الحرب اللبنانية ومأزق الطرف المعتدي

حجم الخط
0

الحرب اللبنانية ومأزق الطرف المعتدي

السنوسي بسيكريالحرب اللبنانية ومأزق الطرف المعتديكما هي العادة دوما في قضايا الشرق الأوسط تتعدي الأطراف المتورطة في النزاع القوي المتصارعة عسكريا أو سياسيا وتستدعي أزماتها قوي تربطها علاقات استراتيحية بأطراف النزاع ولها مصالح حيوية بالمنطقة. ينطبق هذا بوضوح في الحرب المندلعة بين حزب الله وإسرائيل هذه الأيام ، ونعرف جميعا الأهمية الذي يكتسبها الشرق الأوسط ونفهم دواعي القلق الكبير الذي يساور الدول التي ترتبط مصالحها بهذه المنطقة بل ويرتبط استقرار بعضها باستقرارها.وقبل أن أدلف إلي مناقشة مواقف الأطراف المتنازعة والأطراف الإقليمية والدولية المعنية أود أن أضع توصيفا مبسطا لطبيعة الأزمة وأسباب تفجرها، إذ لا أعتقد أن حزب الله مسؤول عما يحدث ومن غير المقبول تحميله وزر ما يجري للآمنين في لبنان لسبب بسيط أن دولة إسرائيل دولة كانت ولا تزال معتدية ولم يتوقف اعتداؤها ويقر ذلك القانون الدولي. فإسرائيل دولة تحتل أراضي فلسطينية ولبنانية وتحتجز الآلاف من الأسري العرب وتبني المستوطنات وتقتل المدنيين وليس بينها وبين حزب الله هدنة أو وقف لإطلاق نار، والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان كان كغيره من القرارات الإسرائيلية، أحادي الجانب ولم يأت وفق اتفاق. وباستثناء المهووسين بالدولة العبرية والمعتقدين بنبوءات ذات صناعة يهودية، لم يقبل العقلاء من أهل الفكر والسياسة دوليا مبررات الحكومة الإسرائيلية وهم يرون القتل الجماعي المتعمد والوحشي للمدنيين في بيوتهم وعند نزوحهم وتدمير الطرق والكباري ومحطات الكهرباء والمياه. ولا تكمن خطورة تحميل حزب الله المسؤولية كاملة لما يحدث في تماهيه مع الموقف الأمريكي المعلوم النوايا، بل يتعدي أثره إلي حصار المقاومة، وإضعاف موقف الدول الرافضة للهيمنة الأمريكية في المنطقة، والتمكين لاستراتيجية واشنطن ـ تل ابيب الرامية إلي صياغة الشرق الأوسط وفق تطلعاتهما الامبريالية. تذهب التفسيرات الغربية بأن العملية التي قام بها حزب الله والتي أذنت بتفجر الأزمة جاءت بتحريض إيراني، ومباركة سورية لتخفيف الضغوط عليهما، وخلق وضع يمكنهما من تعزيز موقفهما التفاوضي في النزاع بينهما وبين القوي الغربية منذ اغتيال الرئيس الحريري، وإعلان طهران عن عزمها علي استمرار أبحاثها لامتلاك قدرات نووية. ويبدو أن بعض العواصم العربية تتفق مع هذا التفسير وتبني عليه موقفا يستدعي مخاوف، من مثل ازدياد الحضور الشيعي في بعض الدول العربية، وإمكان تحالفه مع إيران في اتجاه يضاد المواقف العربية، وربما يهدد استقرار العالم العربي. غير أن هناك العديد من المؤشرات تكشف عن دوافع حزب الله في عمليته ضد الجيش الإسرائيلي تجعل تلك التفسيرات أقل أهمية في فهم ما جري. وتعود الدوافع وفق هذه المؤشرات إلي حاضر ومستقبل حضور الحزب سياسيا وعسكريا ودوره المقاوم بعد إزدياد الضغوط الإسرائيلية ـ الأمريكية تجاه إنهائه وصدور قرار مجلس الأمن رقم 1559 المطالب بتفكيك المليشيات العسكرية في لبنان وبروز بعض الأطراف اللبنانية التي تؤيد الرغبة الإسرائيلية الأمريكية، وما يرتبط بذلك من ضغوط تمارس علي إيران وسورية تهدف من ضمن ما تهدف إليه وقف دعم طهران ودمشق المادي والمعنوي لحزب الله. وبذلك يمكن أن يفهم تحرك حزب الله علي أنه من قبيل الأخذ بزمام المبادرة في الصراع القادم لا محالة والإمساك بأوراق تعين في المواجهة تتعدي حيازة أسري إلي كسب الشارع اللبناني والعربي خلفه وربط مصيره بمصير المقاومة الفلسطينية والحلفاء في المنطقة. ولم تكن في تقديري مغامرة كما وصفت، غير أن قيادة الحزب لم تتوقع أن يكون رد الفعل الإسرائيلي بهذه الوحشية وهذه القسوة، كما يواجه الحزب أزمة تتمثل في إمكان نجاح تل ابيب وواشنطن في تمرير حل للأزمة مربوط بتحجيم الحزب ومحاصرته.بالنسبة لرد الفعل الإسرائيلي فهو يعكس وحشية الدولة العبرية وتعديها السافر علي كل ما هو قانوني وإنساني وتحديها للرأي العام العالمي وتطالعاته في الأمن والسلام. وقد بدا من رد الفعل الإسرائيلي والتصريحات التي واكبت ذلك أن اسرائيل تعمل ما تريد وأعدت لذلك عدته وفق توافق كامل مع واشنطن ودعم غير محدد من قبل صناع القرار الأمريكي لأهداف الحملة الإسرائيلية، والتي تتضمن بشكل عام إشاعة الرعب وإنهاك حزب الله وسلبه الشرعية وهدم المجد الذي حققه عقب هزيمة إسرائيل في الجنوب عام 2000، وذلك من خلال تأليب الشارع اللبناني ضده وتحميله مسؤولية ما جري وعزله عن حلفائه بضغط تقوده واشنطن. وذلك علاوة علي الحرص علي اجتياز الحكومة الأسرائيلية للأزمة بنجاح باعتبارها أول اختبار خارجي لها يمكن أن تحصد من خلاله مزيدا من التأييد في الداخل. الأزمة تقع في ظروف تستصحب اختلال النظام الدولي والنظام العربي حين تستمر الولايات المتحدة في التحكم في القرار الدولي وما يتعلق بالأزمات التي ترتبط بحلفائها وبمصالحها. وإزاء الهيمنة الأمريكية يظهر عجز الأمم المتحدة وعجز الإتحاد الأوروبي، أكبر تجمع سياسي عالمي، ويظهر ذلك من اختلاف المواقف الأوروبية، فبريطانيا تقترب من الموقف الأمريكي في مسألة توقيت وقف إطلاق النار وتحميل حزب الله المسؤولية دون إدانة من (عشرة داوننغ ستريت) للدولة العبرية، وكذلك تعدد المبادرات وفشلها في وقف انتهاكات إسرائيل وانتظارها للتحرك الأمريكي. يرافق ذلك تشرذم الإرادة العربية وتناطح التوجهات العربية للعواصم المهمة وخضوع بعضها للتبعية الأمريكية بشكل يعظم من سخط الشارع ويعمق الهوة بينه وبين الأنظمة الحاكمة. واشنطن تدعم إسرائيل وتبني علي نتائج إعتداءاتها لتكون ضمن أجندتها لإعادة تشكيل المنطقة، كما صرحت كوندوليزا رايس عند وصولها للبنان وكررته عند لقائها بأولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي. الاستراتيجية الأمريكية تقوم علي تحميل حزب الله وحلفائه المسؤولية في اندلاع الأزمة وتطورها وترفض الوقف الفوري لإطلاق النار كما هي إرادة معظم المجتمع الدولي حتي يتوفر المناخ لتحقيق ما أسمته رايس وقف إطلاق للنار مستديم (Sustainable Ceasefire) يقوم علي تنفيذ المطالب الإسرائيلية المتمثلة في إطلاق الأسري، وحل حزب الله ، وتمركز قوة حفظ سلام دولية في الجنوب. ومن الواضح أن واشنطن تريد منع تحالف قوي المقاومة والقوي الداعمة لها لتحرم الأولي من الدعم المادي والسياسي وتحرم الثانية من ورقة ضغط تعزز مركزها التفاوضي في خلافاتها مع الغرب والذي تقوده الولايات المتحدة، وحتي يتسني للحلف الأمريكي الصهيوني تحقيق أهدافه في المنطقة. الموقف الدولي الذي أعلن عنه من خلال الأمم المتحدة ومواقف العديد من العواصم الغربية المهمة يدعو إلي الوقف الفوري لإطلاق النار، ويدين بشكل غير قوي رد الفعل الإسرائيلي، وهذا ما جعل الموقف الأمريكي في عزلة، إلا أن الجميع يدرك أن الإرادة الأمريكية هي مفتاح الأزمة، باعتبار أنها الدولة الوحيدة القادرة علي لجم إسرائيل، ولهذا فإن مضمون المبادرات التي طرحت من بعض الأطراف الأوروبية لا تتصادم والمطالب الأمريكية الإسرائيلية في تسوية النزاع من خلال تطبيق قرار 1559 الأمريكي الفرنسي الصناعة، وكل ما تبغيه القوي الأوروبية هو حث، وفي أحسن الأحوال، إحراج الولايات المتحدة لتعجل بالضغط علي إسرائيل لوقف اعتداءاتها. بالرغم من أن بعض المؤشرات تقود إلي إمكان نجاح المخطط الإسرائيلي الأمريكي، إلا أن أمامه عقبات يمكن أن تجعل منه مخاطرة ستضر ليس فقط بسمعة الولايات المتحدة التي تدعي أن نشر الديمقراطية هو من أبرز أهداف سياستها الخارجية في حين تطلق اليد وتوفر الغطاء السياسي وحتي العسكري لدولة لإسرائيل لتقتل الآمنين وتدمر البني التحتية لدولة لبنان، بل ربما تعرضها لهزيمة جديدة أمام حزب الله والدول الداعمة له تتبع فشلها في العراق. يجمع الكثير من الخبراء أن عمليات إسرائيل العسكرية العدوانية لم تؤثر في قدرة حزب الله العسكرية وبالتالي لن تجني إسرائيل إلا مزيدا من السخط الدولي والتأكيد علي أنها الدولة الأكثر خطرا علي الأمن العالمي كما جاء في استطلاع رأي مثل موقف 54% من الأوروبيين عقب مجازر جنين قبل ثلاثة أعوام. وليس بمقدور إسرائيل أن تنجح في تدمير قدرة حزب الله وقد فشلت في السيطرة علي المقاومة الفلسطينية في مناطق كانت تحت هيمنتها، وما كانت لتخرج من الجنوب اللبناني منهزمة بعد سجال مع الحزب قارب العقدين من الزمان، وبالتالي لن تجني إسرائيل من حربها هذه الكثير علي صعيد وقف المقاومة، إذا استمر صمود حزب الله وأظهر الشارع اللبناني تأييد للحق في المقاومة، واستمر الدعم المادي والمعنوي من قبل الحلفاء، لهذا تجعل تل ابيب إحلال قوة حفظ سلام في الجنوب من ضمن مطالبها لتحول دون تهديد الحزب لإسرائيل ، ولا تتكبد خسائر في الجنود والعتاد كالذي تواجهه في اجتياحها الراهن للجنوب . وفي حال إخفاق الحل العسكري ميدانيا وعلي مستوي تعبئة الرأي العام اللبناني والقوي الإقليمية والدولية ضد حزب الله وعلي مستوي إخراج طهران ودمشق من دائرة الصراع فلن يكون بين يدي واشنطن أوراق لتوجيه الحراك الدبلوماسي نحو ما ترمي إليه من أهداف. فليس هناك أي دلائل علي إمكان عزل حزب الله داخليا ولا مؤشرات قوية علي انحياز شعبي لدعم الحكومة لنزع سلاحه وليس الاقتتال الداخلي أقل كلفة من تدمير الآلة العسكرية الإسرائيلية وهو وارد في حال ازدياد الضغوط الداخلية علي الحزب، ولا سبيل لتفكيك الحزب عبر الحلفاء العرب ولا عبر تدخل قوي دولية وتجربتا العراق وإفغانستان حاضرتان بقوة، كما أن القتل العمد بحسب كوفي عنان لأربعة مراقبين دوليين تابعين للأمم المتحدة من قبل الجيش الإسرائيلي سيلقي بظلاله علي انزال قوة دولية في الجنوب. فلم يبق إلا مقايضة طهران ودمشق وهو انتصار لهما لا تحتمله واشنطن، أو تفاوض يشرك فيه الحزب ولو بشكل غير مباشر، يحقق فيه الطرفان بعض أهدافهما وتحفظ فيه واشنطن وتل أبيب ماء وجههما، إذ لا إمكان لاستمرار الاعتداءات الإسرائيلية لفترة طويلة وتدرك واشنطن عواقب ذلك وسيبقي الأمر، كما ذكرت، منوطا بصمود المقاومة وثبات إرادة الشعب اللبناني وصلابة الموقف الإيراني والسوري.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية