العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (4)

حجم الخط
0

العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (4)

سياسات الاضطهاد الصفوية وحكايات العنف دفعت بعلماء السنة للرحيل للعراق والشام ومصر وتركياالتصوف استقي فكرة الولاية من الثقافة الشيعية.. وبروز الغلو ترك أثرا خطيرا علي الوضع الإسلامي في العراقالعراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (4)بشير موسي نافعہ تنشر القدس العربي مقتطفاتمن كتاب العراق سياقات الوحدة والانقسام للباحث والاكاديميبشير موسي نافع، والذييحاول فيه تحليل البنيةالاجتماعية والثقافية والطائفيةفي العراق، ورؤية السنة والشيعة لبعضهما البعض.الجوينيكان الجويني إدارياً كفؤاً، ومسلماً شافعي المذهب، اتبع في عمله لإعادة الحياة إلي بغداد ما يمكن وصفه بسياسة سنية عكست الصعود السني الحثيث طوال القرنين الماضيين، في العراق وخارجه. ولكن تلك السياسة لم تستبطن تمييزاً ضد التشيع، بأي صورة من الصور. إلي جانب ترميم المساجد والأوقاف التي تعرضت للدمار، أعيد النشاط العلمي إلي مدرستي بغداد الرئيسيتين، النظامية والمستنصرية؛ كما قامت زوجة الجويني بإنشاء المدرسة العصمتية وأوقفتها علي المذاهب الأربعة. عين عالم سني قاضيا للقضاة في بغداد، كما عين قاض شافعي للجانب الغربي من المدينة. والواضح أن الجويني حرص علي عدم التدخل في الفضاء الاجتماعي الشيعي، الذي تمتع كما يبدو باستقلال في التصرف في الكثير من شؤونه الداخلية. فالكاظمية، التي أصبحت ذات شأن، كان لها نقيب مستقل؛ وفي الحلة عين صدر المدينة من بين أعيانها. وبالرغم من أن النجف كانت ما تزال قرية صغيرة، فقد حفر الجويني قناة لإيصال المياه إليها من قصبة الأنبار، ربما كانت المحاولة الأولي علي الإطلاق لحل مشكلة ندرة المياه في النجف وجوارها. أعادت سياسة الجويني ومثابرته بعضاً من التوازن والاستقرار لبغداد والعراق بعد الدمار وفقدان الأمن الذي جلبته عاصفة الغزو المغولي. كان غازان (الذي تسمي أيضا بمحمود) أول من اعتنق الإسلام من الملوك المغول (حكم من 694هـ/1295 ــ 703هـ/1304)، وذلك في السنة التي تملك فيها. وفي حين يذكر ابن العماد الحنبلي أن إسلام غازان قد تم علي يد الشيخ صدر الدين بن إبراهيم بن حمويه الجويني، الذي قدم الي القاهرة بعد ذلك طلباً للحديث، فإن الأرجح أن الإسلام أخذ في التفشي بين القادة المغول قبل إسلام غازان، وأن قوي عدة أسهمت في عملية الأسلمة، من العلماء السنة والشيعة في تبريز إلي المتصوفة من كافة أنحاء العراق. وبالرغم من الانطباع العام بأن غازان كان سنياً، فقد أبدي حرصاً واضحاً علي الظهور كسلطان لجميع رعيته. ولذا، نراه في زيارتيه للعراق يقصد المستنصرية ويلتقي بعلمائها ويجالسهم بتواضع، ثم يقصد الحلة وكربلاء ويطوف بقبور الأئمة الشيعة، ويأمر بحفر قناة أعلي الحلة سميت بالنهر الغازاني. ومنذ إسلام غازان، أضيف إلي الصراع العسكري بين الإيلخانيين والمماليك، الذي دارت رحاه علي أرض الجزيرة، الصراع حول الشرعية. وقد لعب وزير غازان الشهير رشيد الدين دوراً رئيساً في محاولة الإيلخانيين الحصول علي الشرعية الإسلامية عن طريق تقويض شرعية الدولة المملوكية، التي احتضنت الخلافة العباسية بعد سقوطها في بغداد؛ وهي الشرعية التي لم يقدمها المماليك، لا حكاماً ولا علماء، للمغول قط.فشل الإيلخانيون في توكيد شرعيتهم الإسلامية أمام خصومهم المماليك؛ وكان فشلهم في إيقاع الهزيمة العسكرية بهم، هو الذي أدي بالحاكم المغولي الجديد، أولجايتو محمد، المعروف أيضا بخدابندة (703هـ/1304 ــ 716هـ/1317)، شقيق غازان، إلي التشيع. في مطلع ملكه، كان أولجايتو سنياً.كان فشل أولجايتو (كما فشل غازان) موضوعياً وليس نصياً، ذلك أن امتلاك الإيلخانيين للشرعية الإسلامية كان يستدعي إيقاع هزيمة ساحقة بالمماليك، أو علي الأقل تحقيق التفاف إسلامي واسع في العراق وفارس وأذربيجان حول التشيع، مذهب اولجايتو الجديد. وقد عجز الحاكم المغولي عن إنجاز أي من الهدفين. ولكن استعداد ابن المطهر الحلي للتماهي مع الحكم المغولي وخوض معركته الدعائية كان تطوراً بالغ الدلالة في الفقه السياسي الشيعي، وينبغي النظر إليه باعتباره مقدمة التماهي الأوثق بين الفقهاء الشيعة الإثني عشرية والدولة الصفوية. كان ابن المطهر أحد أهم المساهمين في تطور النظرية السياسية الشيعية وارتباطها بالإمامة والمهدية والعدل، ومن الواضح أنه لم ينظر إلي أولجايتو باعتباره نائبا للإمام أو مثالا للعدل. لم يتسنم ابن المطهر منصباً معيناً لدي الجايتو، ولكن ارتباطه به استبطن دفاعاً عن شرعية الحكم المغولي (مهما كان هذا الحكم مفتقداً شروط الإمامة والعدل) في مقابل شرعية الدولة الإسلامية المملوكية، الدولة السنية حاضنة الخلافة، بل وفي الحرب مع هذه الشرعية. ليس من الواضح خلال ما تبقي من هذه الحقبة من تاريخ العراق ما إن كان للتطورات السياسية تأثير ملموس علي العلاقات السنية ـ الشيعية. ففي 739هـ/1338، والحكم الجلائري لم يتوطد بعد، يبدو أن السلطان حسن قد أرسل إلي السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون يعلن استعداده إلحاق بغداد بالسلطنة المملوكية، ولكن هذا العرض لم يتطور الي ما هو أبعد من ذلك. وبالرغم من التوجه السني للجلائريين إلا أن الشيعة احتلوا مكانة مرموقة في عهد الخواجة مرجان، و نائب السلطان علي العراق أويس بن حسن، بحيث عادوا إلي إعلان مراسم الحداد في بغداد. وبينما تشير المصادر المتأخرة إلي ان التركمان القاراقوينلو كانوا من الشيعة، فليس من المتيقن ان حكامهم جميعا كانوا كذلك. والأرجح ان اسبند (اسبان) ميرزا بن قرا يوسف قد أعلن تشيعه بعد فترة من توليه الحكم في 823هـ/1420، ولكن هذا التشيع لم يترك أثراً ما علي الأوضاع الإسلامية في دائرة ملكه. إن عدداً ملحوظاً من أوقاف بغداد الإسلامية ومدارسها ومساجدها، التي عاشت حتي ما بعد العهد العثماني، قد أوقفها وبناها قادة وأعيان هذه الحقبة، من مغول وتركمان وقادة جند؛ ولكن الغالبية من الحكام فشلوا في بسط سيطرتهم كل الوقت علي كل العراق، وكان علي كثير منهم قضاء معظم ولايته في حالة حرب مستمرة مع الخصوم والمنافسين والطامعين. ولم يعد للسياسي من الشأن والنفوذ والقدرة ما يكفي لصياغة الفكري أو الديني أو حتي مجرد التأثير عليه. التأثير الأهم والأعمق علي أوضاع وعلاقات السنة والشيعة جاء من التطورات الاجتماعية ـ الثقافية التي أعادت تشكيل ملامح منطقة القلب من بلاد الإسلام خلال القرون القليلة التالية لسقوط الخلافة. لقد أدت سلسلة الحروب التي تلت الغزو المغولي والانهيارات السريعة للسلالات والدول الحاكمة، وعجز هذه الدول عن بناء إدارات مركزية نافذة، أدت إلي تزايد نفوذ البادية علي حساب المدينة. إن عشائر خفاجة وعبادة، التي ظهرت علي مسرح العراق في القرن السادس الهجري، تحولت الي قوي مسيطرة في محيط الحلة وكربلاء والفرات الأوسط خلال القرن الثامن الهجري. وبسط أمراء طيء من آل مهنا نفوذهم علي معظم الجزيرة وأعلي الفرات، لاعبين دوراً توازنياً إقليمياً بين المماليك وحكام بغداد. وفي منطقة البصرة، برزت عقيل من جديد، إلي جانب عشائر من طيء، لتتقاسم النفوذ؛ بينما أخذت عشائر المنتفق في وضع قواعد إمارتها في أسفل الفرات. وقد عزز صعود البادية الإحساس المتزايد بفقدان اليقين وعدم الاستقرار والحاجة إلي الأمن الروحي والاجتماعي. كانت هذه مرحلة فريدة في تاريخ التجربة الإسلامية، مرحلة وفرت الظروف المواتية لتحول التصوف من تيار ثقافي محدود في المجتمع والثقافة الإسلامية إلي قوة اجتماعية ـ ثقافية مهيمنة. التصوف ومصادرهولد التصوف في العراق خلال القرن الثالث الهجري كتعبير قوي عن رفض مظاهر الرفاه والركون إلي الدنيا، وفي حالات قليلة كتعبير عن توجهات عقدية ـ فلسفية. انتشر التصوف أولاً في العراق وفارس وخراسان، ضمن حلقات درس ومجموعات صغيرة التفت حول شخصيات جمعت بين التقوي والعلم والكاريزما. وقد وجد المتصوفة الرعاية من السلاجقة وقادة الجند الأتراك في الحقبة الأخيرة من الخلافة العباسية، فأسست لشيوخهم الزوايا والخانقات وأوقفت عليها الأوقاف. ومع منتصف القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، كانت تقاليد التصوف التعبدية الخاصة قد نضجت الي حد كبير، كما تبلورت أيديولوجيته المتمثلة في موضوعتي الولاية ووحدة الوجود، واتسع نفوذه في صفوف الفئات الاجتماعية الحضرية. وقد صادف النضج الداخلي للتصوف حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي بدأت بسقوط بغداد. شهد التصوف خلال هذه المرحلة ثلاثة تطورات هامة، ساهمت معا في توكيد هيمنته علي الرؤية الإسلامية للذات والعالم. فمن ناحية، ولدت الطرق الصوفية الرئيسة جميعها تقريباً في القرنين السابع والثامن الهجريين، بما في ذلك تلك التي استندت إلي متصوفة ماتوا قبل تلك المرحلة كالطريقتين الرفاعية والقادرية (أو الجيلانية). وفي العراق بالذات كانت الطريقتان القادرية والرفاعية هما الأكثر نفوذاً. ومن ناحية ثانية، اتسع نطاق التماهي بين مؤسسة العلماء والتصوف حتي بات من الصعب، منذ القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، أن يوجد عالم مسلم بدون انتماء صوفي طرقي. ومن ناحية ثالثة، انتشرت إلي جانب الطرق الصوفية الكبيرة، خاصة في العراق وبلاد فارس والأناضول، مجموعات صوفية صغيرة تكونت من الالتفاف حول دراويش شعبويين، اتسم سلوكهم بالخروج علي العادات والتقاليد، الدعوة إلي الفقر، التحلل من الواجبات الدينية، وادعاء اجتراح المعجزات والاتصال الروحي. باختيارها الذاتي، رفضت هذه المجموعات الدرويشية حتي التصوف التقليدي الممثل بالطرق الرئيسية الكبري، وعكس بروزها حالة الفوضي والقلق السياسي والاجتماعي. كان ميدان هذه المجموعات، مثل القلندرية والحيدرية والعبدلية، هو الريف؛ ولكن بعض عناصرها تواجد أحياناً في المدن. استقي التصوف بعض مصادره من الثقافة الإسلامية الشيعية. فقد استعار التصوف من التشيع فكرة الولاية، وان ختم النبوة لا يعني نهاية الصلة المباشرة بين السماء والأرض، وان طريق الأولياء (الأئمة لدي الشيعة) هو الطريق إلي الله. وتلعب الكاريزما الشخصية دوراً محورياً في رؤية الجانبين للدين والله والعالم. كما ينظر كلاهما بازدراء إلي المفهوم السني للأمة/الجماعة، حيث المسلمون جميعا سواسية وحيث تقوم الجماعة ككل بنيابة الله (خلافته) علي الأرض، ولذا فإن الخلاص الحقيقي للإنسان لدي التشيع والتصوف يبدأ بالانتماء إلي الطريقة/الطائفة. وتحتل شخصية الإمام علي، والعديد من زعماء آل البيت، موقعاً هاماً في ميراث التقوي والهداية والبطولة الذي يتخلل الثقافة الصوفية. هذا، بالطبع، ما فتح الطريق عند لحظة صعود التصوف لأن تصبح الثقافة الصوفية ميدان تداخل بين السنة والشيعة، وأن تتجاذب بعض الطرق الصوفية ولاءات سنية وشيعية في آن واحد. كان بهاء الدين حيدر بن علي العبيدي الآملي (ت بعد 794هـ/1392) فقيها شيعياً بارزاً، تتلمذ علي فخر الدين محمد الحلي (ابن العلامة ابن المطهر)، وكان في الآن نفسه رأسا في التصوف. ويشير كامل الشيبي إلي مسيرة الآملي التي بدأت بكونه فقيهاً ومتكلماً شيعياً متعصباً إلي أن صار صوفيا فترك التعصب واتخذ التسامح . ويصعب أن يجد الباحث في أفكار ودعوة السيد نعمة الله الولي (مؤسس الطريقة النعمة ـ اللهية، ت 834هـ/1431) حدوداً فاصلة بين ما هو سني وما هو شيعي. وتظهر كتابات أحمد بن فهد الحلي (ت841هـ/1438)، آخر فقهاء مدرسة الحلة الكبار، توجهات صوفية واضحة وتأثراً بابن عربي والغزالي علي السواء. أما كمال الدين حسين بن علي (الواعظ الكشفي، ت 910هـ/1504) فقد كان سنياً حنفياً، انتمي للطريقة النقشبندية التي تعتبر أكثر الطرق الصوفية سنية، وهو إضافة إلي ذلك كاتب روضة الشهداء في مقاتل أهل البيت التي تعتبر أول وأهم رسالة في مجالس التعزية الحسينية.