العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (5)
الطابع التبشيري للدولة الصفوية وانتصار الاصوليين علي الاخباريين اسهما في تشيع الجنوب العراقيردود الفعل السنية علي تزايد وتيرة التشيع لم تكن حادة.. والشيعة والسنة انضووا تحت فكرة الجامعة الاسلاميةالعراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (5)بشير موسي نافع افتتحت المواجهة العثمانية ـ الصفوية في جالديران صراعاً سياسياً وفكرياً واستراتيجياً طويلاً، أنهك الدولتين وساهم مساهمة مباشرة، إلي جانب عوامل أخري، في إبطاء وإحباط التوسع العثماني في أوروبا. أقام الصفويون شعوراً بالوحدة بين الشعوب القاطنة في الهضبة الإيرانية من خلال إحياء الثقافة الفارسية ونشر التشيع، وقادوا ملكهم نحو طموحات توسع كبري، وقد رآهم العثمانيون دائماً مصدر خطر استراتيجي. وليس من الصعب تقدير الأسباب التي دفعت السلطان سليمان القانوني إلي توجيه أنظاره نحو الصفويين، والعراق علي وجه الخصوص. فبصفته حامي الإسلام السني وخليفة المسلمين، كان عليه أن يستجيب لصيحات العلماء والمتصوفة السنة الذين شردهم الغزو الصفوي للعراق، وأن يزيل الإهانة التي أوقعت بمقامي أبي حنيفة وعبد القادر الجيلاني. كما ان الوجود الصفوي في العراق، من ناحية، والنشاط البرتغالي في البحار الشرقية، من ناحية اخري، وقفا عائقاً أمام التجارة بين أوروبا وآسيا عن طريق البلاد العثمانية. إضافة إلي ذلك، فقد أدرك العثمانيون ان استمرار الوجود الصفوي في العراق يهدد الوضع العثماني في سورية والجزيرة العربية، التي يجمعها معا مجال استراتيجي واحد.ما أن أدرك سكان بغداد باقتراب القوات العثمانية حتي ثاروا ضد الحامية الصفوية، فقتلوا من وقعت أيديهم عليه من الجند، كما قتل أيضاً بعض وجوه شيعة بغداد الذين استندت إليهم الإدارة الصفوية. ولكن السلطان سليمان القانوني دخل بغداد بلا قتال وتصرف طوال وجوده في العراق باعتباره سلطاناً للجميع. أصدر السلطان أوامره بإعمار مقامي أبي حنيفة والجيلاني، كما أمر بإتمام بناء الحضرة الكاظمية، الذي كان قد بدأه الشاه إسماعيل. وقد زار السلطان المقامات السنية والشيعية، وأمر بحفر نهر الحسينية (الذي عرف بالنهر السليماني) لإيصال المياه إلي مدينة كربلاء وإحياء جوارها. أرسي سليمان قواعد الإدارة والنظام العثماني في العراق، وبعد أن بسط العثمانيون سيطرتهم علي البصرة في 945هـ /1538، اصبح العراق يضم خمس ولايات: بغداد، البصرة، الموصل، شهرزور، والإحساء. وكان حكام الولايات جميعهم من عناصر البيروقراطية العثمانية الوافدة من اسطمبول، وكذلك كانت الحاميات العسكرية.وقد طبق علي العراق النظام العثماني الخاص بالمؤسسة الدينية، فالقضاة الرئيسيون في مراكز الولايات كانوا جميعاً من العلماء الأتراك الأحناف المرسلين من العاصمة، وكذلك كان المفتون في مطلع الحكم العثماني، إلا ان العلماء العراقيين المحليين سرعان ما استحوذوا علي منصب المفتي. الأغلبية العظمي من العلماء المحليين السنة كانوا خارج المؤسسة الرسمية، وقد توزعوا علي المدارس والمساجد والأوقاف التي شهدت انتعاشاً كبيراً، بحيث أصبحت بغداد والموصل والبصرة، ثم السليمانية بعد ذلك، مراكز علم إسلامية رئيسة لا تقل شأناً عن حلب ودمشق والقاهرة. كما شهد التصوف السني بكافة طرقه المعروفة في المجال العثماني انتعاشاً هو الآخر، وانتشرت تكايا البكتاشية والمولوية للمرة الأولي في أنحاء العراق، بما في ذلك كربلاء. ولكن الطريقتين الأكثر انتشاراً ظلتا الرفاعية والجيلانية، إلي ان أخذت النقشبندية في توكيد مواقعها في القرن التاسع عشر. وقد انفصل الفضاء الشيعي في العراق، مديراً شؤونه الداخلية بقدر كبير من الاستقلال. كانت الكاظمية، النجف، كربلاء، والحلة، لا تزال هي المراكز الرئيسية للشيعة العراقيين العرب، وظلت حركة العلماء والتجار والزوار مفتوحة بين الدولة الصفوية والعراق. وإلي جانب شيعة المدن الثلاث، كانت عشائر بني أسد وخفاجة وعبادة معروفة بتشيعها، إضافة إلي بعض عشائر شرق أسفل دجلة، مثل بني لام ومعدان الأهوار وبني كعب، الذين تأثروا بالدعوة المشعشعية. وليس من الواضح في تلك المرحلة المبكرة ما إذا كان للعلماء الشيعة نفوذ فعال وسط العشائر. إن الانقلاب الجوهري في علاقة العلماء الشيعة بالعشائر، وانتشار التشيع بين عشائر جنوب العراق، سيبدأ بالفعل في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، وفي ظل حكم الدولة العثمانية ذاتها. سجال فكري سني ـ شيعيتراجعت، وربما اختفت تماماً، ظواهر التوتر الاجتماعي السني ـ الشيعي في بغداد، ولكن العلاقات الصفوية ـ العثمانية أدت إلي موجة جديدة من السجال الفكري بين علماء الطائفتين. أحد وجوه هذا السجال كان كتابا أحمد بن حجر الهيتمي (ت 974هـ1567)، الصواعق المحرقة و تطهير الجنان واللسان . كان ابن حجر الهيتمي عالماً أزهرياً انتقل للإقامة في مكة المكرمة حيث أصبح مفتي الشافعية فيها، وربما كان أحد أهم العلماء الشافعية في عصره علي الإطلاق. والواضح انه وضع كتابه الأول، الذي يغطي معظم جوانب السجال السني ـ الشيعي، بإيحاء من الوالي العثماني في الحجاز، بينما وضع الثاني، الذي يدرس موقع معاوية ودوره في تاريخ التجربة الإسلامية، بطلب من همايون، سلطان الهند المغولي. استهدف كلا الكتابين الرد علي حملة التشيع التي شهدتها الدولة الصفوية في عصر طهماسب، والدعاية الشيعية التي بدأت في الوصول إلي الحرمين والسلطنة المغولية. ولكن الصراع العثماني ـ الصفوي علي المستوي العسكري والاستراتيجي لم يتوقف. انهارت الدولة الصفوية فعليا في 1722، ولكن انحدارها بدأ قبل ذلك بعقود وبفعل سلسلة من عوامل الفشل الاقتصادي والسياسي والإداري. وأدخل هذا الانهيار بلاد الدولة وشعوبها في سلسلة من الاضطرابات والصراعات الداخلية والغزوات التي لم تنته إلا عندما أخذ القاجاريون في إحكام سيطرتهم منذ 1779. خلف ذلك كله، كان انهيار الدولة الصفوية يترك أثراً أعمق علي مؤسسة العلماء الشيعة وعلي الفكر الفقهي والسياسي الشيعي. لقد رفع انهيار الصفويين الوصاية التي أقاموها علي التشيع والسقف الذي وضعوه لمؤسسة العلماء الشيعة. بادعائهم المهدية، وتماهي الديني والسلطاني في حكمهم، حدد الصفويون حرية حركة العلماء ودورهم في المجتمع، وجعلوا من الصعب إقامة علاقة مباشرة بين العلماء والناس بمعزل عن الدولة. ولأن الانهيار الصفوي صاحبه انهيار الأمن وحروب الأمراء والقوي، فقد انتقلت أعداد متزايدة من العلماء الشيعة من إيران إلي النجف وكربلاء، حيث أخذت أيضاً أعداد من التجار الإيرانيين في الاستقرار. ما ساهم في هذه الحركة النشطة كان السلام التعاهدي بين نادر شاه والسلطة العثمانية، السلام الذي أفضي الي فتح أبواب العراق للزوار الإيرانيين الشيعة. كانت هذه بالفعل هي بداية الازدهار العلمي الحديث في النجف وكربلاء، وهنا سيندلع الخلاف الحاد بين الإخباريين والأصوليين ويحسم سريعا لصالح الأخيرين. بين الإخباريين والاصوليينمنذ بدء تبلور الطائفة الشيعية الإثني عشرية في القرن الرابع الهجري، شاب ساحة الفقه الشيعي توتر خفي بين أولئك الذين حددوا مصادر الفقه بالأخبار، وأولئك الذين تبنوا الاجتهاد. ولكن أول من حدد نطاق الخلاف بين المدرستين وفتح باب الطعن علي الأصوليين الاجتهاديين كان الميرزا محمد أمين الاسترابادي (ت 1033هـ1624) في كتابه الشهير الفوائد المدنية . كان الاسترابادي أخباريا صلباً متشدداً، وتبعه بدرجات متفاوتة من التشدد محمد بن مرتضي، المعروف بـالفيض الكاشاني (ت 1091هـ1680)، ومحمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104هـ1708 أو 1709). وقد انتهت قيادة الاتجاه الأخباري إلي عالم من أصل بحريني، استقر في العراق بعد تنقله في عدة مدن إيرانية، هو يوسف البحراني (ت 1186هـ1772). وبينما كان الاتجاه السائد بين العلماء الإيرانيين في ظل الدولة الصفوية اتجاهاً أقرب الي الطريقة الإصولية، نظراً للحاجة إلي الاستنباط لإدارة شؤون القضاء والاستجابة لحاجات المجتمع، فقد ساد اتجاه أقرب الي الطريقة الأخبارية أوساط علماء البحرين والإحساء، والنجف وكربلاء. العالم الذي واجه هذا الوضع وخاض معركة الأصوليين الحاسمة ضد الإخباريين هو أقا محمد باقر بهباني (ت 1208هـ1790)، الذي ولد في أصفهان ودرس في النجف قبل أن يرجع إلي إيران. وقد دفعه اضطراب الأوضاع في بلاده إلي العودة إلي العراق والاستقرار في كربلاء في مطلع ستينيات القرن الثامن عشر. وفي كربلاء، خاض البهباني ومجموعة من تلاميذه العرب والإيرانيين معركتهم الفكرية ضد يوسف البحراني ودوائر الإخباريين، وهي المعركة التي لم تستخدم فيها وسائل الجدل والكلمات فحسب. بوفاة البهباني كانت المعركة قد حسمت إلي حد كبير لصالح الأصوليين، وإن اتصلت حلقاتها في النجف خلال العقود القليلة القادمة، لتنتهي بسيطرة الاتجاه الأصولي وتغيير الساحة الفقهية الشيعية وعلاقة الفقهاء بالمجتمع تغييرا جوهريا. يمكن تلخيص الخلافات بين الإخباريين والأصوليين بالنقاط التالية: 1 ـ يري المجتهدون ان أدلة الأحكام الشرعية أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، ودليل العقل. بينما لا يعتمد الأخباريون غير الكتاب والسنة، بل اقتصر بعضهم علي السنة بناء علي ان الكتاب لا يجوز تفسيره والعمل به إلا بما ورد التفسير به عن أئمة أهل البيت عليهم السلام. 2 ـ الأشياء عند الأصوليين مبنية علي الحلال والحرام، أما عند الإخباريين فهي مبنية علي حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك. 3 ـ يجوز المجتهدون أخذ الأحكام الشرعية بالظن، أما الأخباريون فيمنعونه، ولا يقولون إلا بالعلم.4 ـ أوجب المجتهدون الاجتهاد. 5 ـ الأحاديث عند المجتهدين أربعة أنواع: صحيح وحسن وموضوع وضعيف، أما عند الإخباريين فهي صحيح وضعيف فقط. 6 ـ الحديث الصحيح عند المجتهدين ما يرويه الإمامي العدل الثقة عن مثله إلي المعصوم (أي النبي او أحد الأئمة الإثني عشر)، والحسن ما كان رواته، أو أحدهم، إمامياً ممدوحاً غير منصوص عليه بالتوثيق. أما لدي الإخباريين فالحديث الصحيح ما صح عن المعصوم وثبت، ومراتب الصحة عندهم مختلفة. 7ـ يحصر المجتهدون الرعية في صنفين: مجتهد ومقلد، أما الأخباريون فيرون الرعية كلها مقلدة للمعصوم ولا يوجد في تصورهم مجتهد أصلا.8 ـ قال المجتهدون بطلب العلم في زمن الغيبة بطريق الاجتهاد، وفي زمن الحضور بالأخذ عن المعصوم، ولو بالوسايط، وفي زمن المعصوم لا يجوز الاجتهاد. أما الأخباريون فلا يفرقون بين زمن الغيبة والحضور، بل يقولون ان حلال محمد حلال إلي يوم القيامة وحرامه حرام إلي يوم القيامة، لا يكون غيره، ولا يجب غيره.بعد وفاة البهباني، برز لقيادة الاتجاه الأصولي تلميذه محمد مهدي بن مرتضي الطباطبائي، المعروف ببحر العلوم (ت1212هـ1796)، الذي انتقل من كربلاء إلي النجف، جاعلاً منها مركز الأصوليين الاجتهاديين. ثم خلفه جعفر بن خضر الجناحي النجفي، المعروف بكاشف الغطاء (ت 1228هـ1812)، الذي كان أول وآخر المراجع الشيعة الكبار من أصول عراقية عربية. وبعد كاشف الغطاء، تولي المرجعية الشيعية في النجف محمد مرتضي الأنصاري (ت 1281هـ1864)، الذي قدم المساهمة الأهم في إقرار مبدأ مرجعية التقليد، وضرورة ان يلجأ العامة إلي الفقيه المجتهد في شؤون دينهم، وهي أحد أهم موضوعات المدرسة الأصولية. لقد احتدم الصراع الأصولي – الإخباري في ظل الانقلابات السياسية والاجتماعية التي تلت الانهيار الصفوي، وفي استجابة لحاجات مجتمع تجاري آخذ في النمو في مدن العتبات المقدسة. ولكن التيار الاصولي نما وتبلور في موازاة متغيرات التحديث الكبري وتحديات الخارج الأوروبي في العراق والمجال العثماني ككل، كما في الدولة القاجارية في إيران. إن توكيد الإخباريين علي الحديث وتساهلهم في معايير قبول الأحاديث ورفضها، وتحريمهم الاجتهاد، كان يمكن أن يتعايش مع مجتمعات صغيرة ساكنة ومحافظة. بينما أسس الأصوليون لنهج تفكير نشط ومتحرك، قادر علي الاستجابة لحاجات متغيرة ولتحديات سياسية واجتماعية كبيرة وغير مسبوقة. بقبول الأصوليين لمظنة الأحكام وتعزيزهم لموقع ودور المجتهد، كانوا، بكلمة أخري، يفتحون أفقاً واسعاً أمام التشيع الحديث، ويجعلون انتظار الظهور مسألة هامشية إلي حد كبير. انتصار التيار الاصوليوقد نجم عن الانتصار الأصولي واستقرار مرجعية التقليد تطور هام في سياق العلاقة بين المجتهد والمجتمع الشيعي، مجتمع المقلدين. فمؤهلات ووزن الفقيه المجتهد بين أقرانه لا تستند إلي العلم والتقوي فحسب، بل أيضاً إلي عدد الطلاب والأتباع والنواب والمقلدين. وهذه المؤسسة العلمية ـ الاجتماعية تنمو وتزدهر بأموال الزكاة والخمس والهبات التي يدفعها المقلدون المؤمنون للمرجعية، والتي توظف بدورها لرعاية الطلاب والنواب والاستجابة لحاجات الفقراء والمعوزين ودور العلم. إن من التبسيط القول ان مرجعية التقليد باتت أقوي من الدولة، ولكنها بلا شك أصبحت قوة تستطيع إن امتلكت الإرادة منافسة الدولة. لقد تبلور التصور الأصولي في رؤيته لدور وموقع الفقيه المجتهد باتجاه ما يسمي أحياناً بولاية الفقيه الجزئية التي تعني أن للفقيه استلام الزكاة والخمس، القيام بواجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعهد القضاء، وإقامة الصلاة الجامعة في حال توفر شروط الأمن والعدل. بل تطور الموقف الأصولي أيضاً لدي أغلب فقهائه، وليس كلهم، إلي إمكان الفتوي بإعلان الجهاد الدفاعي للذب عن بلاد المسلمين.13 وأصبحت الولاية الجزئية، بخلافات غير جوهرية بين مختلف الفقهاء، الموقف السائد داخل المدرسة الأصولية منذ بداية القرن التاسع عشر إلي العصر الحالي. لم يقل بالولاية الكاملة للفقيه قبل آية الله الخميني، أي بإمكان أن ينوب الفقيه عن الإمام الغائب نيابة كاملة، إلا المولي أحمد النراقي (ت 1245هـ1829 ـ 1830) في بحث من بحوث كتابه عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام .14 ولكن الولاية الجزئية كانت كافية علي أية حال لتعزيز موقع مؤسسة العلماء، أن تعطيها إحساساً بالثقة وإمكانية الاستقلال عن الدولة، وأن تزرع داخلها الشعور بالمسؤولية الاجتماعية. وقد ساهم هذا كله مساهمة مباشرة في انتشار التشيع في جنوب العراق خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كما ساهم في بداية كسر البوتقة الطائفية المغلقة التي نسجت خيوطها بالتدريج منذ الغزو المغولي حتي الانهيار الصفوي، وبالطبع في التأسيس للدور العلمائي النشط في ثورة التنباك، ثورة المشروطية، والتصدي للغزو الأجنبي علي العراق وثورة العشرين. علاقات صفوية ـ تركية متقلبةاتسمت العلاقات العثمانية بالدولة الصفوية وخلفائها بالتنافس والصراع والحروب، ولم تستقر العلاقات بين البلدين وتبدأ بالعودة التدريجية الي الوضع العادي لدولتين جارتين، يجمعهما الكثير ويفرقهما الكثير، إلا بعد اتفاقية أرضروم في 1822، وما تلاها من ترسيم للحدود والتفاوض حول الشؤون المشتركة الأخري. وقد نجم عن هذا الوضع أن نظر الحكام العثمانيون إلي السياسة الإيرانية الشيعية بقدر كبير من التوجس. حظر علي شيعة العراق إحياء مراسم العزاء طوال الحقبة العثمانية المبكرة، وطوال العهد المملوكي (1749 ــ 1831)، باعتبارها مخالفة للشريعة وجزءاً من الدعاية الإيرانية في العراق. إلا ان سياسة نادر شاه التصالحية مع العثمانيين أدت إلي تسهيل الحركة بين إيران وأضرحة الأئمة ومقاماتهم في العراق، زيارة وتجارة. ولكن الأمور عادت إلي التوتر بعد ذلك بقليل عندما اتهم كريم زند (حكم 1750ــ 1779)، الذي سيطر علي أغلب إيران بعد اغتياله نادر شاه، والي بغداد المملوكي بإساءة معاملة الزوار الإيرانيين، وجرد حملة للاستيلاء علي البصرة. وقد نجحت الحملة الإيرانية في اقتحام المدينة في 1776 بعد حصار طويل وشاق دام 14 شهرا. كانت البصرة آنذاك إحدي المدن السنية الرئيسية في العراق، مما دفع الجيش الإيراني إلي استباحة المدينة، أهلاً وممتلكات، والسيطرة علي المساجد وإقامة الأذان والخطب الشيعية فيها، وسجن الأعيان وطرد العلماء. ولكن الإيرانيين أخلوا المدينة بعد سلسلة من الهزائم التي حاقت بجيشهم علي يد عشائر المنتفق بقيادة ثامر السعدون، وذلك عندما حاولوا التوسع من البصرة باتجاه الفرات في 1778. وقد شهدت بغداد بعد ذلك حادثة صدام طائفي أخري في 1802 عندما اصطف سنة بغداد وشيعتهم في معسكرين مختلفين إثر احتدام الصراع بين القادة المماليك والجند حول خلافة الوالي سليمان باشا الكبير.بيد أن تلك تكاد تكون حادثة فريدة، فالصراع العثماني ـ الإيراني كان أساساً صراعاً علي مستوي الدولة، خاضته الجيوش. أما علي صعيد المجتمع الإسلامي في العراق فقد كانت حدود الاختلاف بين السنة والشيعة ودوائر المشترك قد أصبحت واضحة، ولم يعد هناك من مبرر للتدافع. إلي جانب ذلك، فقد كان الحكم العثماني حكماً سلطانياً تقليدياً إلي حد كبير، أمسكت مقاليده المدنية والعسكرية طبقة وافدة من البيروقراطية والجند المحترفين والمدربين ضمن النظام العثماني ـ الاسطمبولي لخدمة الدولة. ولم يتدخل الحكام العثمانيون في حياة الناس، لا سنتهم ولا شيعتهم، وتركت الجماعات لإدارة شؤون تعليمها واجتماعها واقتصادها وتجارتها علي أساس من تقاليدها عميقة الجذور. حتي جهاز القضاء، الذي أصبح جزءاً من بيروقراطية الدولة يديره قضاة أحناف وافدون من اسطمبول، فقد كانت سلطته محددة في الغالب بالمدن، ولم يعتمد علي قوانين تشرع مركزياً، بل علي موروث فقهي مرن أعطي اعتباراً كبيراً للعادات والقيم المحلية. وفي النهاية، فإن السياسات العليا للدولة كانت تقتضي أيضاً أن يكون الولاة للسنة والشيعة، وأن يحافظوا علي بغداد كما علي كربلاء والبصرة. وكان أغلب الولاة العثمانيين متصوفة تشوب تصرفاتهم توجهات شيعية واضحة، مما دفعهم للعناية بمراقد الأئمة في بغداد والنجف وكربلاء وغيرها. وفي حقبة الحكم العثماني – المملوكي بالذات، ومنذ منتصف القرن الثامن عشر، أخذ التشيع في الانتشار بين عشائر جنوب العراق، التي تشيع بعضها بالكامل بعد تشيع رؤسائها أو تشيعت جزئياً. بدأ التشيع في الانتشار بين عشائر الخزاعل منذ منتصف القرن الثامن عشر، وبين كعب، وربيعة النازلة شرق بغداد، منذ مطلع القرن التاسع عشر، ومنذ نهاية الربع الأول من القرن نفسه، بين بطون من زبيد وتميم. ومن العشائر التي تشيعت خلال القرن التاسع عشر أيضاً آل بومحمد في منطقة العمارة، وعشائر الديوانية، بما في ذلك فرع من الجبور، وعشائر نهر الهندية، أما آل فتلة فقد تشيعوا في نهاية القرن التاسع عشر. وبينما يشير لوريمر إلي أن عشائر المنتفق قد تشيعت في القرن التاسع عشر، فإن زائراً للعراق في مطلع القرن العشرين يفيد بأنها لم تكن كذلك، وهو ما يوحي بأن عملية التشيع في المنتفق استهلكت فترة طويلة نسبيا. وقد ذكر سليمان البستاني، الكاتب اللبناني المسيحي الذي أصبح بعد ذلك نائباً في البرلمان العثماني، في رسالة إلي مجلة المنار القاهرية، أن عملية التشيع بين عشائر جنوب العراق كانت لم تزل نشطة أثناء زيارته العراق في 1900، وهذا ما أعادت التوكيد عليه رسالة غير موقعة لعالم سني عراقي نشرتها المنار في 1908.التشيع الحديث في العراقثمة عوامل وقوي مختلفة لعبت أدواراً متداخلة في عملية التشيع في العراق الحديث. يعود العامل الأول إلي ذلك التزاوج بين النزوع التبشيري الصفوي وصعود التيار الأصولي في مؤسسة العلماء الشيعة. إن الحركة الصفوية لم تصنع دولة فحسب، بل زرعت في صفوف التشيع نزعة تبشيرية غير مسبوقة، لا في التشيع التقليدي ولا في التسنن. ففي حين يتسم الإسلام طوال تاريخه قبل الحديث بالابتعاد عن النهج التبشيري (الذي ينتمي إلي الميراث المسيحي أصلاً)، فقد جعلت الحركة/ الدولة الصفوية هدفاً أساسياً لها نشر التشيع بين الشعوب التي حكمتها، بوسائل العنف والقهر وبوسائل الدعوة. وقد انخرط عدد كبير من العلماء الشيعة في هذا التوجه الذي وصل ذروته في عصر قيادة المجلس للمؤسسة الدينية الصفوية. وبالرغم من أن العلماء الأصوليين وضعوا مسافة بينهم وبين الميراث الصفوي، فإن جوانب هامة من هذا الميراث قد استقرت في الوسط العلمائي الذي وجد فيها موروثاً إيجابياً، أو موروثاً يصعب التخلي عنه، بما في ذلك النزعة التبشيرية وطقوس الزيارة ومراسم العزاء. وليس هناك من شك في أن انتشار التشيع بين العشائر العراقية الجنوبية كان عملاً تبشيريا بحتاً، قام به وشجع عليه العلماء الكبار، وحمل أعباءه نوابهم ومندوبوهم وطلابهم. وظفت في هذا النشاط قوة طقوس الحزن الجماعي للمأساة الكربلائية، والرمزية البطولية لشخصيات آل البيت، التي تحولت شيئا فشيئا إلي شخصيات شعبية تعبر عن تقاليد الفروسية العشائرية، كما وظفت فيه جوانب من الفقه الشيعي كانت لها جاذبية خاصة لدي شيوخ العشائر، مثل زواج المتعة.ما ساعد علي إطلاق وتواصل هذا العمل التبشيري ان الحكم المملوكي في بغداد لم يفرض سيطرته بشكل فعال علي العشائر الجنوبية إلا لفترة قصيرة ومتقطعة من حكم سليمان باشا الكبير (1779 ــ 1802)، وان حكاماً آخرين، مثل دواود باشا، آخر الحكام المماليك، كان متعاطفاً إلي حد ملحوظ مع العلماء الشيعة. ومنذ عاد الحكم العثماني المركزي في 1831، أطلقت يد العلماء الشيعة وسمح بإقامة مراسم الحداد علي نطاق واسع، في بغداد وخارجها. وقد نشأ في القرن التاسع عشر ما يشبه التفاهم غير المكتوب بين المسؤولين العثمانيين في العراق والمؤسسة العلمائية الشيعية: سعي العلماء إلي نشر التشيع وإلي زيادة عدد المقلدين لهم والمساهمين في صناديق الزكاة والخمس والصدقات، بينما رأي المسؤولون العثمانيون أن ترسيخ قيم الدين، شيعياً كان أو سنياً، بين العشائر قد يساعد علي استقرارها وإيجاد الوازع الشرعي لديها بالتوقف عن الغزو والإغارة والنهب وقطع الطريق. كانت أهداف تعزيز السلطة المركزية، بناء الأمة بمفهومها الحديث، تشجيع الإنتاج الزراعي وتوليد الثروة، أهدافا حيوية للدولة العثمانية الحديثة، دولة التنظيمات. وقد راود مسؤولي الإدارة العثمانية الجديدة في العراق الأمل في ان العلماء الشيعة بنزعتهم التبشيرية سيخدمون هذه الأهداف في الساحة العشائرية المرهقة والخارجة علي القانون والسلطة.كما لعب استقرار العشائر وعملها في الزراعة دوراً هاماً وضرورياً في عملية التشيع. إذ بعكس ما اعتقده الوردي، فإن العشائر التي تشيعت كانت تلك التي أخذت في الاستقرار أو التي أبدت استعداداً لذلك. بدأت عملية الاستقرار وتوجه العشائر نحو الزراعة في 1803، عندما انتهي حفر نهر الهندية الذي جلب مياه الفرات إلي منطقة كربلاء ـ النجف. وقد أدي حفر هذه القناة الفرعية إلي شحة المياه في المجري الأصلي للنهر، ومن ثم الي هجرة كثيفة لعشائر الفرات الأوسط إلي جوار النجف وكربلاء واقترابها من تأثير المراجع وموفديهم. ومنذ 1831، تسارعت الإجراءات العثمانية المشجعة علي الاستقرار، لتصل ذروتها في عهد الوالي مدحت باشا. كان الاستقرار والعمل الزراعي يستدعي الأمن، وإقامة تراتبية اجتماعية جديدة بين شيوخ العشائر وأبنائها، بعد أن تحول الشيوخ إلي ملاك وأبناء العشائر إلي فلاحين. كما نجمت عن الاستقرار والزراعة علاقات تسويق وتجارة أكثر تعقيداً. وقد أضفي نظام القيم التي أدخلها التشيع، وحرسها مندوب المرجع (المومن)، أو السادة (المنحدرون من أسر شريفية)، الذين شجعهم العثمانيون علي التوطن في مناطق العشائر، الشرعية علي نظام العلاقات الجديدة. كان خيار الاستقرار والعمل الزراعي هو الخيار الأسمي لكل الأطراف ذات العلاقة: الإداريون العثمانيون الذين حصلوا علي المزيد من العائدات الضرائبية وحققوا الأمن، المراجع والسادة الذين تعززت مصادر دخلهم، وشيوخ العشائر الذين تحولوا إلي ملاك وأثرياء كبار. حاول المسؤولون العثمانيون، بدرجات متفاوتة من النجاح، توظيف عملية الاستقرار والعمل بالزراعة لكسر الكونفيدراليات العشائرية الكبيرة وتفتيت نفوذ شيوخ العشائر النافذين. ولكن تلك السياسة لم تمس المراجع الشيعة وقواعد نفوذهم، بل علي العكس، فقد لعبت الإدارة العثمانية في العراق دوراً هاماً في مد يد العون للمؤسسة العلمائية الشيعية اثناء مواجهتها الحاسمة مع الحركة البابية في منتصف القرن التاسع عشر، وهي الحركة التي شكلت أكبر تحد للتيار الأصولي منذ اندحار المدرسة الأخبارية. التهديد الوهابيالعامل الآخر الذي ربط أضلاع هذه العلاقة المثلثة بين الإدارة العثمانية والمراجع الشيعة والعشائر الجنوبية، كان التهديد الوهابي المتصاعد في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. في مقابل التساهل الذي أبداه الفقهاء الشيعة تجاه التقاليد العشائرية، شكلت التعاليم الوهابية تحدياً مباشراً لعادات وقيم العشائر. وقد تسببت الحركة الوهابية، والتوسع العسكري السعودي ـ الوهابي، في انقسام العشائر في نجد وشمال شرق الجزيرة العربية، وبالتالي في العراق. إضافة إلي ذلك، فقد هدد السعوديون- الوهابيون طرق وحركة التجارة في العراق والجزيرة، وأمن حوض الفرات ومدنه من الأنبار الي البصرة، بما في ذلك كربلاء والنجف. كان أحد أهم نتائج التهديد الوهابي نمو حالة من التضامن بين الإدارة العثمانية والعشائر والعلماء الشيعة، ساهمت في التفاف العشائر، أو بعضها علي الاقل، حول المرجعية العلمائية. وقد لعب الشيخ جعفر كاشف الغطاء دوراً رئيساً في الدفاع عن النجف ضد الغزو الوهابي في 1806. وحتي بعد هزيمة الدولة السعودية الأولي علي يد محمد علي، فقد عاد شبح التهديد الوهابي ـ السعودي للعراق في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ولأن العلماء الشيعة أصبحوا في صدر حركة المواجهة الدعائية والسياسية ضد الوهابيين، فلم يكن غريباً أن تنظر العشائر المعادية للتحالف الوهابي ـ السعودي إليهم باعتبارهم قادة طبيعيين. وصلت حركة التبشير الشيعي في العراق سقفها مع نهاية الحرب العالمية الأولي وولادة الدولة العراقية الحديثة، نظراً لتغير الظروف السياسية والثقافية التي أطلقت عملية التشيع. وربما كان الإنجاز الرئيسي للعلماء الشيعة في العراق في القرن العشرين هو الجهد الذي بذل لنقل العشائر التركمانية الغالية في شمال العراق إلي كنف التشيع الإثني عشري. وقد كانت نتائج عملية التشيع في الجنوب بالغة الإثارة. ففي حين انتشر التشيع بين العشائر الزراعية، حافظت العشائر الراحلة، أهل الخف والحافر كما سماهم مراسل المنار، أو رعاة الخيل والجمال، علي تسننهم، بما في ذلك عشائر عنزة المنتشرة عبر بادية الشام وصحراء العراق الجنوبية. ثمة عشائر، كربيعة، أصبح جناحها في جنوب شرق العراق شيعياً بينما حافظ جناحها في غرب بغداد علي تسننه. وكان طبيعياً، إضافة إلي ذلك، أن تثير عملية التشيع ردود فعل سنية، أخذت في الظهور في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في صورة احتجاجات ضد سياسات الدولة العثمانية في العراق. ولكن ردود الفعل السنية لم تكن في الحقيقة حادة، لا علي المستوي الأهلي ولا علي مستوي السلطات العثمانية. وقد عبر رشيد رضا عن رأي قطاع من العلماء السنة عندما كتب بأن تلك العشائر لم تكن سنية بما تعنيه المدلولات الشرعية للكلمة من معني، وأن الأفضل أن تتعلم الحلال والحرام من العلماء الشيعة من أن تبقي علي ما هي عليه. بعد 1874، عندما انتقل الميرزا محمد حسن الشيرازي إلي سامراء وأسس فيها مدرسة شيعية، استجاب السلطان عبد الحميد لاحتجاجات العلماء السنة وأوحي لوالي بغداد بدعم الشيخ محمد سعيد النقشبندي لبناء مدرسة سنية في المدينة. ولكن التوجه الرئيسي للدولة العثمانية في عصر السلطان عبد الحميد (1876ــ 1909) كان توجهاً وحدوياً إسلامياً، وتحت جناح الدعوة إلي الجامعة الإسلامية والحاجة لمواجهة التحديات الغربية للإسلام وأهله، مضي سنة العراق وشيعتهم نحو أفق جديد لعلاقاتهم. العثمانيون والامبريالية الغربيةتعرضت الدولة العثمانية، وكافة أنحاء العالم الإسلامي، خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لتهديدات كبري من الدول الإمبريالية الأوروبية الغربية ومن الجيران الأوروبيين كروسيا والنمسا. سقطت الجزائر وتونس تحت الاحتلال الفرنسي، ومصر والسودان وعدن والإمارات العربية في الخليج تحت الاحتلال البريطاني، ثم لحقتها ليبيا التي احتلها الإيطاليون في مطلع القرن العشرين. وقد أجبرت الدولة العثمانية علي التراجع عن مناطق شاسعة في القرم والقوقاز وأوروبا الشرقية أمام الاندفاع الروسي والنمساوي، أو بفعل حركات الاستقلال المدعومة من القوي الأوروبية، بينما تخلت الدولة القاجارية عن مناطق أخري أمام الاندفاع الروسي باتجاه الجنوب. وفي الوقت نفسه، كان الاختراق الاقتصادي الغربي ينتشر في كافة أنحاء العالم الإسلامي ويوقع تأثيرات بالغة في موازين القوي وأنماط الإنتاج والاجتماع في المدن الإسلامية الرئيسية. أطلقت حركة التوسع الإمبريالي وإحساس المسلمين المتزايد بالهزيمة والخطر والعجز عن الدفاع عن النفس، حركة تحديث واسعة في الدولة العثمانية، طالت كافة جوانب الدولة والحياة منذ 1840، وأخري شبيهة، وإن كانت علي نطاق محدود وبتردد كبير، في الدولة القاجارية منذ منتصف القرن التاسع عشر. إن أهم أهداف المشروع التحديثي، كما مثلته التجربتان العثمانية والقاجارية، كان توكيد وبسط سيطرة الدولة علي الأرض والمجتمع. استدعي تحقيق ذلك الهدف احتكار الدولة لوسائل العنف، ممثلة في الجيش الحديث، أجهزة الأمن، والإدارة الهرمية غير المشخصنة، كما في فرض الحكم المركزي علي المناطق التي تدار محلياً أو من خلال ما يشبه الحكم الذاتي. ومن أجل استمرار سيطرة الدولة علي شعبها والمحافظة علي هذه السيطرة، شقت الطرق الجديدة ومدت خطوط سكك حديدية وأنشئت شبكات الاتصال التلغرافي، كما أطلقت مخططات الإصلاح الزراعي التي غيرت أنماط توزيع وملكية الأرض المستقرة منذ قرون. وقصد بإدخال النظام التعليمي الحديث وإقرار المناهج المدرسية المركزية أن تنتج المعاهد التعليمية الجديدة النمط المطلوب من موظفي الدولة، إضافة إلي إنشاء أمة ومجتمع جديدين توحدهما رؤية واحدة ونمط تفكير واحد. وقد طبق المنطق نفسه في الحقل القانوني حيث استبدل النظام العدلي القديم، القائم علي القاضي والمحكمة الشرعية، بمحاكم حديثة. وبعد محاولة عثمانية قصيرة العمر لتقنين الشريعة الإسلامية، استوردت الأنظمة القانونية الأوروبية المدنية والعامة كما هي تقريباً. وقد أخذت الدولة في وضع يدها علي الأوقاف، إما لأنها رأت فيها قاعدة ومصدر دعم للقوي التقليدية المناهضة للمشروع التحديثي، أو بهدف الحصول علي مصادر مالية إضافية لتمويل حركة التحديث. وإلي جانب الاختراق الأوروبي الواسع للأسواق الإسلامية، لا سيما في حوض المتوسط، فإن حقبة التحديث تركت آثاراً عميقة علي المجتمعات الإسلامية وعلاقتها بالدولة ورؤيتها للعالم.صدر الكتاب الشهر الماضيعن دار الشروق في القاهرة7