الصـورة

حجم الخط
0

الصـورة

نجيب كعواشيالصـورةلدي حساسية غريبة من الصور.. صوري أقصد. لا أحب نفسي فيها، ولا أحتفظ بها كالناس.. أتهرب من عدسات آلات التصوير كما أتهرب من الجذام.. تصوروا !! صوري الوحيدة، لا توجد إلا في بطاقة التعريف، وبطاقة العمل.. وحتي عندما أخذت لي، كنت كمن يتجرع أدوية مرة.. عادة، لا أحمل معي هذه الوثائق.. عدم حملها أجبرني ذات مرة، لسوء حظي، علي مرافقة رجال الشرطة، بدعوي التحقق من هويتي.. لا بد من أخذ الصور.. يا الهي.. يتولد لدي دائما إحساس رهيب بأنني عار، أمام الآخرين، كلما كانت تؤخذ لي تلك الصور.. حاولت ألا أبدو متوترا، وأن ألبس قناع البشاشة.. إنها ليلة عمرنا، ولكي لا تصلبني زوجتي بعد ذلك، باللوم الأبدي.. عشرات الصور.. كأنها عشرات الجلدات..* * *أخذت زوجتي ألبوم الصور، وشرعت تختار من بينها، تلك التي بدت فيها الأجمل، والتي ستري انها تصلح للتكبير والتعليق علي جدار الصالون. دعتني أن أشاركها فحص الصور، حتي نتفق علي واحدة، لكنني تهربت من هذا الطقس المرير.. سوف أتعرض للومها إذا لم أبحث بسرعة عن ذريعة، مهما كانت واهية.. المهم أن تكون مقنعة..ـ لدي شغل، ويجب أن أسهر الليلة علي كتابته..ثم استدركت:ـ أنا أثق في ذوقك واختيارك..ـ ليست مسألة ذوق.. يجب أن نتفق نحن الاثنين علي صورة واحدة..ہہہأعرف أن اختيارها كان جاهزا، ورغم دعوتها لي لمشاركتها الاختيار، فإنها سوف لن ترضي بأية صورة يقع عليها اختياري، حتي لو كان اختيارا صائبا. في الحقيقة، كنت سأختار أول صورة تقع عليها عيناي، حتي أتخلص من عذاب استعراض الكم الهائل من الصور.. كنت أتظاهر بالكتابة، وأسترق إليها النظر.. كانت تطيل النظر إلي صورة معينة، وتنسي تماما أنني موجود، وكنت أراقبها وهي تحملق في الصور، وتقربها أكثر، وتبعدها، وتميل، تارة يسارا، وتارة يمينا، وكأنها تتخذ شكل الوضع الذي أخذت لها فيه يوم الزفاف.. ورطت نفسي في عذر، بدأ لي الآن، يفوح مرارة وغباء. ستقضي وقتا طويلا أمام الصور، حتي تنتهي من الانتقاء، وترسو علي صورة، وأرغم أنا علي العبث بمفاتيح الحاسوب، لأقنعها بأنني مشغول.. !ـ ما رأيك لو كبرنا هذه؟ـ لا بأس بها..قامت من علي السرير المزروع بعشرات الصور، لكي تريني الصورة التي نالت رضاها.ـ جنت المدعوات لما رأينها، واصفرت وجوههن غيرة وحسدا، وأنت تقول لا بأس بها؟ـ حبيبتي، اختيارك لا غبار عليه، ولا يناقش، وأنا أثق في ذوقك..لكنها ظلت متضايقة من تقييمي الذي بدا لها متواضعا، بل ومقصرا، ولا يفي ذوقها حقه من الروعة.. يا غبي، بما أنها اختارت هذه الصورة، فافهم أنها رأت فيها نفسها الأجمل والأحلي، وكان يجدر بك أن تثني علي جمالها فيها، وحسن اختيارها لها.. عادت إلي السرير فرأيت لوما وسخطا يتبرعمان في عينيها. دست علي (فوبياي)، واقتربت منها لأهدئ اللعب، وأتدارك انفلات الأمور:ـ أين الصورة حبيبتي؟تجاهلتني..ـ أرني الصورة حبيبتي.استطال وجهها من الاستياء، لكنها مدت لي الصورة دون أن تتكلم.ـ والله رائعة.. أنت أقصد..أحدث مشروع ابتسامة انقلابا جميلا في وجهها.. ربما هذا ما كانت تبحث عنه.. لا شعوريا.. وهذا ما حفظ ماء وجه الليلة..كاتب من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية