محمد الأصفر
غرف البيت متلاصقة، تفتح في الفناء الشاسع، علي حواشي نوافذها وضعت الجرار والأصص والأشياء الصغيرة دائمة الاستعمال كالمشط والمرآة والشموع وعلبة أعواد الثقاب… في زاوية الفناء بئر زرِّبت جوانبها وقاية من السقوط، نقيق الضفادع ينبعث من جنبات الميدة المحجوز ماؤها لأغراض الغسيل، حشائش الخبيز والقميلة والنعناع نامية علي ظهر المساحات البليلة.. عند مدخل الفناء شجرة الحنـّاء التي زرعتها جدتنا الأولي تانيت ومن الوسط تسلقت عريشة العنب الدعامات واتخذت جزءا من أسقف الغرف مهدا لاستراحة عناقيدها… رائحة زكية تضوّع في الفناء، تلازم جسدينا وملابسنا أينما حللنا، أرضية الفناء ترابية، أصر جدي علي استمرار عذريتها، رفض بشدة أن يطلي ظهرها بالملاط، كنا نتأمل الخطوط التي تتركها العراجين بعد الكنس ونهتف في سريرتنا: كم أنتِ جميلة… تشبهين جدائل بنات ليبيا الأمازونات وهن ينخن برؤوسهن في احتفالات انتصاراتنا البهيجة.. كنا يافعين آنذاك، نلازم جدنا كمريدين مطيعين، ملبيين كافة رغباته الكثيرة الشبيهة برغبات طفل مدلل!
أنا وحبيبي نرمي أسناننا للشمس تخلخليها لي وأخلخلها لك.. إصبعي دخل فمك صغيرا وإصبعك دخل فمي صغيرة.. أظافرنا ليست غريبة عن لسانينا.. أنت تحكي لي الآن.. أسناني اللبنية غادرت الواحدة تلو الأخري.. كنتِ تجذبينها بسبابتك وإبهامك وكنتُ أرميها ناحية الشمس ننشد معا:(يا شمس ياشموسة.. يا عوينة العروسة.. خوذي سن حمار.. واعـطينا سن غزال).. وإذا عجـزنا عن اقتلاعها لشدة الألم أو الخوف هرعنا إلي أمنا الحنون فاطمة التي تقابلنا بابتسامة وتجذب السن المتخلخلة برفق بواسطة سلك متين.. لا نصرخ مطلقا.. خاصة عندما تهمس لنا: (القرنفل والزعفران يتحملان البارود والجمر) وتجذب السن فجأة فنبتلع صرختنا وتسحّ دموعنا تلقائيا تمسحها لنا بطرف ردائها الوردي وتـنفحنا حـفـنة لوز أخضر نقتسمها. رمينا للشمس أسنانا كثيرة.. كانت حذفتنا قوية.. حتي أنّ اخوتنا وبنات الجيران الصغيرات يستعينون بنا في تقريب أسنانهم للشمس.. كم كنا سعداء ونحن نتابع غياب الأسنان في الجو كطائرات ورقية انقطعت أسلاكها فجأة.
من المؤكد جدا أنّ الأسنان لا تصل الشمس.. فالشمس بعيدة.. وحذفتنا يا مداها لا يتجاوز المائة متر.. أعلم بذلك في قرارة نفسي.. لكن أفعل فعل الرمي بسعادة وثقة مُـتيقـنة أنّ النيّة تحقق المستحيل.. ہہہالفعل يبحث في ظفره كم دخل وخرج وكم سيفعل ذلك فيما بعد اضطرب، توقفتنقّل من جوف إلي جوف سابرا موعد انتهاء الأسريود العودة حيث كان قبل الكُن في تلك البقاع العطرة الزمن حيث السكون متجدد والطمأنينة تهف حيث يكون دون أن يضركيف نكتب دونما كتابة؟!
نفعل يا مورينتي دونما فعل؟
أين المفردات الممكّنة من ذلك؟ اللغة سجن البصر.. الخيال.. سجن.. سجن.. حتي البياض ومستويات النزف.. سجن.. سجن.. ولنفترض أننا تركنا بقعة خالية مثلا: …………………………………. ستـُستغل.. ستـُفـعّـل.. حتي العمي سيحاولون تلمّسها والمكاسيح مضمرتها لسباقاتهم، لا نريد الفعل، التوقف فعل.. الجنون.. الانتحار. المشيئة ذاتها فعل.. سننسي ونعرف أننا سننسي، سنحاول ونعرف أننا كذلك.! قام الطبيب بحقننا بمغيّب! قام الله بخلـقنا بميقّظ! لم يعد أحد من هناك.. حتي وإن عاد ربما يكون قد تمّت برمجته.
نكذّب بل نكفر بكل العائدين.. ونُصدّق الرسل والأنبياء خفاف الدم والظل. أغمسيني مورينتي في رحيق اليقين، استنشق الكل، وأزفر الجزء، هل نحن نفعل ذلك؟! نحن لا نفعل شيئا.. الآن نكتب ظفرنا علي ورق نراه أبيض، وهو غير ذلك، مذنب مدان ضيق خانق لنزيف أسناننا الرخيصة. ہہہنح أيها النـيـّاي بناي عظامي.. الصرير صدي رجف كامن في اللا وعي. نح ولا داعيَ للثـقـب.. مفاصلي دروب وكل الطرق تؤدي إلي مهجتنا أتوه في نفسي وفي نفسك تراني أتوه.. بدل أصابعك وامنحني زفراتك الحرّيامنحني خرابيش أظافرك في جنان الخديش لن يغرقك تيه ضحل.. ستجدها حتماً.. حتماً.. أذني الصماء عكازك.. روحي الباقية الباكية بدموع النبض المحلق انـتـقـتها حياتي.. براحات مورينا الظليلة لن أضلها حتي في جفاف الزمان.. حتي في صهد اللحظة والوحشة والجحود.. لا.. لا.. أفعل ولا أنتظر.. رجائي خجول مستعجل مدمن علي التأجيل إلي ما وراء الأحايين.. الأمس قد لا حين له.. وحين الآن بعيد.. نـتلاحقه ببهيجنا.. فندرك القادم الأعمي ولا نراه.. ہہہكنت ومورينا جالسين علي شاطئ البحر.. كان ذاك قبل أن نتزوج بقليل.. كنا خائفين جدا.. كالآن ونحن تكتبنا هذه الرواية معا.. ونقدّمها علي مشروع حياتنا الأكيد.. كنا خائفين وقلقين.. موعد اللقاء أزف.. ولا نصدق أننا غدا سنكون صحبة بعض تحت سقف واحد وفي فراش واحد.. اليوم إلي الغد طويل.. نريده أن يمر سريعا.. في يوم واحد يموت أناس ويعيش أناس.. في يوم واحد تحدث أشياء وأشياء.. تصدر أوامر قبض وتلغي أحكام براءة.. وتتـفتح أزهار وتذوي أخري.. اليوم إلي الجنة طويل.. ما رأيك لو نجتمع الآن؟! قبل أن يجهض ما بيننا ثلة قوادين.. ما رأيك لو نلتئم الآن؟.. لن يتكلم أحد.. لن يحدث شيء لهذا الكون المجنون.. أريد أن أكون معك.. أكره شارع ميزران وسيارات الركوبة العامة التي تنقلك إلي بيت أهلك.. ابقِ معي في بيتي هذا.. لا أبواب ولا نوافذ.. براح في العراء.. ولماذا نصنع الأبواب والنوافذ؟.. الريح لن تقتلنا والمطر لن يلوثنا والبرد لن يذبحـنا.. الطقس والمناخ لن يفرقنا أو يتكلم عنا بسوء.. الريح تسافر كافة الأصقاع لكن لا تحمل الأخبار.. تحمل نسيم عطرنا فقط.. الساعة حتي الجنة دهر.. الدقيقة حتي الجنة أزل.. الثانية ملل ممتط.. جزيئ الثانية زمن لا نهاية له.. حبيبتي لا بد أن نقتل هذا الزمن الوغد.. نذبح هذه الأزمان الفاصلة بين المحبين.. حطمي الساعة الآن.. حطمي الفصول الأربعة.. حطمي الشوكة الرنانة.. حطمي القيود التي لم نفتل حبالها الفولاذية.. حطمي النشرات الجوية.. حطمي وعينا برمته.. حطمي إدراكنا وعقلنا.. نظامنا وفوضانا.
وهممنا أن نحترق في قبلة نارية فتعانقنا جيدا نهصر بعضنا بعنف.. أظافرها تنغرز في أديم ظهري وشفتاي تقتربان من لسانها الذي بزغ يزغرد.. أغمضنا عيوننا.. أغمضنا كل مفتوح فينا.. وهطل الدمع دافئا علي وجنتينا.. ممتزجا بأصوات الآذان من جوامع قرجي.. شايب العين.. الناقة.. الدروج.. أحمد باشا.. بن ناجي.. كرشود.. مولاي محمد.. القدس.. المدينة المنوّرة.. مكة.. الله أكبر.. الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن محمد رسول الله………….. ہہہأنا مُهجة:
سأسبر دون خرّاقـات.. بريشة وحيدة اُغني.. ليس الكف الواحدة لا تصفق.. فإن لم تصفق كيف تكون مُحنـّـاة.. من قال أنَّ الواحد واحد.. فلنسأل المتـفـتـتـات.. كل واحد من مجموع وجد.. أنا ضد التوحد.. فليتـناثر كياني حيثما أراد.. سأكشف سر الاحتفاظ بوداعة الأصداء الطليقة.. الشيء واحد.. والسر جزء متـفـتت في الثبات.
لم أذق من لبن أمي سوي قطيرات.. النهد الآخر شاركني فيه أبي.. ألم تر الآن حريق ذراع أبي في نهدي.. ليس صهير السكر فاعله.. الظفر الذي سننجبه قليب مزاج.. خريف إنساني لم يعش ربيعه.. أحياناً يهوي اللبن ساخناً.. وأحياناً بارداً.. وأنت الآن ما ترغب؟
أصيف أم شتاء؟!
كاتب من ليبيامقتطفات من روايتي سرة الكون الصادرة عن مؤسسة الانتشار العربي بيروت 2006