تأسيس لبلاغة متخيل قوامه اللعب والسخرية والانتقاد:

حجم الخط
0

تأسيس لبلاغة متخيل قوامه اللعب والسخرية والانتقاد:

رهان التشظي في رواية مجازفات البيزنطي لشُعيب حَليفي تأسيس لبلاغة متخيل قوامه اللعب والسخرية والانتقاد:مجازفات البيزنطي1 هي العمل الابداعي الرابع في مسار شعيب حليفي الروائي بعد مساء الشوق (1992) زمن الشاوية (1994) و رائحة الجنة (1996) الذي يظل وفيا لمجموعة من الأسس التي كرسها في رواياته السابقة، منها الوفاء للشاوية بمتخيلها الخصب مما يؤكد انشداده الدائم الي أصوله وانتمائه الذي يمتح من معينه عناصر عالمه الروائي، والوفاء للغة تجاور بين الواقعي والاستعاري الرمزي، بين الفصيح والعامي، والوفاء لتركيب العناوين اذ نلاحظ أن هناك صيغة واحدة كُتِبت بها كل عناوين رواياته، وهي عبارة عن شبه جملة مضاف ومضاف اليه. وفي هذه الرواية يقدم لنا عالما روائيا متشظيا بلغة مكثفة، مطبوعة بحساسية ساخرة.ليست الكتابة المتشظية هي الكتابة التي تتخللها تقطعات وانما هي مضمون وليست شكلا، لأنها شكل/مضمون يكرس مفهوما معينا عن الزمان، ورؤية معينة لانتاج المعاني.2 انها كتابة قوامها تصدع وحدة السرد وخطيته، وتفجير الأشكال الأدبية بتقليص الحدود بينها، واعادة الاعتبار للكتابة الشذرية 3. من هذا المنطلق نقول ان التشظي في رواية مجازفات البيزنطي، مجازفة مقصودة، وليس طارئا وانما هو رهان يوجه كتابتها، يساير التشظي واللامعني اللذين يعكسهما الواقع. يواجهنا التشظي في الرواية منذ الوهلة الأولي انطلاقا من العنوان الفرعي للرواية روايات قصيرة جدا ، الذي يكسر أفق انتظارنا، ويؤكد لنا بأن الأمر لن يتعلق برواية معتادة، وبالتالي سنكون أمام روايات وليس رواية واحدة، فيطرح أمامنا سؤال التجنيس.وما أن نتجاوز عتبة العنوان حتي نجد أنفسنا أمام مجموعة من الفصول التي تتضمن بدورها عتبات وفصولا وعناوين فرعية مغرقة في التشذر، نتأكد بالفعل أننا بصدد رواية تشتغل علي التشظي كرهان للكتابة. فنصطدم بمجموعة من الشذرات، في غياب كلي للتدفق السردي الذي يشد أجزاء الحكاية ويجعلها مسترسلة ومتماسكة، بقدر ما هناك حضور لشظايا تقيم نصا متوترا بلوريا4، فهناك فقط شذرات تتواري وراءها مجموعة من الحكايات، تتطلب منا اعادة تركيبها لحظة القراءة، مما يتيح العديد من الاحتمالات الحكائية والتأويلات الدلالية. نظرا لوجود مقاطع وشذرات تضيء بعضها البعض، لكونها محكومة بالتفاعل.يتجلي التشظي في الرواية في تنويع الخطابات الموظفة، عبر التجاور بين عدة أساليب وخطابات: الرسالة، الحلم، الحكاية، اليوميات، السيرة الذاتية: الرسائل، كرسائل العيساوي الي صديقه الحطاب الذي شارك معه في الحرب العالمية الثانية، التي يتخذها العيساوي أداة لقراءة التاريخ الفردي والجماعي، يقول مثلا في احدي رسائله: هل تتذكر؟ الجميع كان يعتقد أننا ـ أنا وأنت دائما- ذاهبان الي فرنسا حتي نكون جنرالات حاسمة، انه حلم ما زال في ذهني.. . (ص.40).الحلم، الذي يكسر البناء المنطقي المحكم، ويضفي علي النص والمقاطع الروائية نوعا من الحوار الداخلي، قوامه التأويل والاضاءة ولعبة المرايا، كحلم عمر العيار الذي هو بمثابة قراءة وتأويل لورطته مع فتاة كانت نهايتها شهرين في السجن، يقول: في الشهرين الساخنين بالسجن الفلاحي (عين علي مومن)، كنت أري نفسي مستحما بأدخنة هادئة وملساء، وعبرها رأيتها في بياض نوراني، اقتربت مني وقالت:ـ أنا أكرهك…فقلت لها: منذ عرفتك لم أعرف طعم النوم. منذ… مائة عام صار حبك مرضا في قلبي .ردت ضاحكة: أنت كذاب.رأيت الأشجار التي لم أعرف أسماءها، وقلت لها أنا أعرفك وأنت تكرهينني، رغم أنك قبل مائة عام أهديتني جلد الثعالب وسلمناه معا للدباغ، صانع الملابس، كي يستخرج لي منه جاكيت، ولك فولار… ثم قمت من مكانك، خجولة بلباسك الأسود القصير والفاضح عن فخذين شهوانيين. كنا أربعة أصدقاء فغنيت عن الموسيقي والحب. صرخت في وجهك: غَنِّ من أجلي يا حنة. لماذا ناديت عليك بهذا الاسم؟ابتسمت تلك الفتاة في خجل، (لا لم تخجل) وأنا أقول لكِ أنكِ لا تكرهين الا الظلال. ثم أخذتها من يدها، (لا بل من روحها) وذهبنا الي الجحيم . (ص 15).السيرة الذاتية، التي تكسر الحدود بين الواقعي والعجائبي، والمتمثلة في سيرة حمار العيساوي الذاتية التي يحكيها الحمار بضمير المتكلم ملخصا فيها بعض الدروس والعبر التاريخية، التي أضاءت مجموعة من الأمور في حياة العيساوي الخاصة، كما تقدم قراءة لمرحلة مهمة من تاريخ المغرب المعاصر، ممتدة من بداية الثمانينيات من القرن العشرين التي عرفت جفافا كبيرا، الي راهن المغرب والمتمثل في محاولة المغرب المصالحة مع ماضيه، من خلال هيئة الانصاف والمصالحة. يرصد فيها معاناة الانسان والحيوان في فترة الجفاف التي عرفها المغرب، يقول السارد علي لسان حمار العيساوي: انها محنة علي كافة الوجوه، الفقر والقحط وغلاء المعيشة جعلت الانسان يتخلص من أبنائه فبالأحري حميره . (ص.58.) لتقدم تاريخا لمعاناة الانسان والحيوان. كما تستبطن مواقف ساخرة من بعض القضايا التي عرفها التاريخ المغربي المعاصر كهيئة الانصاف والمصالحة، حيث فشل حمار العيساوي في أداء دوره، في تمثيلية نسجها العيساوي بصددها، يقول: ولأول مرة أفشل-أنا الجحش الذكي- في التدرب علي دور جديد وتمثيلية رسمها باتقان العيساوي، وهيأ لها حيوانات وكراكيز من خرق بالية محشوة بالتبن، ونصبني رئيسا لهيئة جبر الخواطر المكسورة، وكان العيساوي يريد من وراء هذه التمثيلية ابساط الناس والترفيه عن المتفرجين… ولكني لم أستطع وكنت أفشل في أداء دوري[…] وفي لحظة هيجان انصرف الجمهور عن مواصلة تتبع جلسات الاستماع والتعويضات وجبر الخواطر المتدربة في تمثيلية العيساوي وباقي الكراكيز المحشوة . (ص.64.).المذكرات، من خلال مذكرات مصطفي الخمري، في الفصل المعنون بـ البحث عن الحكاية وهي عبارة عن شذرات دونها انطلاقا من حيوات أصدقائه العباوي والعيساوي وعمر العيار والعساس، يعيد من خلالها كتابة سير أصدقائه، باحثا عن الحكاية التي لم يستطع كتابتها. تتضمن هذه الشذرات تأويلا لتجارب هؤلاء، يقول في احدي شذراته: كل البدايات بدلالاتها المتقطعة هي حطب للحكاية المفتقدة والهام للبحث عن الكلام الأول الذي سرقنا من سهونا وحصصنا من الضجيج . (ص.92.)تقنية التوازي، في الفصل المعنون بـ العيساوي بين شذرات من قصة رحلة الفنان التشكيلي الفرنسي أوجين دولاكروا الذي افتتن بسحر المغرب، أثناء رحلته الي المغرب سنة 1832م، وحقق ثورتين: الأولي في الفن التشكيلي بتجاوز الانطباعية الي ما بعد الانطباعية أو الرومانسية، والثانية تجاوز النظرة التقليدية للشرق الخيالي. يقول في احدي الشذرات: (الفنان المنشطر بين ثورتين، سكب لنفسه جرعة أخيرة مما رأي، فبعث بالمداد الملون يرسم حوض القيامة، والرغبة تقهر فيه كل سنواته الفرنسية، والجسد يدمر رؤاه الماضية، والآهات المظفورة في الأصوات (وليس العكس). آن له أن يرسم روحه المشتتة بين خام الأرواح وانعكاسات ذلك علي شفير انذهاله . (ص 32 ـ 33) وقصة حب العيساوي الأب لمنانة، ابان الأطماع الاستعمارية علي المغرب، كانت تثير الاستغراب يقول السارد: المؤرخون والمنجمون المحليون علي السواء، عابوا علي العيساوي كونه، والعالم يغلي بأحداث ماسخة ستعيد خريطة الكون في ذلك القرن، كان يعيش قصة حب بالطريقة الشعرية المقفاة ذات العروض المكسور . (ص.33.) هكذا يندهش الأول (دو لاكروا) من جمال المغرب ويندهش الثاني (العيساوي) من جمال منانة.كما أن هناك انفتاح علي اللغة العامية علي مستوي المشاهد الحوارية عبر عبارات مختارة بعناية تكون في الغالب قد ترسخت في المتخيل الجمعي، من خلال بعض الجمل المقتطفة من بعض الأغاني الشعبية ومن ذلك: القْلِيب اللِّي كان عندي رْمِيتُو . (ص.14 .) وفي بعض الأحيان يتم تحويرها حتي تناسب السياق: حبك جاب لك الحبس . (ص.18 .) وفي أحيان أخري تصير اللغة العامية عنصرا مهيمنا في الحوار وترتفع نسبيا لتعانق الزجل مثلا من خلال الحوار الذي دار بين العيساوي الأب ومنانة، وفيما يلي مقتطف منه: خطوة أخري من العيساوي لفتت انتباههن، وبدون حركات جسدية أو رهبة من نسيان دوره القدري، قال:السلام عليك يا غسالات الصوفوكل سْلام ليه جْوابوالله الله يا ذاك العودْ المربوطْالي كان للركابما تْحرْمونا من رْكابو[…] لم تنتظر طويلا فردت عليه:عينك شَافَتْ، وشَافَتْ مَا مْلاهَاالديب ما يدخل وسط الغنموالسلوقي ناعس حداها . (ص 30 ـ 31).وذلك بالانفتاح علي المخيلة العامية العالمة وجعلها تجاور اللغة الفصيحة في اطار شعيب حليفي الانفتاح علي المتخيل المحلي للشاوية.اننا أمام رواية تروم تلخيص تشتت الحياة وتناقضاتها في نص مكثف، متوسلة بلغة مكثفة تراهن علي الاقتصاد اللغوي وتثور علي اللغة السردية المألوفة، وتروم الانشطار والتداخل والتوازي، والانفتاح علي سجلات وأجناس أخري كالحلم والمذكرات واليوميات والسيرة الذاتية وغيرها. يعكس ذلك حساسية ساخرة تروم كشف الحجاب عن زيف الأشياء والعلاقات والاختلالات والتناقضات التي تدب في أوصال الواقع.يؤسس شعيب حليفي في هذه الرواية بلاغة متخيل قوامه اللعب والسخرية والانتقاد، انطلاقا من العنوان الفرعي (روايات قصيرة جدا) الذي يربك القارئ نسبيا، ويحدث لديه خللا في تجنيس النص، ويمارس عليه تشويشا وتشويقا يدفعه الي قراءة النص.وما أن يشرع المتلقي في القراءة حتي يجد الرواية تقوم بتشتيت الواقعي وتفتيته وتوريته لصالح محكي يسعي الي أن يكون شعريا خالصا، فيتداخل لديه الواقعي بالخيالي، ويكون ملزما باعادة ترتيب فصولها، مما يدفعه الي الدخول في لعبة انتاج المعني.لا يتعلق الأمر هنا بروايات معزولة ولكنها روايات متداخلة مع بعضها البعض تضيء بعضها؛ فمثلا العيساوي الحكاء الحلايقي صنع من اختفاء عمر العيار (الأب) مجموعة من الامكانات والاحتمالات والاشاعات، منها:ـ كل الكلام الذي نسجه العيار ليس له وانما هو لزَفَّانات ينزلن من السماء يهتفن له به.ـ أنه صار أعمي مثل الشيخ العساس.ـ عمر العيار هو أبوه العيساوي الذي اعتقد الفرنسيون أنهم قتلوه.ـ اختفاؤه كان بفعل امرأة جميلة وملثمة استلت من صلبه حكاية حقيقية اسمها سيف بن عمر العيار. (ص.52).كل ذلك في اطار الصوغ اللعبي (نسبة الي اللعب) الذي يحكم الرواية، الذي يجعل الشخصيات تتماهي وتتداخل مع بعضها.من ذلك لعبة الاضاءة والتعتيم، مثلا في الفصل المعنون بـ حالات مصطفي الخمري يقول الخمري مجيبا طبيب العيون الذي سأله: لقد رأيت . (ص.94.) جواب محير معتم يحتاج الي اضاءة، في الصفحة الموالية يعلق السارد مضيئا ذلك التعتيم: الجملة المنزوعة من سياق الحوار بين الكاتب والدكتور علال تقول: لقد رأيت كل شيء يتعبني… هل يمكن اجراء عملية جراحية لاقتلاع ما رأيت؟ (ص.95).تنفتح الرواية علي المهمش والمقصي في التاريخ الرسمي لمنطقة الشاوية، فتعيد كتابة التاريخ لكن بطريقة روائية، عبر شخصيات تعيش علي الهامش تلتقي في مكان مقصي، (مقهي بيزنطة) في مدينة هامشية، ومعزول، يقول السارد: مقهي بيزنطة فضاء شعبي مرمي علي قارعة الشارع، بأمتار محدودة وكراسي محسوبة . (ص.5.) يبدو تخييليا أكثر منه واقعيا.كل الشخصيات تعيش علي الحكاية وبالحكاية يقول: جميعهم يقتصون من متاهة النهار ثلثا ظنيا وأطراف غير متساوية من الليل للدخول الي بيزنطة ـ المقهي ـ يبحثون عن ربط وجودهم بيقين الحياة، في تناوب فادح علي الحكي . (ص.5.) بالفعل هناك تناوب علي الحكي بين شخصيات الرواية، كل علي طريقته الخاصة:ـ سيف بن عمر العيار الذي كان يمتح من ذخيرة والده (عمر العيار) الذي كان حكاء كبيرا، يقول السارد: ولم يستطع أن ينسي أبدا كل تلك الحكايات التي قرأها حتي اختلطت بحياته . (ص.10.) ـ العباوي كاتب تقارير بوليسية، بعد أن حقق أمنية الطفولة وأصبح مخبرا سريا، يقول السارد: وجد المخرج في اختلاق شخصيات وهمية يحكي عن اجتماعاتها السرية، وبعض منطوق كلامها، وتحركاتها، وكان يجد في الحركات الاحتجاجية العامة فرصة ليزرع أخبارا حول شخصياته وأنها وراء كل ذلك وان كان الظاهر يقول غير هذا . (ص.75).ـ العيساوي، الذي جعل من الحكاية مهنة يقتات منها عبر الحلقة رفقة حماره، بعد فشله في كل الحروب التي خاضها، يقول السارد: الذي كان يظهر ويختفي دون أن يفقد قدرته الخيالية علي الابداع أو الاختلاق وترك حكايات خلفه وحوله دائما (ص 52).ـ مصطفي الخمري كاتب روائي يحترف اختلاق الحكايات، يعيش علي الاستماع الي حكايات أصدقائه، باحثا عن الحكاية، فشذراته المعنونة بـ البحث عن الحكاية ملتقطة من حيوات أصدقائه العيساوي والعباوي والعساس. تحاول بعض الشخصيات تكرار ما فعله الأب والتماهي معه، مما يكرس استمرار الأب في ابنه والتماهي معه (كما فعل العيار في عمر)، العيساوي في العيساوي (الأول كان محاربا والثاني كذلك) يقول السارد: يجلس جانبا فوق حجر منسي ليتذكر والده العيساوي، المحارب الأول في الحرب الأولي ويري نفسه يكرر ما فعله والده حينما دخل الحرب العالمية الثانية . (ص.37). ونلاحظ تشابها بين كل من العيار والعيساوي والعباوي، وحمار العيساوي علي مستوي الحياة الطفولية فكلهم عاشوا تجربة اليتم، في سن مبكرة فتغدو الشخصيات مرايا لبعضها البعض. وعلي الرغم من وجود سارد عليم، فان دوره يقتصر علي تنظيم هذه التنويعات السردية التي تنطلق من واقع الأصدقاء الأربعة المختلط بالخيال لتقدم لنا مجموعة من الامكانات السردية من وجهات نظر متعددة، كما قدمها السارد العليم، كما قدمها العباوي، دور الخيال الذي حول النشبة الي مخبر، فالنشبة انطلاقا من واقع أصدقائه الثلاثة بمقهي بيزنطة استطاع أن يكتب مجموعة من التقارير الخيالية تسرد سيرة ثلاثة أصدقاء ومغامرات اجتماعاتهم المريبة وأحاديثهم في السياسة والمجتمع وأوصاف وتعاليق تؤرخ لكل الأحداث التي تجري في الوطن، لأنه كان يربطها بمصير الثلاثة، ولعل ما جاء في الأربعمائة وثمانية وستين تقريرا في ذلك الملف الأزرق خصوصا من حوارات وتعليقات وتأملات هي نتيجة الأخبار والأحاديث التي كانت تجري بمقهي بيزنطة مع أصدقائه أو من أحاديث الطاولات المجاورة، أو من خلال ما تبثه التلفزة الوطنية الموجودة في ركن متعال ، (ص.76)، التي أطالت مدة عمله كمخبر. وكما دونها مصطفي الخمري بعد الاستماع اليومي الي حكايات أصدقائه يحس بعطف كبير نحوهم ويعيش معهم علي تدخين الكيف بشراهة والاستماع الي حكاياتهم القديمة . (ص.81.) في يومياته في الفصل المعنون بـ البحث عن الحكاية علي شكل شذرات. لكنه في روايته الأخيرة يكتب نصا بعيدا عن عالمه هذا ولا علاقة له بمذكراته، مما أدي الي استغراب وسخرية بطل روايته.كل شيء يتعرض للسخرية والانتقاد في الرواية بما في ذلك الكتابة الروائية، وذلك من خلال الحوار الذي جري بين سعيد الطالبي (بطل رواية الخمري الأخيرة) والكاتب مصطفي الخمري، يتلخص في سؤال أساس: لماذا يجعل الروائي من بطله منذورا للهزيمة والنحس؟ ويجعل من عالمه بعيدا عن الواقع؟ ليتساءل سعيد الطالبي: وحتي الآن لم أعرف لماذا عُذبت بتلك الطريقة، وما المغزي من كل ذلك وكيف غابت عنه حيوات العيساوي والنشبة والعساس وعمر العيار الذين كانوا الي جانبه مرميين كالأقدار المطفأة؟ (ص108.).هكذا تصنع الرواية عالمها التخييلي من الذاكرة الجماعية، بمنطقة الشاوية، من منظور أناس لا يعترف بهم التاريخ الرسمي، فتترك لهم الرواية الفرصة ليقدموا لنا تأويلاتهم ورؤاهم للتاريخ، أو بالأحري تتوخي الرواية صوغ التاريخ انطلاقا من تأملاتهم في الوقائع الذاتية والجماعية في هذا التاريخ. وفي ذلك انزياح عن كل ما هو في حكم الرسمي وتذويته وتنسيبه، واعادة الاعتبار لهؤلاء المنسيين. وكل ذلك في اطار رؤيا تتخطي شتات وتشظي النص الي السخرية من تشظي الواقع وغياب المعني الذي يعتريه. بذلك يضعنا شُعيب حليفي أمام نص روائي يشيد ذاته علي لعبة التشظي بتفتيت الواقعي لصالح الاحتمالي والحكائي والاستعاري الرمزي، وعلي التعتيم والتلغيم والتكثيف في اطار رؤيا ساخرة من المألوف علي مستوي الخطاب وانتاج المعني.ہ باحث في السرد العربيمن المغربالاحالات1 ـ شعيب حليفي، مجازفات البيزنطي ، منشورات القلم المغربي، الدار البيضاء، 2006.2 ـ عبد السلام بنعبد العالي، لعقلانية ساخرة، دار توبقال، الدار البيضاء، 2004، ص.53.3 ـ عبد الحميد عقار، الرواية المغاربية، تحولات اللغة والخطاب، منشورات المدارس، الدار البيضاء، 2000، ص.101.4 ـ عبد السلام بنعبد العالي، م. م، ص.54. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية