الثقافة السياسية العربية الجديدة

حجم الخط
0

الثقافة السياسية العربية الجديدة

د. علي محمد فخروالثقافة السياسية العربية الجديدةما بعد الملحمة المبهرة في لبنان سيتوجه العرب العاملون في حقول الفكر والسياسة نحو التفتيش عن ثقافة سياسية جديدة تأخذ بعين الإعتبار ما حدث في لبنان وما حدث من قبله في فلسطين والعراق. وفي اعتقادي ان تلك الثقافة ستحتاج إلي التعامل مع الأسئلة والإشكاليات التالية:أولاً: هناك موضوع التعايش العربي والإسلامي مع الكيان السياسي ـ العسكري الصهيوني المتواجد في فلسطين. فالوحشية والهمجية التي استعملها الجيش الصهيوني في مواجهة المقاومتين الفلسطينية واللبنانية كانت دون المستوي البشري وأقرب إلي المستوي الحيواني الذي لا يرضي بأقل من الولوغ في دماء ضحيته. السؤال الذي سيطرح نفسه هو : هل بعد أن شاهد الناس دك المدن وقتل الأطفال والنساء والشيوخ وحرق الأرض وما عليها يستطيعون قبول الثقافة السياسية التي روجت منذ اتفاقية كامب ديفيد الأولي بالتعايش مع إسرائيل أم أنه آن الأوان للرجوع إلي المربع الأول القائل بدولة ديمقراطية يتعايش فيها العرب واليهود ولا تكون لها أية صلة بالإيديولوجية الصهيونية وأحلامها الاستيطانية والخرافية؟ثانياً: هناك موضوع التعامل مع أمريكا، فهل بعد أن ساعدت هذه الدولة بصورة مباشرة وغير مباشرة علي تدمير العراق والضفة الغربية من فلسطين ولبنان ومن قبلهم فعلت ما فعلت في السودان والصومال ومن بعدهم ما ستفعله بسورية يمكن تجنب التعامل معها كدولة عدوة للعرب تسعي إلي تدمير أرضهم وتهميش شعوبهم ونهب ثرواتهم وإخضاعهم للسكين الصهيونية؟ فالفرق كبير بين أن تختلف أمة مع أمة أخري حول المصالح بين الحين والآخر وبين أن تقف أحدي الأمتين ضد الأخري في كل الحقول وعلي كل المستويات عبر أكثر من ستة عقود دون أن تردعها أي أخلاقيات أو قيم أو مصالح.ثالثاً: هناك موضوع النظام العربي الرسمي الذي تعامل ويتعامل مع أهوال ما يحدث في العراق وفلسطين ولبنان وغيرهم بعجز لم يسبق له مثيل. لقد عطل ذلك العجز النظام العربي الأمني القومي المشترك فانكشف الجميع أمام الإحتلال أو العدوان أو الهيمنة الكلية في السياسة والاقتصاد، فعاد الاستعمار بكل ألوانه إلي الأرض العربية. ولذا لم يكن مستغرباً أن لا تخرج مشاورات الجامعة العربية بأي قرار يساعد اللبنانيين في محنتهم والفلسطينيين في الطريق المسدود الذي وصلوا إليه.ولقد أظهرت المظاهرات التي عمت بلدان الوطن العربي كله وجود فجوة كبيرة بين الشارع العربي وأنظمة الحكم تشير إلي انقسام مجتمعي كبير في المستقبل. وهو إنقسام إذا أضيف إليه عجز الأنظمة وفشلها أمام موت الأبرياء من العرب علي يد الصهاينة والأمريكيين، سيحتاج إلي ثقافة سياسية جديدة تعالجه وتحل إشكاليته.رابعاً: هناك أخيراً الموضوع الأزلي المسبب للمواضيع الثلاثة السابقة والمتمثل في تلك الحياة السياسية المجتمعية في كل بلاد العرب. لقد ظهر بوضوح ان المؤسسات السياسية المدنية التي بناها الشعب العربي عبر العقود السابقة مصابة بالشلل وقلة الفاعلية أمام كل مصيبة ألمت بأي قطر عربي. وهذا يعني أن تغيراً جذرياً في إيديولوجية الأحزاب العربية وجمعيات المجتمع المدني وفي مناهج عملها وأساليب ممارساتها يجب أن تحدث. وسيكون للأنموذج الساطع لما فعله حزب الله أثر كبير في ذلك التغيير. فلقد ظهر بما لا يقبل الشك ان حركة إسلامية سياسية قد استطاعت أن تجمع بين الأيديولوجية الإسلامية وبين الاستعمال الفائق للتكنولوجيا وللتنظيم الحديث فتحول أعضاؤها إلي بشر قادرين علي التعامل مع تعقيدات العصر ومتطلباته دون أدني تنازل عن عقيدتهم الدينية. وهو ما سيعني أن الإسلام سيكون جزءاً أساسياً من مكونات الفكر السياسي العربي القادم تحت أي مسمي يطرح نفسه. إن الجماهير العربية هي في وضع شعوري ونفسي لن يقبل بأقل من ذلك في المستقبل المنظور. ثم ان ذلك لن يتعارض مع الثوابت القومية في الوحدة ولا مع توجهات العصر في الديمقراطية وصعود العلوم والتكنولوجيا.إذا لم تستطع الثقافة العربية السياسية الجديدة مواجهة تلك التحديات الأربعة التي كشفت عنها مآسي الوطن العربي خلال السنوات الثلاث الماضية، ووصلت إلي أعلي قممها في لبنان، فأن ذلك سيعني أن المفكرين والسياسيين العرب الحاليين قد أصبحوا عقيمين وبحاجة لأن يتنحوا إلي الأبد.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية