جمرة نصر الله

حجم الخط
0

جمرة نصر الله

صلاح عبد اللطيفجمرة نصر الله بين هزيمة وهزيمة، وبعد كل سطو اسرائيلي علي مكان عربي جديد، كان العربي يبحث عن زنزانة جديدة يسميها تحليلا او نقدا للهزيمة، ثم يعطيها ملامح الخارطة المستقبلية، سواء كان ذلك في ميدان القمم الطارئة او في ميدان المعارضات العربية التي كانت لها قممها الدورية والطارئة ايضا، فامتلأت طاولات ومكاتب الناس ورؤوسهم بخطط طريق وتصحيح للطريق واضحة وغامضة احيانا، تشرح وتكابد ولكنها تشكو القبول والاعتراف بدون وجود اسرائيليين او انصارهم، لان السلام والحق في الحياة هما نشيدان اسرائيليان مكتسبان لا يجوز لغيرهم ان يدعيهما لنفسه. لم يتوقف ذاك السجال العبثي الا بتوقيع بعض العرب وثائق التخلي عن الارض والذات، لكي يثبتوا اخيرا ساميتهم وبأنهم كفوا عن رمي الاخر في البحر او في تيه الصحراء.هكذا، اذا، تبدل الوعي العربي، خلال الثلاثين سنة الاخيرة بسرعة قياسية، فأصبح العربي يتقي شر الدفاع عن المقاومة العربية في اية مدينة عربية، لان المدمرات وحاملات الطائرات والشقاء والموت تدور في مياه العرب وبحورهم كي تؤثث للديمقراطية الجديدة وفوضاها الخلاقة بجثث ابناء جنين والفلوجة وقانا وبحر الغزال. وأصبح العربي الحر تدريجيا غريب الوجه واليد واللسان في وطنه وبين اخوته، فقد اطبقت علي الحياة العامة بضراوة تشبه ضراوة الوباء عبارات التسامح والعولمة والافق الكوني، واصبح القبول باحتلال ارض عربية لا يكفي بل يجب الدفاع عن ذاك الاحتلال عبر ما سمي بالانخراط بالعملية الديمقراطية كما هو الحال في العراق، او بالشرق الاوسط الجديد الذي استعادته اخيرا كوندوليزا رايس وهي تكز علي اسنانها وتردع آخر ملمح انساني عن وجهها: عليكم ايها العرب ان تنحازوا للموت الذي هو سعادتكم. واثناء ذلك كانت الضربة القاضية حينما تخلت النخب العربية بصورة طوعية عن معارضتها اللسانية الملعلعة، فأصبح اليسار التقليدي والجديد واليمين المتدين بتياراته الليبرالية الجديدة او القديمة منها يبارك لجورج بوش وهو يلقي خطاب النصر علي الشعب العراقي واضعا رجله اليمني فوق جثث اطفال العراق وكنوزه الثقافية واليسري تخطو لتصل الي اطفال سورية وشيوخ لبنان. ولان القول ينفذ ما لا تنفذ الابر كما قال الاخطل مرة، فقد اصبحنا مشدوهين كيف اصبح اولئك الماركسيون بجدانوفييهم وتروتسكييهم وماوييهم وسوريالييهم ايضا، يعتبرون القنابل التي سقطت فوق العراق ومدنه اجمل سمفونية سمعوها في حياتهم. كان الاعجاب العالي باقدام المتوحشين علي قتل كل امرأة وشيخ وطفل عراقي قلما تجده في صحف التاريخ المطوية او المفتوحة، اولئك الذين كانوا يتحدثون عن المنفي او الاغتراب فاذا بهم يعنون الاغتراف من مائدة اللئام والعمل عندهم مستشارين او وزراء للموت.وبضربة ساحر تفاهم المثقفون الاغترافيون مع الغرب السياسي الاستئصالي بيمينه المتصهين ويساره التابع الخانع، لانهم لم يعودوا في تناقض معه، طالما انه انقذهم من ظلمات الجهل ونقلهم الي نور الهداية. ومن المعلوم ان الغرب السياسي الاستعماري لا يعنيه الصراع الفكري في شيء بعد اليوم، فصراعه سياسي واقتصادي، ولذلك فمن غير المستغرب ان يعتبر بريمر في مذكراته حميد مجيد موسي سكرتير الحزب الشيوعي العراقي من الشخصيات الاريحية المرنة.في مثل هذه الاحوال الصعبة، لم يكن امام الاحرار في هذه الامة الا الذهول الروحي المتكبر والاعزل في آن، وكانوا يرددون اللهم الخوف من الحاضر المؤقت ولا خيانة الحاضر والمستقبل، وتعوذوا بالله من شهوة الكلام الذي كان مقصده تنشيف الاوطان من ضمائرها وابنائها.ثلاثة اعوام مضت ونحن نحاول ترميم ارواحنا بادوات لم تنفعنا كثيرا، لا الكتب ولا التاريخ ولا الشك. اصبحنا دون مراجع ولكن بمواجع لا تعد. لقد زج بنا الي اللافاعلية، عرايا بلا امل لا نملك الا اصواتنا المجروحة. لقد انتصرت ثقافة الابادة والالغاء، واعلنا بصوت خافت هزيمتنا ولمنا عقولنا التي خدعتنا من جديد.الان انتهي زمن الشقاء، حين فوجئنا بوعد السيد نصر الله الصادق، الذي خبأ لنا اكثر مما حسبنا. فلأول مرة في تاريخنا المعاصر نشعر بقائد يطبق في افعاله المثل العليا التي ينادي بها. يحب وطنــــه بمسلميه ومسيحييه ودروزه وطوائفه المتنوعة، وينفتح علي اخـــوته الفلسطينيين والعرب وجميع المسلمين والاحرار في كل هذا العالم. انظر الي هذا السيد الشاب بطلعته الواثقة التي يخالطها شيء من الحياء لا يشبه الخيلاء الاجوف الذي يتنطع به الحكام المهزومون، سواء من كان يضع السيجار في فمه او من وضع الماء طوعا في فمه كي تكون عباراته اعجمية غير مفهومة.فللمرة الاولي في حروبنا العربية لم نر طوابير من الاسري العرب العراة بعد ايام قليلة من اي هجوم اسرائيلي او امريكي علي اوطاننا. الان شطب نصر الله من القاموس الرسمي العربي كلمة التضامن العربي التي كانت تعني عندهم (قاتل انت ودعني اتمتع بالحكم). الان تحررت الناس من وهم ان تتحرك المحميات الامريكية في كل ارجاء الوطن العربي لنصرة اخوتهم في فلسطين او العراق او لبنان. اليوم ادخل نصر الله والمقاومة الوطنية اللبنانية المفاجآت الي حياتنا بعد ان اصبحت حياتنا رتيبة بلا مفاجآت. اليوم رسم نصر الله خارطة عالمية جديدة للحق والباطل، رغم حموضة الباطل الكاوية.. فــــهذه الحرب هي حرب الولايات المتحدة اولا ثم اسرائيل تاليا وكل اصدقــــائها ثالثا، اولئك الذين اقاموا الدنيا بحديثهم عن انقاذ سكان هذه الارض من كارثة نووية، فاذا بهم يمتنعون عن انــــقاذ شعب لبنان من الكارثة العبرانية. وها هو نصر الله يعيد الي الاممية الانسانية صفاءها اللاحزبي واللاديني، بحيث تدفع كلماته شعوب آســـــيا في الهند وباكستان وبنغلاديش واندونيسيا وماليزيا وافريقيا السمراء وامريكا اللاتينية في الارجنتين وكولومبيا والمكسيك والبيرو، فيما تفرق التظاهرات المنددة بالعدوان في السعودية ومصر والاردن وغيرها. واخيرا قصي نصر الله بهدوء علي لعلعات من سبقوه ممن كانوا يقولون فلا يفعلون، ينما يفعل هو وقلما يقول.ان الفارس العربي، نصر الله ورفاقه الصابرين المجاهدين يشتبكون مع المتوحشين في معركة الدفاع عن الجنس البشري. فشكرا لك يا سيدنا لانك اعدت لنا اصواتنا واخرجتنا من عزلتنا الباهظة، وشكرا لك ثانية لانك اتحت الفرصة لكل الناس ان تري جبال الجليل وتضاريس فلسطين الشمالية وغبطة عربها بندائك الرسولي الذي لا تطيقه حكومات تحسين سعر النفط. شاعر من العراق يقيم في المانيا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية