الكشف عن الأغوار في ضيافة هنري ميلر
محمد طالبيالكشف عن الأغوار في ضيافة هنري ميلرصدر مؤخرا عن دار النشر الأردنية (أزمنة) كتاب مهم ومثير قام بترجمته القاص المغربي سعيد بوكرامي وقد جاء تحت عنوان : (في ضيافة هنري ميلر) للكاتب البلجيكي بسكال فريبوس وينتمي الكتاب إلي جنس السيرة الذاتية الحوارية. وهو إضافة قيمة للمكتبة العربية لمعرفة أسرار الكاتب الأمريكي هنري ميلر المثير للجدل الثقافي، خلال حياته وبعد مماته.نعرف جميعا ما للمراسلة والحوار مع الآخر من أهمية تاريخية وتوثيقية لأنهما نوع من الأرشفة لحياة الكتاب المشهورين، والإضاءة العميقة لحيوات كائنات استثنائية لم تأت إلي العالم بسهولة ولم تعش فيه حياة عادية وسطحية بل جاءت لتفعل وتتفاعل تغير وتحرر من قيود مجتمع بائد.قرأ الكاتب المسرحي بسكال فريبوس أعمال هنري ميلر كلها فأحب أن يغوص في أعماق هذا الكاتب الأسطورة، وحاول بلا كلل مراسلة هنري وميلر وطلب لقاءه ومحاورته وبعد زمن جاءته رسالة يطلب فيها ميلر أن يلتقيه. فجاء الشاب بسكال ونزل ضيفا عند ميلر في أواخر السبعينيات 1979 وقد صادفت هذه الضيافة أن يكون ميلر في خريف عمره (84سنة). لا ننس أن هنري مات شهورا معدودة بعد هذه الضيافة.كان بسكال في الحقيقة في سباق مع الموت. زيارة استثنائية دامت ستة أيام وقد كانت كافية لتلخيص مواقف هنري ميلر ومبادئه واعتقاداته وتصوراته الثقافية والفنية والفكرية والفلسفية والاجتماعية. ضيافة حقيقية في مسارات تجربته الطويلة في مجال الكتابة. طاف فيها بسكال مع ميلر عبر العالم من بلد إلي بلد ومن مدينة إلي مدينة ومن صديق إلي صديق في ترتيب تسلسلي أبرز فيه المحاور درجة عالية من الدقة المهنية، فجاء الحوار سيرة شفوية متسلسلة تحولت إلي سرد مكتوب بأداء مشوق عبر جولات مقتضبة متنقلة من البسيط إلي المركب ومن الجزء إلي الكل.ويقول بسكال فريبوس أن اللقاء مع ميلر ضرب من الخيال لا يمكن للمرء أن يصدق تحققه: (ميلر بالنسبة لي خيال بعيد تقريبا أسطوري… علي بعد خطوتين من الموت) فكان لقاء خيم عليه الهدوء في البداية لكنه سرعان ما تحول إلي عاصفة من الحقائق والأسرار استغرقت ساعات طويلة كان خلالها ميلر يقهقه طوال الوقت بالنكتة والمزحة والذكريات والحقائق.يبقي ميلر وحده يحمل الحقيقة وعكسها إذ كان هذا الأخير يستعد للموت بعيدا عن مرارة العالم وويلاته التي كان في بدايته يبحث فيها عن الخبز ويسافر إليه عبر الأمكنة كما تفعل قطعان الفيلة بحثا عن العشب والماء. انها عملية تتطلب معاناة حقيقية لكنها في النهاية تلغي الأضداد (الأسود والأبيض).يعطي ميلر من خلال الكتاب صورة عن الصراع ضد الانسان في حد ذاته لأنه لا يقبل الحقيقة في صفاتها المتحركة و لأنه معاند وصلب كما أنه لم يفهم في يوم من الأيام كما عباقرة عديدين.أنت ناجح عالميا يا ميلر. أجاب: نجاح متأخر، تعلمت الحياة من الأصدقاء والشارع. لذلك جاءت ثقافته أوروبية أكثر منها أمريكية. ولم يكن شارع بروكلين بالجنة كما يتصور الآخرون. ولم يؤمن بصلة الرحم فأمه هي أول أعدائه. وكان العالم الذي قدم إليه مجرد (مستنقع قيء) فقد كانت أمه ذلك العالم الذي كرهه ولم تعترف بموهبته الادبية وروحه الانسانية. وقد أرجأ المصالحة إلي عالم ما بعد الموت متكئا علي الثقافة الأدبية لأنها خير وسيط لذلك التصالح الأبدي. ہ كاتب من المغرب ـ بسكال فريبوس (في ضيافة هنري ميلر) ترجمة سعيد بوكرامي. منشورات أزمنة عمان الأردن 20060