لم يؤد صعود التصوف، بالطبع، إلي اختفاء الثقافة الإسلامية العليا المتمثلة في علوم الفقه والحديث واللغة. وتضم كتب طبقات العلماء والمذاهب عدداً وافراً من العلماء الشافعية، الأحناف، والحنابلة، الذين نشطوا في مواقع القضاء وفي مدارس بغداد المختلفة، ولكن دراسات قليلة قد أجريت حتي الآن علي أعمال هؤلاء العلماء. كان نجم الدين الطوفي (ت 716هـ/1316) واحداً من أبرز الحنابلة الذين قدمتهم بغداد في هذه المرحلة، وقد أثارت رسالته حول المصلحة في الشريعة الإسلامية جدلاً كبيراً بين العلماء المسلمين في العراق وفي الدولة المملوكية. وليس هناك من شك في ان دعوة ابن تيمية وآراءه، التي أعادت الحيوية إلي التيار السلفي السني، قد وجدت صدي خارج مصر وبلاد الشام. العقيدة الواسطية ، التي رفعت من حدة خصومة العلماء الأشعريين والمتصوفة في دمشق والقاهرة لابن تيمية، هي أصلا ً رسالة كتبها للإجابة علي أسئلة وردته من أهل مدينة واسط في العراق. وكانت صلات ابن تيمية وثيقة بزعماء طيء من آل مهنا في الجزيرة والأنبار، وهم الذين حاولوا التدخل لصالحه عندما تعرض للاضطهاد من الحكام المماليك. ومن جهة أخري، فإن الأشاعرة المتأخرين الكبار، مثل أبو البركات النسفي (ت 710هـ/1310)، العضد الأيجي (ت 756هـ/1355)، وعلي بن محمد الجرجاني (ت 816هـ/1413)، عاشوا وكتبوا في المجال الثقافي الآسيوي نفسه الذي حافظ العراق علي صلات وثيقة به إبان الحقبة المغولية والتركمانية. ولعل توطد الثقافة السنية واستمرارها في بغداد هو الذي ساعد المدينة وجوارها علي تجاوز العاصفة الصفوية الهوجاء التي هبت عليها في مطلع القرن العاشر/ السادس عشر الميلادي. اتجاهات الغلوالأثر الأخطر علي الوضع الإسلامي في العراق نجم عن بروز اتجاهات الغلو، التي عادت لتطل في مساحة التقاطع بين التصوف والتشيع من ناحية، وفراغ السلطة والقوة المتكرر من ناحية أخري. ولعل طريقة/ دولة المشعشعيين كانت أبرز مثال علي هذا التطور. نشأ محمد بن فلاح بن هبة الله العلوي (ت 866هـ/1462) في بيت وحلقة درس ابن فهد الحلي، الذي كان قد تزوج والدة ابن فلاح بعد وفاة والده. ظهرت ميول ابن فلاح الصوفية في وقت مبكر، ولكنه في أواخر حياة ابن فهد أخذ يدعي بأنه المهدي ويعد أتباعه بفتح العالم وتقسيم المدن والقري بينهم، وهو ما جلب التنديد والاستنكار من ابن فهد. وقد بدأ ظهور أمر ابن فلاح في 844هـ/1440، بعد أن التفت حوله عشائر عربية في منطقة خوزستان وأهوار شرق دجلة، واتخذ من مدينة الحويزة مقراً له. كان ابن فلاح حلولياً وعلي ـ إلهياً، يضفي علي الإمام علي صفات إلهية ويعتقد بأنه حي لم يمت، ولكن أغلب أولئك الذين التفوا حوله كانوا من أبناء عشائر منعزلة ممن سيطرت عليهم أوهام الخوارق التي قيل ان ابن فلاح اجترحها. وقد عرف ابن فلاح كيف يتحكم في هذه الجموع ويثير حماسها، ويجعل منها جيشاً لم يكن من السهل دائماً التغلب عليه بالرغم من الحملات التركمانية التي وجهت ضده من بغداد. في 857هـ/1454، كان ابن فلاح قد أحكم سيطرته علي خوزستان، أوقع الدمار بالحلة، واحتل النجف، وعاث فساداً بمقام الإمام علي ونهب محتوياته وأحرق الحجر الدائر علي قبته، مدعياً ان الإمام علي رب والرب لا يموت ، وان روح الإمام علي حلت فيه. بعد موت ابن فلاح، تولي الحكم في الحويزة سلالة من نسله، تراوحت دعاوي أقطابها بين غلو أفدح من غلو المؤسس إلي قليل من الاعتدال، حتي اجتاح الجيش الصفوي الحويزة في 914هـ/1508 وحول الحكام من بني فلاح إلي أدوات للدولة الصفوية. وشيئاً فشيئاً، أخذ التشيع الإثنا عشري في الانتشار بين الغلاة المشعشعيين في شرق دجلة. وربما كانت ظواهر الغلو في الإمام علي، التي استمرت بين عشائر اللر في جنوب فارس وبين بعض العشائر المتشيعة في شمال العراق، هي ترسبات تعود إلي الدعوة المشعشعية. الدعوة المشعشعيةأما الحالة الثانية فكانت أكثر تعقيداً وأعمق أثراً علي التشيع وعلي العلاقات السنية ـ الشيعية في العراق والمشرق الإسلامي ككل، والمقصود بالطبع هو الطريقة/ الدولة الصفوية. تعود أصول السلالة الصفوية إلي شيخ طريقة صوفية درويشية، من أصل كردي أو تركماني، يدعي صفي الدين إسحاق (ت 735هـ/1334). وبالرغم من ان الصفويين اللاحقين وأتباعهم قد أضفوا شيئا من التزييف علي حقيقة أصل الأسرة، فإن نجاح صفي الدين في تأسيس طريقة لا يعني بالضرورة انه كان صوفياً علي قدر عال من الاعتبار. والواضح، علي أية حال، ان المناخ الثقافي الصوفي الذي نشأ فيه صفي الدين كان مناخاً سنياً، وان الغالبية الساحقة من أتباعه كانوا من تركمان أذربيجان، لا سيما أردبيل، مسقط رأسه. اكتسبت الطريقة تحت قيادة الجنيد (ت بعد 861هـ/1457)، ربما بتأثير الدعوة المشعشعية أو الفراغ المتكرر للسلطة، طابعاً عسكرياً، بحيث أصبح الأتباع أقرب الي الجند منهم الي المتصوفة. ويبدو ان الطابع العسكري لم يكن عنصر التأثير الوحيد الذي انتقل من المشعشعيين إلي الصفويين، فقد دخلت علي الطريقة الصفوية في عصر الجنيد توجهات شيعية وعقائد غلو دفعت بأتباعه بعد موته إلي الادعاء بأنه حي لم يمت. خلال العقود القليلة التالية، واجهت الطريقة سلسلة من التحديات السياسية والفكرية، وبالرغم من الاستعارات الشيعية في عقائدها ورموزها فإنها لم تتبن التشيع علي نحو حاسم. ولكن أوضاع الطريقة وموقعها وعقائدها شهدت تحولاً حاسماً تحت قيادة إسماعيل، الذي استطاع أن يستولي علي تبريز في 907هـ/1501 ويتخذها عاصمة له. وخلال أقل من 15 عاماً، كان إسماعيل قد استحوذ علي كل من أذربيجان، فارس، كرمان، خراسان، والعراق، ومن ثم أقدم علي مهاجمة الجناح الآسيوي للدولة العثمانية. ولكن هذه الخطوة أفضت إلي مواجهة عثمانية ـ صفوية مريرة في موقعة غالديران سنة 920هـ/1514، المواجهة التي شرخت الهالة الأسطورية لإسماعيل، وظلت ذكري هزيمته فيها تطارده حتي وفاته شاباً في 920هـ/1524. أعلن إسماعيل منذ بداية غزواته اعتناقه التشيع الإثني عشري، ولكن الروايات حول تصوراته الاعتقادية تفيد بوجود توجهات غالية لديه بنيت علي فهم صوفي متطرف لموضوعة بابية المهدي . كان إسماعيل يؤكد لمريديه أنه يتحرك بمقتضي أوامر الأئمة الإثني عشرية، وأنه كان لذلك معصوماً وليس بينه وبين المهدي فاصل . ووصف إسماعيل ولايته بأنها كانت صادرة من ختم النبوة وكمال الولاية ، وكان أصحابه بالتالي يغالون فيه حتي العبادة ويسجدون في حضرته. وكالمشعشعيين، فإن إسماعيل اعتبر غير الشيعة ممن تهدر دماؤهم، ولم يتردد في نبش قبر النقشبندي الكبير الجامي، وقبر الصوفي الشهير أبي إسحاق الكازروني، وقبر البيضاوي صاحب أنوار التنزيل ، كما سفك دم الشيخ أحمد بن يحيي الهروي، حفيد التفتازاني، حين فتح مدينة هرات سنة 816هـ/1510. وكان إسماعيل وأتباعه يسبون الصحابة ممن درج غلاة الشيعة علي سبهم، وأضاف إلي ذلك سب الصوفية من غير الشيعة. وقد اقترن حكمه بإعلان طقوس شيعية جديدة وتنظيم الاحتفال بذكري استشهاد الحسين علي النحو المتبع الآن، وإضافة عبارة أشهد أن علياً ولي الله إلي نص الاذان وشهادة الإسلام. علي المستوي الفكري، يمكن أن يعزي تشيع إسماعيل إلي الأجواء الثقافية التي سادت المنطقة في القرن الثامن الهجري/الخامس عشر الميلادي، حيث تداخلت توجهات الغلو بالتشيع والتصوف. كما ان التعظيم الشخصي وادعاء المهدية والعصمة يجد جذوره في التقاليد الملوكية الفارسية والتركية، ولم يكن غريباً بالتالي أن يعلن إسماعيل نفسه شاهاً. ولكن من الصعب إغفال البعد السياسي ومتطلبات الشرعية في خيار إسماعيل ومستشاريه المقربين. ففي الوقت الذي كانت فيه الشرعية الدينية لم تزل في أحضان المماليك والخلافة العباسية في القاهرة، بينما كانت الدولة العثمانية، المرتكزة إلي عصبية تركية (كما الصفويين)، تبرز كأهم وأقوي دولة إسلامية علي الإطلاق، فإن خيارات الشرعية المطروحة أمام مشروع التوسع السياسي ـ العسكري الذي قاده إسماعيل كانت محدودة. في اعتناقه التشيع وإعلانه مذهب الدولة وإطارها الثقافي المرجعي، كان إسماعيل يؤسس مسوغ ملكه ومبرر وجوده في تمايز عن المماليك والعثمانيين. بيد أن المؤسسة الشيعية لم تتكون فعلياً في الدولة إلا بعد وفاة إسماعيل. كانت الأغلبية من سكان البلاد التي استولي عليها إسماعيل هي من المسلمين السنة، وبالرغم من وجود مجموعات سكانية متفرقة من الشيعة في المدن الإيرانية، كما في بغداد والحلة والنجف وكربلاء، فلم يعد في العراق وإيران نشاط علمي شيعي ولا علماء بارزون. ولعل إسماعيل لم يبد اهتماماً كبيراً في إيجاد مؤسسة شيعية في دولته، فقد كان هو مركز الدولة ومعتقدها. ولكن وفاته تركت ابنه طهماسب (حكم 930هـ/1524 ــ 984هـ/1576)، الذي افتقر إلي كاريزما والده وسجل انتصاراته، في موقف صعب، وكان عليه لذلك أن يسعي لاستدعاء عدد من العلماء البارزين من خارج المحيط العراقي ـ الإيراني. وهكذا بدأ موسم هجرة علماء جبل عامل إلي الدولة الصفوية، بدءاً بالشيخ علي بن عبد العالي الكركي (ت940هـ/1534)، الذي عين نائباً عاماً عن المهدي وأطلقت يده في شؤون البلاد الدينية والقضائية، مروراً بالشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي (ت 984هـ/1576)، الذي احتل منصب شيخ الإسلام، وولده بهاء الدين العاملي (ت1032هـ/1622)، وزين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني (ت965هـ/1558). وقد استمرت هجرة العامليين إلي الدولة الصفوية حتي أخذ العلماء الفرس بالبروز واحتلال المواقع الدينية الرئيسية. ولعل شيخ الإسلام محمد باقر المجلسي (ت1111هـ/1679) كان أشهر العلماء الفرس في العهد الصفوي وأكثرهم تأثيراً علي الإطلاق. هذا النمو والنفوذ المتزايد لمؤسسة العلماء الشيعة في إيران الصفوية هو الذي أعطي الدولة شرعيتها الفعلية وساعد علي إنفاذ مشروعها. وحتي عند صعود إسماعيل الثاني إلي الحكم (984هـ/1576)، لم يكن الانتماء الشيعي للدولة قد حسم بعد، وقد أظهر إسماعيل الثاني ميولاً سنية واضحة، ولكنه سرعان ما وجد ميتا بعد عامين فقط من بداية حكمه. وبموت إسماعيل الثاني، تسارعت الجهود الصفوية لإضفاء السمة الشيعية علي البلاد، خاصة في حوضها المركزي الذي ضم أذربيجان وغرب خراسان وفارس وكرمان. شملت هذه الجهود مصادرة الأوقاف والاستيلاء علي المساجد والمدارس السنية، تهجير العلماء السنة أو تهديدهم ودفعهم للهجرة أو حتي قتلهم، إعلان سب الصحابة في خطب الجمعة بالمساجد وتغيير صيغة الأذان وشعائر العبادة، وإدخال جملة من الطقوس الجديدة، من الدراما الجماعية للعزاء وتحويله إلي موسم كامل، إلي اجتهاد الشيخ علي الكركي بالصلاة علي التربة الكربلائية، إلي تأسيس مواسم الزيارة لقبور أئمة وسيدات آل البيت التي تغطي كل شهور السنة تقريباً وتكاد تكون تقويما سنويا لحياة العامة. وقد وصل المشروع الصفوي ذروته بالدور الذي قام به الشيخ المجلسي في الحقبة الأخيرة من عمر الدولة، عندما قاد حملة شعواء علي كل مخالفيه من سنة وشيعة ومتصوفة ومن كانت لهم ميول فلسفية. قام المشروع الصفوي بإغلاق الطائفة علي ذاتها، ناقلاً التشيع من التوكيد علي العنصر الإيماني الداخلي والارتباط بوعد العدل الذي سيحمله ظهور المهدي، إلي التوكيد علي العنصر الطقوسي الخارجي والخطاب الطائفي المرتبط به. بيد ان الدولة الصفوية لم تنجح في احتواء كل العلماء الشيعة، ولا نجحت في الحصول علي التأييد منهم جميعاً. وسيشكل الجدل الذي صاحب التاريخ الصفوي حول الشرعية ودور العلماء حلقة بالغة الأهمية في سجل الفقه السياسي الشيعي، ويمهد الطريق لتجلي أهم الحركات الفكرية في التاريخ الشيعي: الحركة الأصولية. كانت الأصوات التي قالت بشرعية الدولة الصفوية تنتمي جميعها تقريباً إلي المؤسسة الشيعية للدولة، مؤسسة العلماء الذين احتلوا مناصب رفيعة في الجهاز الديني الصفوي، مثل الكركي، والطبرسي، ومحمد باقر السبزواري (ت 1090هـ/1697)، الذي احتل موقع شيخ الإسلام في دولة الشاه عباس الثاني. وقد قال هؤلاء بشرعية الدولة الصفوية عيناً، وأقروا لحكامها أخذ الخراج، وبوجوب إقامة صلاة الجمعة في ظلها، سواء لتوفر شروط العدل، أو لأن إقامة الجمعة هي من مهام الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوي … (الذي هو) نائب من قبل أئمة الهدي صلوات الله عليهم في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل ، كما كتب الكركي. وربما كان كتاب السبزواري روضة الأنوار أهم نص فقهي في الدفاع عن شرعية الدولة الصفوية. ينطلق السبزواري من أن غيبة الإمام المهدي لا تستدعي نفي إقامة حكم الدين وإمامة زمنية للناس، ذلك أن عدم توفر السلطان العادل والصالح لإدارة أمور الدنيا سيؤدي إلي إفلات زمام الأمور واضطراب المعاش، وتعسر الحياة علي كافة الناس. وحدد السبزواري وظائف السلطان بالاقتداء بحديث الإمام وسنته، دفع شر الظلمة، الحفاظ علي الرعية، وضع كل واحد من أتباعه في الموضع اللائق به، حفظ المؤمنين وحمايتهم من عدوان الكفار والمبتدعة وسلطنتهم، إعلاء كلمة الشريعة، تقوية أهل الزهد والديانة، الامتناع عن الاستيلاء علي أموال الرعية وفعل الشهوات، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة علي طرق المملكة وحدودها ونفوذها. وفي المقابل، دافع القطيفي، الذي هاجر في 913هـ/1507 ـ 1508 من مسقط رأسه القطيف إلي النجف، عن عقيدة الانتظار، رافضاً شرعية الدولة المقامة في عصر الغيبة، ومعتبراً ان سلطانها يقوم علي الغصب، وان جبايتها للخراج حرام، وان من المحرم إقامة صلاة الجمعة في ظلها. وإضافة للقطيفي، فقد لجأ معاصره أحمد بن محمد الأردبيلي، المعروف بالمقدس الأردبيلي (ت 933هـ/1585)، إلي النجف أيضاً ورفض دعوة عباس الثاني القدوم إلي أصفهان. كما اتخذ زين الدين العاملي (الشهيد الثاني) الموقف نفسه، متجنباً الانضواء تحت لواء الصفويين. إن التفسير السائد لهذا التباين الفكري داخل صفوف العلماء الشيعة يعزي عادة إلي الافتراق الأخباري – الأصولي. ولكن هذه الفرضية تفتقر إلي أدلة قاطعة، فالصراع الأخباري ـ الأصولي لم يظهر فعلاً إلا بعد سقوط الصفويين، كما أن النهج الفقهي للعلماء الذين نادوا بشرعية الدولة وأولئك الذين رفضوا شرعيتها كان متداخلاً إلي حد كبير. القطيفي، مثلاً، كان تلميذاً للكركي، كما انه ساهم فعليا في نشر التشيع في إيران بدون أن يصبح جزءاً من المؤسسة الدينية للدولة. ومن الصعب وصف العاملي والأردبيلي بالأخباريين، في حين أن إنتاج الطبرسي يظهر اهتمامه بالنهجين الأخباري والفقهي علي السواء. إن التفسير الأصح، ربما، أن الدولة الصفوية بتشيعها الصارخ، شكلت تحدياً معنوياً للعلماء الشيعة، وان هذا التحدي كان طاغياً إلي الحد الذي لم يجد الكثير من العلماء مناصاً من الالتحاق بركبه. ولعل ما يؤيد هذا التفسير أن أغلب العلماء الذين رفضوا شرعية الدولة ينتمون إلي القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، القرن الأول من تاريخ الدولة، وبمرور الزمن، أصبحت مقاومة العلماء لحقيقة وجود الدولة واستمرارها أضعف وأقل جدوي، وتعزز من ثم خطاب القائلين بالشرعية. من جهة أخري، فإن إحدي نتائج هذا التباين الفكري بين العلماء الشيعة كان بدء تحول النجف إلي مركز علمي شيعي هام، بعد أن كانت قد هجرت لقرون عقب وفاة شيخ الطائفة الطوسي. إقامة القطيفي في النجف، وحتي الكركي لبعض الوقت، ثم استقرار الأردبيلي فيها، جعلها مركزاً للقلة من العلماء الذين رفضوا التماهي مع الدولة الصفوية، ووضع أسس بروزها العلمي والفكري الحديث. أثارت الدولة الصفوية وسياساتها ردود فعل واسعة بين المسلمين السنة. كان رد فعل العلماء السنة سلبياً بإجماعه، بعد أن أخذت روايات الاضطهاد والمصادرة والعنف التي ميزت حكم إسماعيل الصفوي في الانتشار، وبدأ علماء السنة الأحناف والشافعية الهجرة من بلادهم إلي العراق والشام ومصر والدولة العثمانية. سياسياً، شكل الصفويون تهديداً لجيرانهم الأوزبك والمغول السنة في وسط آسيا والهند، وتحولت البلاد التي ستعرف فيما بعد بأفغانستان إلي ساحة صراع بين الدول الثلاث. ولكن الصفويين وجدوا حليفاً ضمنيا في المماليك الذين شاركوهم القلق من تعاظم القوة العثمانية. اسماعيل شاه الصفويلم تكن مهمة استيلاء إسماعيل الصفوي علي العراق مهمة شاقة، فقد كان الحكم التركماني قد وصل إلي طور من التحلل والفوضي. دخل إسماعيل بغداد في جمادي الثانية 914هـ/ تشرين الأول (أكتوبر) 1508، واتبع فيها السياسة المناهضة للسنة التي اتبعها في فارس وأذربيجان وخراسان، من تخريب لمشاهد الأئمة وكبار العلماء وإعمال السيف في أهلها من السنة، بما في ذلك نبش قبر الإمام أبي حنيفة، ثم توجه إلي كربلاء والنجف، حيث زار مشهدي الإمام الحسين والإمام علي، إلي أن قفل عائداً إلي مقر ملكه في تبريز بعد إرسائه إجراءات إدارة العراق. ولكن العراق، وبعد لحظة الفتح الباهظة، سرعان ما أفلت من المشروع الصفوي، أولاً، لأن هزيمة إسماعيل في جالديران (920هـ/1514) ثلمت حدة سياسته، وثانياً، لأن حملة عثمانية بقيادة السلطان سليمان القانوني في 941هـ/1534 نجحت في إنهاء الحكم الصفوي في العراق ووضعته لأربعة قرون ضمن المجال العثماني. كانت الدولة العثمانية دولة يحكمها سلاطين أتراك من آل عثمان ينتمون إلي المذهب الحنفي، وقد كانت المؤسسة العلمائية العثمانية (جهازا الإفتاء والقضاء) بالتالي في أيدي علماء سنة أحناف. ولكن الدولة لم تقدها المسألة الطائفية علي أي نحو من الأنحاء، ونظراً للتداخل بين التصوف والتشيع في آسيا الصغري خلال الحقبة الإسلامية الوسيطة المتأخرة، فقد احتلت الرموز الشيعية والولاء لآل البيت موقعاً بارزاً في الثقافة العثمانية المبكرة. ويبدو هذا التداخل واضحاً في الطريقة الصوفية البكتاشية التي أصبحت الطريقة الرسمية للقوات الإنكشارية، إحدي ركائز الجيش العثماني. ما قاد الدولة العثمانية كان فكرة الغزو والتوسع في بلاد غير المسلمين وبسط سيطرة الإسلام علي مزيد من البلاد. ولدت الدولة العثمانية في نهاية القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي في منطقة الثغور الإسلامية المواجهة لآخر الجيوب البيزنطية في آسيا الصغري، وصنع تاريخها المبكر الغزاة والمجاهدون من حراس الثغور، فرق المتصوفة والإخائيين في خطوط الرباط، وزعماء العشائر التركمانية بقيادة آل عثمان، الذين حركتهم دوافع الجهاد والغنيمة علي السواء. ومنذ نجح العثمانيون في تأسيس قاعدتهم الآمنة في الأناضول في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، لم يوجهوا ولو حملة واحدة ضد الدول الإسلامية الرئيسة في جوارهم، وكانت نشاطاتهم العسكرية موجهة في أغلبها إلي الجانب الأوروبي، أو لحراسة أمنهم الاستراتيجي في الأناضول الذي تقاسمته إمارات صغيرة في مطلع الصعود العثماني. ما دفع العثمانيين إلي الالتفات إلي ما كان يجري وراء ظهورهم، كان بالتأكيد التهديد الصفوي لنفوذهم في الأناضول. لقد ولدت الحركة الصفوية من حضن التصوف وعلي يد قادة متصوفة أتراك نشطوا وسط عشائر تركمانية في تخوم الأناضول، وكانوا لذلك مؤهلين لإقامة صلات وثيقة بالعشائر القاطنة في المجال العثماني، ومن ثم استخدامها للإخلال بالأمن والتوسع في الأناضول. وهذا بالتأكيد ما دفع السلطان سليم الأول إلي تجريد حملته ضد إسماعيل الصفوي، وإيقاع الهزيمة به في جالديران. ولكن السلطان العثماني سرعان ما اكتشف حقيقة الصلات السرية بين إسماعيل والسلطان المملوكي قانصوه الغوري، وعقد العزم بالتالي علي تصفية السلطنة المملوكية ووضع نهاية لتعدد دول الإسلام في المشرق. وخلال سنوات قليلة، كان جهد سليم قد تكلل بالنجاح، فقد سيطر علي سورية في 1516، وعلي مصر في 1517، ثم دانت له الحجاز، ليتوج حارساً للبقاع الإسلامية المقدسة. ولكن الأهم كان في تنازل الخليفة العباسي في القاهرة (أو إجباره علي التنازل) للسلطان العثماني، مما أهل الحكام العثمانيين لأن يجمعوا بين السلطنة والخلافة. بذلك أصبحت الدولة العثمانية مستودع الشرعية السنية وأداتها العسكرية الباطشة في الآن نفسه. صدر الكتاب الشهر الماضي عن دار الشروق في القاهرة.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية