ولا تصل علي أحد منهم

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الافندي

(1)في موقف مثير للاهتمام والدهشة، قرر اللبنانيون بصورة عفوية إجماعية أن يرفضوا عرض المساعدات الإنسانية التي تقدمت بها بعض الدول المتهمة بمساندة العدوان ضدهم. ومن ذلك المستشفي الميداني الذي تبرعت به دولة عربية (أخطأت في الطباعة أولاً فكتبت عبرية وكان ينبغي أن أتركها بدون تصحيح) لمعالجة جرحي القصف، والذي أكدت التقارير الإعلامية أنه ظل بدون أي رواد، رغم ما أصاب لبنان من كارثة ضحاياها بالآلاف. أي أن اللبنانيين فضلوا الموت علي قبول مساعدات لا يثقون في دوافع من تقدموا بها.(2)الشيء نفسه لا يمكن أن يقال عن الحكومة اللبنانية، التي تجد نفسها مضطرة لقبول تضامن ومساندة الأشقاء العرب الذين أخذوا يتوافدون علي بيروت للتعبير عن وقوفهم مع لبنان. وقد حرص هؤلاء علي الحضور جماعات، لأن أيا منهم لم يكن يجرؤ علي الحضور وحده خشية وخجلاً. ولكن هذا لا يمنع من ان هذا التضامن جاء متأخراً جداً ولا يزال أقل من المطلوب، كما أنه يفتقد الصدق والإخلاص.(3)في العهد النبوي صدرت تعليمات مشددة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بألا يقبل صدقات المنافقين الذين تقاعسوا عن أداء ما عليهم، وأن يرفض أيضاً المشاركة في الجهاد من قبل القاعدين الذين تخلفوا عن القتال بدون عذر. أي أن العقوبة لمن تخلف عن أداء الواجب هي حرمانه من أي مشاركة مستقبلية في مهمات الدفاع. وكنت قد أشرت في كتابي الإسلام والدولة الحديثة (2000)، إلي أن هذا يؤكد أن الدولة الإسلامية التي أسسها الرسول لم تكن دولة بالمعني الكامل للدولة، لأنها لا تعتمد القمع، بل الزواجر الأخلاقية أساساً لفرض سلطتها، ولكن هذا مبحث آخر.(4)الأمة الإسلامية ككل استمرت منذ نشأتها في اعتماد الزواجر الأخلاقية أساساً للحفاظ علي هويتها والدفاع عن بقائها. ولهذا فإنها حافظت علي بقائها رغم اجتياحات المغول وجوائح الاستعمار، وذلك برفض الانصياع للغزاة، وأهم من ذلك بنفي من ينصاع وينحاز كما ينفي الجسد الصحيح الخبث والمرض. ولهذا لم يجد الحركيون الذين قاتلوا مع الاستعمار الفرنسي ضد أهلهم في الجزائر مكاناُ لهم في الجزائر المستقلة، ورفضت الأمة دائماً كل متواطئ ومتعاون.(5)الذين ينحازون إلي العدو كانوا دائماً يبررون خيانة الأمة بالقول بأنهم يتوخون المصلحة، أو يستعملون الحكمة خوفاً مما هو أسوأ، ويبتعدون عن التهور. وقد أورد القرآن تبريرات أسلاف هؤلاء لهذه الهرولة تجاه العدو بالاحتياط: وتري الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشي أن تصيبنا دائرة. وقد تعهد الله تعالي بنفسه أن يصيبهم عين ما طلبوا الأمان منه عند عدوهم، ومن توعده الله فقد هلك.(6)لو افترضنا ذرة من حسن النية عند هؤلاء، وانهم فعلاً أقاموا العلاقات مع العدو من أجل خدمة مصالح الأمة وتجنيبها الكوارث، لتوقعنا علي أقل تقدير أن تكون لهم حظوة عند هذا العدو تسمح لهم بالتوسط للتخفيف عن ضحاياه الكثر من إخوانهم. وفي القديم كانت حتي العاهرات اللواتي كن يعملن في معسكرات الغزاة يتوسطن لإنقاذ ومساعدة أقربائهن وأصدقائهن. ولكن ما حدث هو أنه منذ أن عقد هؤلاء سلمهم مع العدو، وهو ينتقل من هجوم علي ضحاياه السابقين ممن شردهم من قبل، إلي هجوم آخر. وهؤلاء إما صامتون وإما ناطقون بما الصمت خير منه. ولو حسنا الظن لقلنا إن نفوذهم عند العدو صفر، ولو لم نفعل، لقلنا إنهم متواطئون. والحقيقة إن الأمرين حق.(7)علي كل حال فإن تضامن هؤلاء ودعمهم لضحايا العدوان يجب أن يكون مرفوضاً حكماً، لأن المساهمة في هذا الأمر شرف لا يستحقونه، بعد أن سبقتهم حتي فرنسا وفنزويلا ودول جنوب آسيا وكثير غيرها بمواقف مشرفة أكثر. فهم لم يتجردوا من الانتماء للعروبة فقط، بل حتي من الانتماء للإنسانية.(8)التعليمات التي صدرت للرسول الكريم تجاه المتقاعسين شملت إضافة إلي رفض صدقاتهم وتبرعاتهم وحرمانهم من شرف الجهاد ألا يصلي علي موتاهم: ولا تصل علي أحد منهم مات أبدا ولا تقم علي قبره. وهذا هو ما يمكننا الالتزام به لأنهم لا يستطيعون إجبارنا علي الدعاء لهم، كما أنه حق وواجب نأمل أن نتمكن من ممارسته في أقرب فرصة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية