اسرائيل والسعودية دعامتا السياسة الامريكية في المنطقة

حجم الخط
0

اسرائيل والسعودية دعامتا السياسة الامريكية في المنطقة

د. سعيد الشهابي اسرائيل والسعودية دعامتا السياسة الامريكية في المنطقةلم يكن غريبا ان تبادر المملكة العربية السعودية في الاسبوع الاول من العدوان الاسرائيلي المتواصل لشجب المقاومة الاسلامية في لبنان، وتحميلها مسؤولية ذلك العدوان، وتوفير ذريعة معنوية وسياسية لاستمرار ذلك العدوان. فالعائلة المالكة في الجزيرة العربية لم تعرف بمواقفها الداعمة لنضالات الشعوب يوما، أو بالرغبة او القدرة علي مواجهة السياسات الامريكية في المنطقة، أو بالتصدي للاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، او بالاهتمام بالرأي الشعبي سواء في الدولة التي أسستها قبل ثلاثة أرباع القرن، ام في الدول العربية والاسلامية. وفي الاطار الاستراتيجي العام، ارتبط اسم المملكة العربية السعودية بتجسيد السياسات الامريكية في المنطقة، سياسيا واقتصاديا وامنيا وعسكريا، ومواجهة الدول والمجموعات والاتجاهات المناوئة للسياسة الامريكية في الشرق الاوسط. هذه السياسة السعودية جديدة ـ قديمة، يمكن النظر اليها في اطار تطور المنظور الشعبي لعدد من القضايا ذات الصلة باوضاع العالم العربي منها حركة التحرر من الاستعمار سابقا، ومشروع النضال الوطني المتواصل من اجل الحرية والديمقراطية، ومشروع التحرير الذي تبلور علي مدي الستين عاما، اي منذ الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، وقضايا الاستقلال في مجالات التنمية وبناء الدولة الحديثة، والسياسات النفطية، بالاضافة الي اطروحات الوحدة العربية والتضامن والتعاون. كان الموقف السعودي ما قبل السبعينات محسوبا بشكل واضح علي الفلك الامريكي، لأن طبيعة النظام الرسمي العربي آنذاك كانت منسجمة مع المواقف الشعبية ازاء القضايا المذكورة، وليس متعارضا معها. ولكن الانتكاسة النفسية والسياسية التي أعقبت حرب 73 وتنامي أثر الدولار النفطي الذي توفر لدي السعودية بسبب الطفرة التي أعقبت تلك الحرب، أدت تدريجيا الي تصاعد الدور السعودي من جهة، وتراجع قوي التحرر والنضال الوطني. كما يمكن اعتبار تلك الفترة تكريسا لأنظمة الاستبداد العربية التي ما تزال تمارس سلطاتها المطلقة حتي اليوم، مستظلة بالغطاء السياسي الامريكي الذي دخل في تحالف غير مقدس معها في مقابل مسايرتها سياسات واشنطن في المنطقة علي عدد من الأصعدة: الصراع العربي ـ الاسرائيلي باتجاه التهدئة والتطبيع لاحقا، والتدفق النفطي بدون انقطاع وبأسعار منخفضة، والتصدي للتيارات اليسارية التي كانت معنوياتها تضعف بضعف الاتحاد السوفييتي والتوجه الصيني بعيدا عن الالتزام الايديولوجي لتركة ماو تسي تونغ، خصوصا بعد أزمة عصابة الاربعة في منتصف السبعينات، وأخيرا التصدي للتيارات الاسلامية التي يزداد تأثيرها السياسي بشكل مضطرد.يمكن اعتبار حقبة السبعينات ذات أهمية خاصة لأسباب عديدة: أولها صعود قوة المال النفطي وما وفره ذلك للسعودية من مكانة احتلت بها مكانة مصر عبد الناصر بعد رحيله، خصوصا بعد اتفاقات كامب ديفيد وخروج مصر من دائرة الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وثانيها: تراجع دور التيارات اليسارية في العالم العربي، خصوصا بعد زيارة نيكسون التاريخية للصين في 1972 وما صاحبها من تراجع عنفوان حركات التحرر المدعومة من الصين والاتحاد السوفييتي الشيوعيتين، وثالثها: ان التيارات الاسلامية كانت في مرحلة ولادة ولم تكن قوة مؤثرة بعد علي الساحتين العربية والاسلامية. ورابعها: تراجع النشاط الفدائي الفلسطيني بعد مرحلة حرب الاستنزاف ورفع غصن الزيتون، للمرة الاولي، من قبل المرحوم ياسر عرفات في خطابه في 1974 بالأمم المتحدة، في الوقت الذي تصاعدت فيه عمليات الاغتيال الاسرائيلية للرموز الفلسطينية. صعود الدور السعودي تواصل منذ ذلك الوقت، وساهمت الحرب العراقية الايرانية في الثمانينات في توفير فرصة اكبر لنمو هذا الدور، اذ انشغل العراق بالحرب، وانشغلت الحكومات العربية بمواجهة التنامي المقلق لظاهرة الصحوة الاسلامية، فيما كانت اسرائيل تحتل لبنان وتصفي الوجود الفلسطيني المسلح فيها. ان من غير الممكن فصل هذا التطورات عن بعضها، وربط ذلك بتنامي الدور الامريكي الذي أصبح اكثر اعتمادا علي السعودية و اسرائيل بعد سقوط الشاه. فقد لعب المال السعودي دورا خطيرا في التأثير علي منحي السياسات الرسمية العربية من جهة، والتأثير علي الرأي العام العربي خصوصا بعد نشوء الامبراطورية الاعلامية السعودية في لندن، علي انقاض الاعلام اللبناني الذي كان أكثر تعبيرا عن حالة الصمود والنضال العربي في الفترة السابقة. السياسة السعودية السائرة في الفلك الامريكي تجسدت بشكل واضح هذه المرة ايضا. فبعد ثلاثة ايام من بدء العدوان الاسرائيلي في 13 تموز (يوليو) الماضي، تطرق بيان صادر عن مجلس الوزراء السعودي الي ما وصفه بـ انفلات بعض العناصر والتيارات وانزلاقها الي قرارات منفردة استغلتها اسرائيل ابشع استغلال لتشن حربا مسعورة ضد لبنان الشقيق وتحكم اسرها للشعب الفلسطيني باكمله . صدر البيان بعد يومين فقط من الطلب الذي أصدره الرئيس الامريكي للحكومات العربية بشجب القوي المقاومة للاحتلال الاسرائيلي، وكشف حالة الخور في النظام السياسي العربي الذي لا يملك شجاعة كافية لرفض الانصياع لذلك الطلب غير المنطقي وغير المعقول. ذلك البيان أحدث ردة فعل شعبية واسعة اتسمت بالغضب والاحباط. الامر الذي أكد ان التصريح السعودي كان استجابة لأوامر صدرت من واشنطن انه تزامن مع موقفي كل من مصر والأردن، فجاء الموقف الثلاثي ادانة للمقاومة الوطنية الاسلامية، ودعما معنويا للمنطق الاسرائيلي والامريكي. الغريب في الأمر ان هذا الموقف لم يتسم بأي قدر من الدبلوماسية او الحصافة، برغم ان الحكومات الثلاث من بين أكثر الحكومات العربية تجربة في المماحكات السياسية خصوصا في ما يتعلق بالصراع العربي ـ الصهيوني. صحيح ان هذه الحكومات الثلاث أظهرت لاحقا شيئا من التغير في الموقف المعلن، ودعت الي وقف اطلاق النار، ولكن المعلومات المتوفرة تؤكد عددا من الحقائق: اولها ان هناك تواطؤا من هذه الحكومات مع محور واشنطن ـ تل أبيب لضرب المقاومة الاسلامية في كل من لبنان وفلسطين. هذه الحقيقة أكدها وزير الخارجية القطري الاسبوع الماضي في مقابلة مهمة مع قناة الجزيرة . ثانيا ان رفض هذه الدول، خصوصا مصر والاردن سحب سفيريهما من تل أبيب يأتي في اطار الخطة التي تقضي بالشجب العلني للموقف الاسرائيلي ولكن مع عدم اتخاذ اي موقف عملي ضده. وقد ساهمت هذه الدول في افشال كافة المحاولات لعقد مؤتمر قمة عربي او اسلامي طارئ، وهي معنية بنزع سلاح المقاومة، خصوصا حزب الله اللبناني، ومنظمتي حماس والجهاد الاسلامي الفلسطينيتين. ثالثا: ان هذه الدول ترفض حتي الآن ممارسة اي ضغط علي الولايات المتحدة لاتخاذ موقف أقل وحشية ازاء ما يجري في لبنان، في ضوء اصرار واشنطن علي رفض اية دعوة لوقف اطلاق النار. وفي مؤتمر صحافي عقد في جدة الاسبوع الماضي رفض وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل استعمال النفط للضغط علي الولايات المتحدة ودعا إلي عدم الخلط في هذا الجانب وعدم المغامرة بمقومات الأمة مبينا أن النفط يرتبط بمصالح الشعوب وتنمية حياتها ويستخدم كسلاح بطريقة غير مباشرة في تقوية البنية الدفاعية والسياسية والاقتصادية . هذا في الوقت الذي استعملت فيه اسرائيل النفط سلاحا بكل وضوح، وذلك بمنع وصوله الي الاراضي اللبنانية. حتي ان رئيس الوزراء اللبناني، فؤاد سنيورة، أكد ان ما لدي لبنان من النفط لا يكفي الا لبضعة ايام. السياسة السعودية ازاء الصراعات الاساسية في الشرق الاوسط لم تتغير بشكل جوهري علي مدي العقود الثمانية الماضية، اي منذ قيام الدولة السعودية الحالية علي يدي مؤسسها، عبد العزيز آل سعود. وبالاضافة الي الجانب السياسي في هذه السياسة، فان للجانب الديني دورا لا يقل أهمية. فالمعروف ان المملكة هي مهد المدرسة الوهابية في الفقه، وهي المدرسة التي تعتمد علي عدد من المبادئ الثابتة التي من اهمها تكفير المسلمين الآخرين ممن لا يتوافق في الرأي السياسي او الموقف الديني مع المؤسسة الرسمية في الجزيرة العربية. فمثلا أصدر بعض العلماء الوهابيين، في مقدمتهم الشيخ عبد الله بن جبرين، فتوي صريحة بتحريم دعم حزب الله في نضاله ضد المحتلين، وجاء في الفتوي أنه لا يجوز نصرة هذا الحزب الرافضي (في إشارة إلي حزب الله)، ولا يجوز الانضواء تحت إمرتهم ولا يجوز الدعاء لهم بالنصر والتمكين . هذه العقلية التكفيرية مدعومة من النظام السياسي بدون شك، ولا يمكن فصلها عن الموقف الرسمي السعودي الذي عبر عنه وزير الخارجية في 17 تموز (يوليو) الماضي ضد حزب الله وحماس. كما لا يمكن فصلها عن السعي المتواصل لاحداث الفتنة الطائفية في العراق كمقدمة لتطبيق مشروع الشرق الاوسط الجديد الامريكي الذي ينطوي علي تغييرات جغرا- سياسية تؤدي الي المزيد من التمزيق علي اسس عرقية ومذهبية، وذلك في اطار سياسة الحماية المستمرة لكيان الاحتلال الاسرائيلي. هذه الفتوي السيئة استقبلت باشمئزاز عميق في داخل الاوساط السعودية، وانبري لها علماء وناشطون مثل الشيخ سلمان العودة والشيخ عبد العزيز القسام بالاستنكار والشجب. وقال القسام: إن الوهابيين المتشددين فقدوا صلتهم بنبض الشارع وباتوا لا يفكرون في العالم الإسلامي مثلما يفكر الناس العاديون، بل إنهم يفكرون فقط في عالمهم الوهابي . وفي مصر رفضت جماعة الإخوان المسلمين هذه الفتوي، وقال محمد حبيب نائب المراقب العام للإخوان المسلمين إن الوقت ليس وقت إصدار مثل هذه الفتاوي، التي قال إنها تهدد بإحداث انقسام في العالمين العربي