ماذا بعد جريمة قانا؟

حجم الخط
0

د. الحسان بوقنطار

تظاهر المواطنين في بيروت ضد مقر الأمم المتحدة، لا يشكل فقط تعبيرا عن استنكار المجزرة التي ارتكبتها مرة أخري القوات الاسرائيلية ضد بلدة قانا في الجنوب اللبناني، ولكن أكثر من ذلك إدانة لعجز الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن وقف العدوان الاســرائيلي المستمر منذ ثلاثة أسابيع ضد لبنان.

فجريمة الحرب الاسرائيلية ضد مدنيين غالبيتهم من الأطفال لا يمكن أن تجد أي تبرير. فهي ليست إلا محصلة أكثر وحشية في مسلسل العدوان. وهي مرة أخري تكرر نفس الجريمة ضد هذه البلدة التي ارتكبت في نيسان (أبريل) 1996 وخلفت أكثر من مئة قتيل في ظل حكومة كان يقودها شمعون بيريس. ولم تغفر آنذاك الولايات المتحدة للأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي نشره تقرير التحقيق الذي أدان القوات الاسرائيلية. فمرة أخري لا يمكن إدراك هذه الجريمة إلا بكونها تعبيرا عن احتقار إسرائيل للقانون والشرعية الدولية طالما أنها تتمتع بالمساندة الامريكية. لم يتمكن مجلس الامن من استصدار قرار يلزم إسرائيل بوقف إطلاق النار رغم اقتناع غالبية أعضائه بعدم تناسب رد الفعل الاسرائيلي مع الأسباب التي قادت إليه.

ووراء هذا العجز تقف الولايات المتحدة التي لا تتردد في البحث عن الذرائع التي تتفهم الممارسات الاسرائيلية. لقد طالب الأمين العام للأمم المتحدة مجلس الامن بشجب هذه الجريمة، وهو أقل ما يمكن فعله أمام هول المجزرة. ويدرك الامين العام أن الأمم المتحدة التي تتخبط في عجزها تنهار مصداقيتها أكثر أمام فشلها في القيام بإحدي مهامها الاساسية، وهي إقرار السلم والأمن الدوليين.. وأكثر ما يقلق الأمين العام قبل انتهاء مهامه تفشي ذلك الرأي الذي يعتبر أن الأمم المتحدة لا تملك أي شيء في مواجهة الولايات المتحدة. هذه الاخيرة بمساندتها المتواصلة لإسرائيل وبانحيازها لعدوانها، لا تخدم القوي المحبة للسلام، بل علي العكس من ذلك تؤجج مظاهر التقاطع والصراع بين الشعوب والحضارات. فالخطاب الامريكي يبدو مليئا بالتناقضات. فهو يحاول أن يبرر مساندته للعدوان بالحديث عن معالجة شمولية تمتد الي جذور المشكلة، ويتناسي أن هذه الجذور تضرب بأعماقها في الاحتلال الاسرائيلي وفي رفضه الانصياع للقرارات الدولية التي اتخذت منذ أربعين سنة كما هو الأمر بالنسبة للقرار 242. فالمشكلة لا تكمن في سورية وإيران. فهذه ليست سوي أطراف تتغذي من الجذور العميقة الكامنة في استمرار الاحتلال والأسري والحصار بكافة أنواعه ورفض الاعتراف بالآخر. كلما شاع العدوان الاسرائيلي وعجزت الادارة الامريكية عن لجمه، تخرج من جديد قصة الشرق الأوسط الجديد. وعلي هذا المستوي ترفض الإقرار بأنه لا يمــــكن إعادة البناء إلا بإشاعة شروط الاستـــقرار والإنصاف والعدالة. ولا يمكن ان يتم ذلك إلا من خلال تسوية عادلة للصراع العربي ـ الإسرائيلي المصدر الاساسي للتــــوتر المستمر في المنطقة. ولا يمكن أن يتم ذلك بدون نبذ كافة أشكال الاحتلال وضمان سيادة الشعوب علي أراضيها. الإدارة الامريكية الحالية تبدو عاجزة عن قيادة مشروع للإصلاح البناء في المنطقة. فما يسمي بنظرية الفوضي البناءة تحولت الي فوضي عارمة فوق أرض الواقع. وفي كل تدخلاتها العسكرية لم تستطع الولايات المتحدة بلورة مشروع لإعادة البناء. ويبدو الإخفاق واضحا في أفغانستان والعراق وفلسطين. ففي كل هذه الأرجاء باتت تسود مظاهر اللااستقرار والعنف.

أكثر من ذلك، فإن المقاربة اليمينية الأمريكية لا يمكن إلا أن تضعف القـــــوي المعتدلة في العالم العربي والاسلامي وتدعم القوي الراديكالية التي تتغذي من مثل هذه الجرائم التي لا تجد إلا الإدانة عبر العالم باستثناء الادارة الامريكية. فبمواقفها هذه، فإن الولايات المتحدة لا يمكن إلا أن تحصد مزيدا من الكراهية، ولا يمكن إلا أن تخلق أجيالا من المواطنين أكثر تطرفا وأكثر مناهضة للسياسة الامريكية. إن السؤال الاساسي بعد هذه الجريمة إنما يكمن في معرفة مستــــقبل تطور الاوضاع في المنطقة. لحد الساعة، فإن الجريمة لم تحدث تحولا بارزا.

فالإدارة الامريكية، التي تملك إمكانيات الضغط علي إسرائيل لدفعها الي الالتزام بوقف إطلاق النار، ما زالت لم تغير منظورها للأشياء. صحيح أنه لا يمكن لها أن تستمر في تجاهلها لمطالب المجتمع الدولي المصدوم بجرائم إسرائيل، لكنها لحد الساعة لا تريد التعجيل بفرض وقف لإطلاق النار طالما أن إسرائيل لم تعتبر أنها حققت الهدف من العدوان. فهي تري، علي خلاف مواقف أخري، أنه لا يمكن إقرار وقف لإطلاق النار بدون اتفاق سياسي مسبق يتوخي بالأساس إطلاق سراح الأسيرين الاسرائيليين وبسط سيطرة القوات اللبنانية علي كافة الاراضي ونشر قوة دولية تشكل بالأساس حماية لإسرائيل ضد عمليات حزب الله. لذلك فإن الادارة الامريكية، رغم هذه المجزرة، ستتوخي تحقيق هدفين: منع كل قرار من شأنه شجب العدوان الاسرائيلي، فبالأحري التحقيق في مجازره، وثانيهما منع كل وقف لإطلاق النار لا يكون مسنودا بما تسميه باتفاق دائم. وهذا يعني أن المشاورات ستستمر خلال الاسبوع الحالي مما يساير الي حد كبير مطلب إسرائيل بتمكينها من مزيد من الوقت حتي تواصل سياسة الدمار والإحراق وربما ارتكاب جرائم حرب أخري. لكن هل تستطيع الآلة الاسرائيلية، المدعومة من طرف الولايات المتحدة وبصمت النظام الدولي، تركيع المقاومة اللبنانية، وبالتالي خلق واقع جديد في المنطقة؟ لا تنحو المعطيات المتعلقة بسير العمليات نحو هذا المنحي. فبصرف النظر عن الخراب والدمار الذي لحق بالبنيات وبالمدنيين، فإن العدوان الاسرائيلي ربما، علي العكس من ذلك، قوي رمزيا من المقاومة ومكونها الاساسي حزب الله وخلق التـــحاما أقوي داخل الجبهة الداخلية اللبنانية. ومن ثم، فإن إسرائيل تشعر أن الاوضاع زادت تعقيدا، وان الهدف الرامي الي إعادة صياغة تشكل المنطقة يبدو صعب المنال، كما هو الامر أيضا بالنسبة لأسطورة بناء شرق أوسط جديد. إن السلام الدائم لا يمكن أن يتم ارتكازا علي القهر والإذلال وإملاء الشروط، بل لا مناص من سلام يرتكز علي شروط العدل والإنصاف والقبول بالشرعية الدولية بكل مكوناتها. ہ كاتب واستاذ جامعي من المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية