لم يحضروا وإنَّما احتضروا!

حجم الخط
0

جواد البشيتي

المشهد الرسمي العربي في بيروت لم أرَ فيه، ومن خلاله، إلا مجلس الأمن الدولي، الخاضع لبولتون المُخْضِع له الفرنسي جان مارك لا سابلير، وهو يتوفَّر علي منع حزب الله من أن يقطف الثمار السياسية للهزيمة العسكرية ـ الاستراتيجية التي ألْحقها بالجيش الإسرائيلي، وإكراهه، بالتالي، علي قبول تحويل نصره العسكري الذي لا ريب فيه إلي هزيمة سياسية، يمني بها، أيضا، كل القائلين بخيار المقاومة القومية من العرب، وباستنساخ الممكن والضروري من نموذجها الجديد الذي بسطه حزب الله وشرحه خير شرح من خلال التجربة. ولم أرَ فيه، ومن خلاله، بالتالي، إلا ما يضاد مشهد المقاومة والبطولة والصمود.. والنصر في لبنان، وفي جنوبه علي وجه الخصوص.

لِمَ كل هذا البكاء السياسي الذي عرفه اجتماع وزراء الخارجية العرب في وقت قرَّر شعب لبنان أن يكتب الحل بالدم، الذي وحده يغسل عار العرب ويصنع لهم أكاليل الغار، وليس بالدمع السياسي الذي يعجز حتي عن جعل العالم يشفق عليهم؟!

لم أرَ في الاجتماع إلا اقتراحا لبنانيا واحدا هو دموع السنيورة، وقرارا عربيا واحدا هو تصفيق الوزراء العرب لها وهم واقفون!

كنتُ أتمني أن يسيل دمع السنيورة بكاءً عليهم، ففي المشهد الخلفي لم أرَ في حضورهم إلا احتضار الكرامة القومية العربية، فهم جاءوا إلي بيروت وكأنهم هم الذين يخضعون للاحتلال الإسرائيلي، فهلا أخبروا شعوبهم كيف جاءوا.

إنهم لم يجرؤا حتي علي التنويه بمقاومة حزب الله التي كانوا ينتظرون سماع خبر القضاء عليها بعد ساعات، أو أيام، من حرب الشرق الأوسط الجديد، فيَصْدُق قولهم إنها مغامرة غير محسوبة العواقب. وقد أرادوا لنا أن نفهم تلك المقاومة علي أنها رجس من عمل الشيطان الإيراني الشيعي الذي لم يفتح النار علي إسرائيل إلا ليحرق العرب السنة، دولا وشعوبا. أقول ذلك وأنا أعلم أنَّ لـ إيران الفارسية ـ الشيعية ـ النووية مصلحة في الإفادة سياسيا من الحرب التي شنتها إسرائيل علي لبنان، والتي ما كان لها أن تقع لو لم تردها إسرائيل والولايات المتحدة، التي قدَّستها إذ وصفتها بأنها الألم الذي لا بد منه لولادة الشرق الأوسط الجديد. أعلم ذلك؛ ولكني لا أعلم السبب الذي منع الدول العربية من أن تري مصلحة عربية قومية في الانتصار لـ حزب الله في أسره الجنديين الإسرائيليين، وفي مقاومته البطولية الناجحة للعدوان الإسرائيلي علي لبنان، والذي يرتبط بـ الشرق الأوسط الجديد، وليس بأسر الجنديين الإسرائيليين، ارتباط النتيجة بسببها.

الولايات المتحدة فشت بنفسها السر إذ أكدت العلاقة السببية بين الحرب و الشرق الأوسط الجديد، وإذ حرصت علي إظهار نفسها علي أنها هي التي تقود وتوجِّه سياسيا الحرب التي يخوضها الجيش الإسرائيلي. الشرق الأوسط الجديد مع ارتباطه العضوي بالحرب الإسرائيلية علي لبنان، ليس بفكرة، أو خطة، وُلِدت بَعْد، وبفضل، أسر حزب الله للجنديين الإسرائيليين، فلو كان كذلك لصدَّقْنا أمرين: الأول هو أن إيران هي التي أشعلت فتيل الحرب إذ أمرت مرؤوسها، أي حزب الله، بفعل ما فعل، مكرِهةً إسرائيل، بالتالي، علي شن الحرب علي لبنان. والثاني هو أنَّ الولايات المتحدة استُفِزَّت، فَوُلِدَت من استفزازها فكرة الشرق الأوسط الجديد، الذي سيُوْلَد عمَّا قريب من الحرب! حزب الله بأسره الجنديين الإسرائيليين إنما عكَّر المياه، التي ما أن تعكَّرت حتي أغرت هذا الصيَّاد، أو ذاك، أو ذلك، بالاصطياد فيها؛ ولكن الصيَّاد العربي فحسب هو الذي لم يصطد؛ لأنَّه هو الذي أفْقَد نفسه بنفسه القدرة علي الاصطياد.. وبعد ذلك، ومع ذلك، يريد أن يأكل سمكاً!

لقد دعوه الكِرام في بنت جبيل إلي أن يأكل معهم، ومثلهم، من السمك الوفير والشهي الذي اصطادوه، فأبي واستكبر، ثمَّ يمَّم شطر مائدة اللئام في نيويورك لعلَّه يظفر بالحسك، أي بتعديل يضر ولا ينفع، يُدْخِله علي مشروع القرار الدولي، الذي كتبته إسرائيل بقلمها الذي تُمسِك به ثلاثة أصابع: إصبعان لبولتون، وإصبع لجان مارك لا سابلير.

لقد اجتمعوا؛ ولكن متي اجتمع العرب من أجل العرب؟! متي حاربوا من أجل بلدانهم حتي يقولوا إنهم لن يحاربوا من أجل لبنان؟!

ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية