في زمن الثورات تستجدّ المتغيّرات سريعة مهرولة في تعقّل طبيعيّ، نحو تمثل المشكلات وتحليل المعضلات وتفكيك الإشكالات بتعقداتها وتشعباتها، واستباق الأزمات واستشراف البدائل والمحدثات، ولعلّ هذه المعطيات من مؤكدات العمل الإعلامي ومنوطات عهدته. ولئن سعى إعلامنا المرئي في عهد الصورة وزخم تأثيراتها إلى العمل من خلال قنواته جاهدا إلى طمأنة النفوس، وتهدئة الخواطر والتنسيق مشكورا مع السلط المسؤولة حاليا عن أمن البلاد والعباد، فإن عمله لم يتجاوز الأبعاد التنفيسية، في محاولة لتجسيد تكاتف المواطنين ومدّ جسور التضامن بين فئاته، وهذا العمل جبار لا يتطرق إليه أدنى شك وإن بدا منقوصا من عدّة جوانب، لعلّ أهمها النهوض بالتعبئة الشعبية وفق هيكلة تنسيقية تنظيمية. يعطي من خلالها الإعلام المعلومة الصحيحة الدقيقة للمواطن بمختلف شرائحه، ويقطع في الآن نفسه دابر كل شائعة ووميض كل فتنة، وهذا ما لم يدر بخلد مسؤولي الإعلام الفضائي الساذج في بلادنا، الذي لم يرتق للأسف على مستوى تطلعات ثورتنا الشعبية العارمة، ولم يبلغ بافتقار نضجه التكويني والثقافي، إلى مستوى المشهد النضالي وحشد الطاقات ضد مجنون ليلى وملحقاته من الطغاة، وذلك بإغفال دور الإعلامي النفسي، فما خلفه بن علي بتدبير من ليلى كان عملية إجرامية لوجستية منظمة للفوضى الخلاقة، وقيادة البلد إلى حمام دماء، ويقود إلى ارتباك وحرب شعواء قد تأتي على الأخضر واليابس، وتجرف الوطن، لا سمح الله، إلى حرب اهلية، وهذا هو الهدف الاستراتيجي من هذه العملية التخريبية الشاملة، وهذا هدف جوهري بعيد المدى، أما الهدف الآني فهو بث حالة ترويع وتخويف في نفوس الأسر والأهالي التونسية حتى يقع الالتفاف سريعا على مكاسب الثورة، ومحاولة تقزيم تطلعاتها، وتمرير الهاجس الأمني لدى المواطنين، كبديل أوحد وحيد مرجو التنفيذ، وفي هذا التغييب اللامسؤول لمثل هذا الطرح تسقط فضائياتنا في البلاهة والتسطيح المقنعّ والمضلل للرّأي، الّذي لم يفهم القائمون عليه إلى الآن مدى نضج الشعب ووعيه، إذ ما حيك تجاه شعب أعزل لا يملك من السلاح إلا إرادته وما أعظمها، حرب نفسية ممنهجة ليرضى الشعب تحت وطأة الرصاص والفراغ الأمني بحكومة تسمى مؤتلفة، اختلطت فيها الأوراق وتبعثرت أمام عيون المواطن البسيط، فلم يفهم من كنهها شيئا، ألم يكن بالجدير التساؤل عن جدوى وجود زبانية الدكتاتورية في عهد بن علي من أمثال القنزوعي والقلاّل وغيرهما؟ أين يقبع كلّ من أباطرة الفساد: عبد العزيز بن ضياء وعبد الوهاب بن عبد الله؟ هل غادرا البلاد أم أنهما يقبعان في جحر الإقامة التحفظية والجبرية؟ من سمح بمغادرة بن علي ولقطائه؟ وكيف تمّ؟ إذا وقع إلقاء القبض على أفراد الطرابلسية وبن علي ومدير الأمن الرّئاسي الجنرال علي السرياطي وزمرته، وإذا وقع قتل الابن اللقيط لليلى عماد الطرابلسي، فما المانع من نقل الحدث حيا مباشرة لتطمئن القلوب ويعم فعلا كما يرجو الإعلام الهدوء؟ أما وعدت الحكومة بنشر صور هؤلاء؟ فأخلف.. من يدير اللعبة الأمنية؟ ومن يتحكم الآن في طبخة الوصفة السياسية؟ أين الحراك الإعلامي في مباشرة حدث مفصلي مهم في تاريخ البلاد وهو تشكيل هذه الحكومة المؤتلفة؟ لم لا يدع الإعلام شعبه يطلّ عمّن سينوبه ما دور الاتصالات في التواصل الأمني وكشف البرابرة؟ ما دور الديوانة الآن على الأقلّ في منع توافد أسلحة تقتل شعبا بريئا؟ ما عدد المعتقلين؟ من هم؟ أليس في الإجابة عن هذه التساؤلات شنّ حرب إعلاميّة نفسيّة مضادّة؟ لماذا يحاول الإعلام في هذه الفترة الدقيقة والحساسة إغماض عيون شعبه والتعلل بالشماعة الأمنية؟ لماذا لا نسمع صوت المعارضة؟ لم تبقى الصورة معلقة ومحجمة ومعتمة؟ يبدو أن إعلامنا لا زال يرزح إلى الآن تحت عقدة الخوف والالتزام المفضوح بالتعليمات، وهو في ذلك لا يخلّف إلاّ الحيرة وراءه والريبة أمامه والشكّ من خلفه وعدم اليقين سماءه.
أين إعلامنا من الارتقاء بالحدث إلى مستوى الصّورة المعبّرة فعلا عن أحداث جدّت واستجدّت؟ أين الإعلام ممّا أقدم عليه، على سبيل المثال، وزير الإعلام العراقيّ السّابق في تنقّله ميدانيّا وتحمّله عبء شحذ الهمم ولمّ اللّمم من خلال عبارته الشهيرة الساخرة (العلوج) المتهكّمة على أعتى القوى الغاشمة الولايات المتّحدة الأمريكيّة؟ ألم يقدّم درسا إعلاميا يبدو أنكم لم تتعظوا به ولن تفهموه؟ ألم يحقق الإعلام حينذاك التوازن المنشود والحشد المأمول بتعبئة الطاقات؟ أعزّت عليكم دماؤكم بعد أن هانت لدى الوزراء والشرفاء؟ أم أنّ دماءكم أعزّ من دماء الشهيد محمد البوعزيزي؟ وما تقولون في إعلام المنار حين وقوع العدوان الصهيوني وما قام به من إنارة تحولت إلى إثارة وتعرية لهذا الجيش الكرتوني؟ أما آن لكم أن تفهموا شعبكم وتنهضوا من كراسيكم الوثيرة وتغيروا من نهج تآكل تجاربكم المخصية المريرة؟ أين رجولة الإعلام؟
أما آن ان تمحّضوا من جديد أقلامكم الباهتة وتخلعوا عن أنسجتكم الخنوع والاستبلاه؟ أما كان يجدر بكم وأنتم تنقلون مداولات ما يسمى بالحكومة الائتلافية أو الاتفاقية سحب بعض السكاكين التي تشحذ الآن تحت طاولات الساسة وتغيب في ادرجهم الظلماء لتجز رقاب شعب وتذبح أضغاث وعد؟
إذا كنتم تخافون الموت وترفضون الدخول إلى التاريخ من بوابته العريضة فاتركوا المجال لمن يتحمّل حمل لواء شرفه من قنوات أخرى كالجزيرة. متى سيغيب الصمت وينفلق الصوت؟ فيكون حينئذ سوطا للجلاّدين ومسمارا في نعش المتلقين الطفيليين وملجأ للكادحين والمستضعفين ومثوّرا للشرفاء وملهبا لحماس عطش المتحرّرين وملهما للعقلاء المتبصّرين؟ إنّ إعلاما بلا عقل يحتاج بلا شكّ إلى صقل.. وإعلاما بدون أرضية فكر النضال مآله حتما الزوال.
لست هنا لأنظّر لدرس في الإعلام وإنّما لتكون حلقة وحركة في سبيل القضاء على الدّجل والأوهام.
جوهر الحفناوي