبست علي الكثيرين دوافعها واهدافها.والشيء نفسه فعله دينغ هسياو بينغ عندما تولي السلطة بعد اختفاء مرحلة الماوية وثوراتها الثقافية، وغورباتشوف بعد وفاة بقايا الثورة البلشفية الواحد تلو الآخر في مرحلة زمنية قصيرة.راؤول كاسترو الذي عهد اليه شقيقه بتولي زمام الأمور في البلاد بعد نقله الي المستشفي شيوعي ملتزم، عاش في ظل اخيه خادماً مطيعاً لفكره، وحامياً لتجربته الفريدة من نوعها، من موقعه كوزير للدفاع مسؤول عن القوات المسلحة وتطويرها.المحللون الامريكيون بدأوا حملة من التكهنات حول السياسات التي سينتهجها في حال انتقل الحكم اليه بصفة دائمة، فهناك من يقول انه سينقلب رأسمالياً، ويدخل اصلاحات تؤدي الي الانفتاح الاقتصادي وتشجيع القطاع الخاص، مثلما فعل الرئيس السادات في مصر، وهناك من يرجح انه سيحاول اتباع التجربة الصينية الحالية، اي اصلاح اقتصادي شامل وتشجيع القطاع الخاص وفتح الابواب امام الاستثمار الخارجي، دون احداث اي اصلاحات سياسية في قمة السلطة.كوبا بعد كاسترو لن تكون مثل كوبا خلال حكمه بكل تأكيد. والرجل سيدخل التاريخ علي انه ديفيد الصغير الذي تحدي غولياث الكبير القوي. كاسترو انحاز الي الفقراء والفلاحين، وحقق مكانة لبلاده تقوم علي اسس الكرامة وعزة النفس، وظل دائما وفيا لقضايا العدل في العالم، وعلي رأسها قضايا العرب المركزية. كاسترو ترك مدرسة خرّجت العديد من الزعماء في امريكا اللاتينية الجنوبية، ابرزهم هوغو شافيز في فنزويلا الذي يواصل حمل الراية، وينشر التحدي في عرين النفوذ الامريكي التقليدي.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية