محمد لخضر معقال: الحرب ليست ظاهرة طبيعية ولكن ثقافية
باحث في مجال اللسانيات والأدب يري انه لو اكتفينا بالواقع لانتحرنامحمد لخضر معقال: الحرب ليست ظاهرة طبيعية ولكن ثقافيةالجزائر ـ القدس العربي : محمد لخضر معقال استاذ جامعي، كاتب وباحث يكتب باللغةالفرنسية في مجال اللسانيات والادب، معروف بتعدد مجالات بحوثه في اللغة والسوسيولوجيا والفكر والتاريخ والنقد الادبي، من اهم المتخصصين في اعمال الكاتب الجزائري المشهور كاتب ياسين وقدم دراسات عدة عن نصوصه، وربما ما يميز اكثـر الاستاذ لخضر معقال هو ثقافته الواسعة، حتي لا اقول الموسوعية، ودراساته المتنوعة في حقول مختلفة، وهو يشرف الآن علي الكثير من الكتب الجماعية التي تتناول اعمال بعض الكتاب مثل البير كامو وسيصدر عما قريب عملا عن الروائي مولود معمري. في هذا الحوار نقاش حول الحرب وعلاقتها بالادب والكتابة، وقضايا اخري اثارها الباحث لتنعش النقاش وتفتح مجالا لاعادة التفكير والنظر. قبل كل شيء، ما هي الذكريات العالقة بذهنك عن الحرب؟ في قضية الحرب ذكريات شخصية، انا عشت زمن الحرب في الجزائر وانا صغير، عشتها في عين البيضاء بالشرق الجزائري وترعرعت في جو نضالي نوعا ما، وان كنت صغيرا، لان الحرب كانت حرب تحرير مكنتني من معرفة الصراع البشري بين مستعمر ومستعمر. ومن بين ذكريات الحرب التي عشتها عبر مظاهرات قمت بها في الخمسينيات بقسنطينة وتركت في ذهني وذاكرتي ابشع الصور منها شنق خمسة فدائيين في عين البيضاء 1956. وكانت لي من بين الذكريات اشياء ايجابية لان في الحرب هناك السلبي والايجابي، الوعي الذي ينبثق في ذلك الانسان حينما يحس بتعبئة وتوعية شعب كامل وتوحيد صفوف الناس وتبسيط المناوشات فيما بينهم، وكل ذلك لهدف واحد الا وهو رفع الصوت ضد القمع والاستعمار.. وفي نفس الوقت، كنت نوعا ما محظوظا لان للوالد مكتبة تفوت الثلاثة آلاف كتاب بمختلف اللغات (عربية، فرنسية…).. واغتنمت فرصة حظر التجول الذي كان مفروضا علينا آنذاك نهارا للقراءة، فقرأت الكثير من الكتب ايامها، من بينها كتاب اثر فيّ كثيرا هو رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ. ربما لم افهمه جيدا لكنني انتبهت لما في الرواية من وصف لسلبيات الاستعمار في بلد ما، وخصوصا المس بالشرف، عندما يحكي محفوظ قصة حميدة بنت زقاق المدق والتي اصبحت راقصة في حانة. پاريد الآن ان اعرف ماذا تعني لك الحرب، ما هي الحرب، ما تعريفك للحرب او التعريف الذي يكون مناسبا للحرب؟ كثيرا ما كتب المتخصصون في هذا الموضوع واطنبوا في الشرح، وهم يعنون بالحرب مواصلة الصراع السياسي بطرق عنيفة، يبدو لي هذا الشرح مهما جدا لانه يربط بين الحرب والسياسة، وبالنسبة لي هناك ثلاثة مظاهر او صفات يمكن فهم الحرب من خلالها:1 ـ هناك مواجهات بين الدول والشعوب، وهو ما يدخل تحت اسم الحرب بالشكل الاشمل والاكبر.2 ـ هناك مواجهات بين فئات اجتماعية وقبلية داخل الوطن الواحد وتسمي حاليا بالحرب الاهلية.3 ـ وهناك نوع ثالث جديد في الحرب فتح مجال شرحه وصفاته متخصص في الاقتصاد الريفي جوزيفويد دي كاسترو، وهي الحرب الاقتصادية والغذائية التي قد تشنها قوي اقتصادية دولية علي شعوب واوطان فقيرة، وكذلك تستعمل داخل الاوطان من طرف بعض الانظمة، وهي فكرة ظهرت في الخمسينيات ولم تكن معروفة من قبل. الشيء المتفق عليه ربما انه كانت هناك دائما حروب وانها مست كل حقب التاريخ وجغرافيات العالم اي انها متأصلة في تشكل الانسان.. اليس كذلك؟ لا اعتبر الحرب ظاهرة طبيعية بل ظاهرة ثقافية، انا اشاطر الفلاسفة والفنانين الذين يقولون ان الانسان ليس وحشا ومفترسا في طبيعته، غير ان المجتمع والثقافة هي التي تؤثر فيه وتجعله تارة ملكا، وتارة اخري وحشا. انا مقتنع بهذه الفكرة التي نجدها عند الفلاسفة الذين ينزعون الي الانسانية علي وجه الخصوص.ولذا اعتقد ان ممارسة الحرب هي عملية همجية وحشية، غير ان التجربة ادت الي وضع فرق حاسم بين الحرب كدفاع والحرب كهجوم، فالحرب كدفاع هي امر مشروع وهو ما حدث مع الجزائر ضد المستعمر. اما الحرب كهجوم فهي معروفة كذلكفي التاريخ، اي كل ما يركز علي الفتوحات والغارات الاستعمارية.علي ذكر عبارة فتوحات يقــودنا ربما هذا الي مســــألة المقدس في الحرب بالمعني الديني، هناك من يقول ان ثورة التحرير الجزائرية كانت دينية، منطلقها الله اكبر .انا اختلف مع هذه الفكرة، وعندما اندلعت الثورة التحريرية لم تندلع بشعار الله اكبر ، ان هذا الشعار استعمل ابان المواجهة مع العدو، لقد كان اندلاع حرب التحرير نتاج برنامج سياسي هو تحرير الوطن وتأسيس الدولة الجزائرية، ولكن عندما خاضت هذه الفئة حربها خاضتها بثقافتها الدينية، فاغلب الثوار كانوا من الريف والطبقات الفقيرة المشبعة بالدين. ولكن الحروب المقدسة او التي تقوم علي الدين موجودة؟ من منظوري الخاص، وقد يكون هناك آراء اخري احترمها طبعا، لا يجب ان نضفي القداسة علي الحروب التي تأتي من الخارج والتي تريد ان تفرض نفسها بقوة السلاح والعنف. ان نشر اي دين بالقوة لا اعتبره مقدسا تماما. لنأخذ الحروب الصليبية مثلا والتي اخذت طابعا مقدسا ولكن الباحثين والمؤرخين يعرفون ان الهدف لم يكن كذلك وانما فتح ممرات اقتصادية تجاه المشرق والمشرق الاقصي، وعندما ندرس بجد ونزاهة تلك الحروب نجد انه كانت هناك تحالفات لا تخضع للمنطق الديني بين فئات مسلمة ومسيحية.كما ان الهدف الثاني والاساسي بالنسبة لملوك الغرب آنذاك كان كسر وتحطيم الامبراطورية البيزنطية، وقدمت نفسها كحرب صليبية لتعبئة شعوبها فقط، لقد قدم مشروع استعادة القدس من طرف مثقفين في القرون الوسطي لملوك الغرب.. مع انهم كانوا يدركون بان تيتوس امبراطور روما هو آخر من دمر القدس. هل تتفق معي ان الادب رافق الحروب واحيانا صنعته الحروب؟ معروف في الشعر العربي قبل الاسلام وبعده الفخر والحماسة، كما نجد عند اليونان ادبا يمجد الحرب وفي نفس الوقت شعرا ومسرحا يندد بالحرب. هناك مسرحية لارسطوفان في القرن الرابع قبل الميلاد تندد بالحرب.. حيث رفضت نساء قلعة (سبارتا) المتخصصة في ممارسة الحروب وقررن التوقف عن ممارسة العلاقة الجنسية ما دام الرجال يمارسون الحرب.. بينما نجد في الالياذة والاوديسا تمجيد الحروب وممارستها..هناك نماذج كثيرة في العصر الحديث تحدثت عن الحرب مثل الحرب والسلم لتولستوي او حتي في الادب الشفوي مذكرات جيرونيمو التي تحكي اهوال الحرب مع الغازي الابيض في الولايات المتحدة.. كما كان للحرب العالمية الاولي اثر علي بعض الكتاب من بينهم موريس باراس الذي اثر بعدها كثيرا في البير كامو، حيث كتب عن المجازر التي وقعت في تلك الحرب، خاصة في روايته الربوة الملهمة . كذلك مسرحيات بريشت او رواية الامل لمالرو والتي ـ حسب ظني ـ تناولت الحرب بطريقة رومانطيقية كحرب جندت النخب التقدمية ضد الكيان الفاشي في اسبانيا، واعطي لذلك التجنيد بعدا عالميا، حيث انه يتكلم عن متطوعين جاؤوا من شتي انحاء العالم من بينهم محمد بلعايدي، وهو ضابط جزائري التحق بصفوف الجمهوريين الاسبان لمقاتلة الفاشيين. في العالم العربي، وبسبب سياقات التاريخ، نشأت عدة انماط ادبية مرتبطة بالصراع مع اسرائيل والحرب معها، منذ نكبة، 48 مرورا بنكسة 67 وحرب 73. كيف عكس الادب العربي هذه الحروب او الصراعات؟ يبدو لي ان القضية المهمة في تناول الحرب ضمن الكتابة الروائية عند العرب هي ان تلك الكتابات التي تناولتها كثيرا ما مجدت الحرب، لانها كانت تنظر لها من زاوية مقاومة الاستعمار، وكنواة لتوحيد الصفوف العربية تجاه العدو الصهيوني خصوصا وهذا ما بين الاربعينيات والستينيات، لكن بعد نكسة 67 الامور بدأت تتغير، فهزيمة الناصرية كايديولوجيا سياسية وطنية ادت الي تساؤلات عديدة في هذا الموضوع وبدا الكتاب العرب عموما والمصريون بشكل خاص توظيف السياسة بطابع جديد لانه بعد تجربة الناصرية التي فشلت ومرحلة الانفتاح الساداتية تبين لهم ضرورة التحديق مجددا في قضية الامة العربية والتساؤل ان كانت واقعا او وهما. اما بعد نكسة 67 الكارثية فتراجع بذلك الادب الممجد للحرب وبدأوا الكتابة عن مشكلاتهم الداخلية او ما يمكن تسميته بالعدو الداخلي. هل ينطبق هذا فقط علي مصر ام علي كل المشرق العربي لان هناك كتابا عربا من فلسطين مثلا كتبوا عن الحرب مثل غسان كنفاني؟ بالنسبة لي غسان كنفاني كتب ادبا نضاليا اكثر منه ادب حرب وحتي بالنسبة للبنان، فان الامور بدأت تأخذ هذا الطابع فقط خلال السبعينيات او 75 بشكل دقيق انطلاقا من الحرب الاهلية التي فتحت الطريق لتدخل مباشر لاسرائيل والتي خلقت نوعين من الادب، ان صح التعبير، ادب الحرب وادب النضال. بالنسبة لي اعتقد ان مصر هي الوحيدة التي كانت تملك ادبا وطنيا بمعني الكلمة، لانها بلد يملك تاريخا وثقافة وحضارة. وكان يملك ايضا بنية تحتية ثقافية مهمة كدور النشر والمجلات… الخ، وهذا ما جعلها او حوّلها الي محور اساسي لهذا الادب.. كذلك لا يمكننا ان ننسي الانواع الادبية الاخري وحتي الفنون، فما كتبه الشاعر احمد فؤاد نجم وغناه الشيخ امام كان ينم عن مقاومة للعدو الخارجي وايضا لنظام كامب ديفيد. ننتقل الآن الي الجزائر التي عاشت فترة استعمارية وحربا تحررية.. هل كنا نملك ادب حرب في رأيك؟ منذ بداية الفترة الاستعمارية ظهر نوع من الكتابة عن الحرب مثله حمدان خوجة في كتابه المرآة ، فهو شهادة موجهة للفرنسيين، انه كتاب عن الحرب ولكن بما انه كتب بالعربية فانه ايضا كان موجها للمشارقة وكان له طابع ادبي من حيث الاسلوب الذي كتب به. هل يمكن اعتبار كاتب ياسين ممثلا لهذا الاتجاه؟ بدأ كاتب ياسين الكتابة في فترة الاربعينيات، حيث كتب في المجال الادبي النضالي شعرا، كما كتب عن الحرب في المسرح والنصوص النشرية القصيرة، كان كل ذلك ممهدا لعمله الضخم نجمة .العلاقة بين ادب النضال والحرب عند ياسين وطيدة ويستحيل التفريق بينهما، ان ياسين يعيد النظر في تاريخ الجزائر برمتها وهو يعتقد ان غياب وطن ودولة هو الذي جعل مقاومة المستعمر مشتتة، ومن هذا الباب فهو ادب حربي، لانه يصف التدمير الذي قام به المستعمر للقبائل شمالا وجنوبا.. اما النضالي فتجسد في كتاباته التي عبرت عن تحرك ايديولوجي وسياسي من خلال مرجعين اساسيين الامير عبد القادر، ثم نضال حزب الشعب الجزائري. والامر لا يقتصر فقط علي كاتب ياسين، فهناك مولود معمري في الخمسينيات، حيث كتب مسرحية تعبر عن الصراع والحرب.. واستمر الامر بعد الاستقلال من خلال روايته الافيون والعصا التي كتبها عام .65 فأدب الحرب بقي مستمرا حتي مع اسماء جديدة مثل يامينة مشاكرة في المغامرة المتفجرة حتي ظهور جيل آخر مثل جاووت وميموني الذين تحدثوا عن مشاكل جديدة. منذ التسعينيات عرفنا ما يمكن تسميته بالحرب الاهلية، هناك اختلافات في التسمية طبعا ولكن بشكل ما كان لها سمة الحرب، ما نوع الادب الذي انتجته؟ ازمة التسعينيات خلقت ثقافة جديدة عند الكاتب الجزائري، حيث ادرك ان الادب النضالي بمفهومه التقليدي قد ولي، وان المواجهة مع الاستعمار فترة انتهت وان المواجهة اصبحت داخل المجتمع الجزائري. لقد ظهرت اعمال روائية ذات طابع ممزوج بالشهادة مثل رواية ارزقي ملال الآن يستطيعون المجيء او علي شكل مقالات مثل فيس الحقد لبوجدرة.. كما ان حضور الكاتبة المرأة بدا ملفتا للنظر ومميزا علي مستوي الكم والكيف بالنسبة للسابق، كما تفجرت مواهب مهمة لقيت الاعتراف من الخارج كبوعلام صنصال، ياسمينة خضرا… الخ. هل تحلم في يوم من الايام ان تتوقف الحروب؟ نعم، كحلم، ولكن الواقع شيء آخر، احلم بتوقف الحرب عندما تتوفر شروط ذلك مثل العدالة الاجتماعية وحتي الكونية، احترام البشر والحياة، واحترام الصراع.. اعتقد بانه لو اكتفينا بالواقع لانتحرنا..التقاه: بشير مفتي0