والإسلامي. وكان المراقب العام للإخوان المسلمين في مصر محمد مهدي عاكف قد أصدر بيانا انتقد فيه ضمنيا هذه الفتوي، وقال إن هناك بعض الجهات التي تحاول إحياء الانقسامات الطائفية القديمة. وقال البيان إن بعض الحكومات تحاول إخفاء عجزها عن دعم المقاومة والتغطية ووقوفها إلي جانب العدوان الإسرائيلي والتعنت الأمريكي، من خلال إثارة مثل هذه الخلافات بين الشيعة والسنة، ومن خلال القول إن المقاومة اللبنانية تعمل لصالح إيران . المراقب للسياسات السعودية يلاحظ وجوها عدة لها. فلا يستطيع احد انكار الدعم المالي الذي تقدمه حكومة الرياض للدول الاسلامية خصوصا في مجالات الاغاثة والمشاريع الانسانية. ولكن في الوقت نفسه تنفق الرياض الشطر الأكبر من العائدات النفطية في مجال التسلح، وذلك بعقد الصفقات العسكرية العملاقة مع شركات السلاح الغربية، خصوصا الامريكية والبريطانية منها. وآخر الصفقات التي تتم المفاوضات سرا بشأنها مع بريطانيا تتضمن شراء طائرات تايفون التي دخلت مجال الخدمة العسكرية مؤخرا، وذلك بعد ان صدأت طائرات التورنادو التي تم شراؤها في منتصف الثمانينات، والتي لم يستخدم اي منها لأي غرض عسكري يبرر الصفقة. يضاف الي ذلك ان السعودية ملزمة بقبول الشروط الامريكية المذلة في مثل هذه الصفقات، والتي منها: اولا: إزالة المواصفات المتطورة من الطائرات وبقية الاسلحة الثقيلة لكي تبقي أقل مستوي مما يمتلكه العدو الصهيوني، برغم ان اسعارها تفوق كثيرا ما تدفعه اسرائيل ، وثانيها: عدم تخزين هذه الاسلحة، خصوصا الطائرات، في القواعد السعودية القريبة من الحدود مع العدو الاسرائيلي، وثالثها: الالتزام بعقود طويلة المدي للتدريب والصيانة تفوق تكاليفها ثمن الصفقة الاساسية. وهكذا تبدد عائدات النفط السعودي في غياب أية رقابة شعبية نظرا لغياب الحريات العامة في هذا البلد الذي يعتبر أكثر البلدان العربية تخلفا في مجال الحريات وحقوق الانسان وحقوق المرأة والأقليات. الحكم السعودي لم يستفد من تحالفه مع الامريكيين الا في بعض الجوانب: منها دعم الرئيس الامريكي الحالي للسياسات المحلية بالمملكة، والاشادة المتكررة بتجربة مجلس الشوري برغم خواء هذا المجلس من اي محتوي ديمقراطي. هذا الدعم لن يجدي النظام السعودي كثيرا، خصوصا مع تصاعد خلافاته مع جيرانه، حتي في اطار مجلس التعاون الخليجي، ومع شعبه الذي يطالب بالحرية والديمقراطية، والعالمين العربي والاسلامي المنزعجين كثيرا من علاقاته غير المقدسة مع الولايات المتحدة الامريكية علي حساب مصالح العرب والمسلمين، خصوصا في لبنان وفلسطين. وأصبح واضحا للكثيرين ان الحرب العسكرية المشتعلة حاليا ليست بين اسرائيل من جهة والمقاومة الوطنية الاسلامية في لبنان وفلسطين فحسب، بل بين اسرائيل والولايات المتحدة وعدد من الحكومات العربية في طليعتها السعودية ومصر والاردن من جهة، والمقاومة الاسلامية مدعومة بكافة الشعوب العربية والاسلامية وقوي التحرر الوطني وشعوب العالم من جهة ثانية. لقد كان الاجدي بالحكومة السعودية الالتزام بالصمت بدلا من الوقوف ضد المقاومة الاسلامية التي اصبحت عنوان عز المسلمين وصمودهم وانتصارهم علي الاحتلال بعون الله. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية