العـــــار
الياس خوريالعـــــارلم يحصد الجيش الاسرائيلي في حربه علي لبنان سوي العار. وعاره مزدوج: اخلاقي وعسكري، اذ لم يكتفِ بفشل عمليته العسكرية وبؤسها، بل اضاف الي البؤس العسكري بؤسا اخلاقيا تمثل في مسلسل المجازر التي ضربت لبنان من أقصاه الي أقصاه، وغطت المدن والقري بأشلاء الاطفال والمدنيين.في الماضي كان النصر العسكري السهل والرخيص يغطي أنين الضحايا. هكذا نجح الاسرائيليون في تغطية مجازر 1948 بأسطورة النصر علي سبعة جيوش عربية. ومن نصر الي نصر، كان علي الضحايا في فلسطين ولبنان ان يتدثروا بصمت الهزيمة والعار، وكانت العربدة الاسرائيلية تصل الي حد اعطاء القتلي دروسا في الأخلاق.الاخلاق الاسرائيلية بدأت تتهاوي فعليا في غزو لبنان عام 1982، حين اقتحمت جثث ضحايا مجزرة شاتيلا وصبرا السماء، ثم انهارت مع الانتفاضة الاولي، حين ظهرت صور محطمي عظام الاطفال، وبدأت صورة داوود في مواجهة جوليات تنتهي. يومها لم يفهـــــم الاسرائيليون الدلالة الرمزية الكبري التي صنعها مقلاع الطفل الفلسطــــيني في مواجهة الجيش الذي لا يقهر. فــــجأة اعاد الفلســــطينيون الامور الي نصابهــــا، وقامــــوا بأهم عملية استيــــلاء رمزية ثقــــافية، حين صار داوود فلسطينـــيا، جاعلا من جوليات الجبار اسرائيليا.غير ان التاريخ لا يشبه الادب، بل ينتقم منه، اذ بدلا من ان يلتقط الاسرائيليون الانقلاب المعنوي الذي صنعته انتفاضة اطفال الحجارة، قاموا بافراغ عملية السلام من محتواها، ودفعوا الامور الي الانفجار في الانتفاضة الثانية التي بدأت عام 2000.نجح شارون في تصوير الحرب علي الفلسطينيين وكأنها استكمال لـ حرب الاستقلال ، بحسب التسمية الاسرائيلية للنكبة الفلسطينية. وفي هذه الحرب حقق الاسرائيليون نجاحات كبري، من حصار ياسر عرفات الي بناء الجدار، ونجحوا في اضفاء مناخ وحشي علي المواجهات مستفيدين الي اقصي الحدود من حرب الحضارات البائسة التي حمل لواءها الرئيس الامريكي، وجماعة المحافظين الجدد.غير ان لعبة حرب الاستقلال لم تنطلِ علي احد، وكان دورها الوحيد انها كشفت جوهر تلك الحرب، في وصفها تطهيرا عرقيا، واصرارا علي عدم الاعتراف بان الفلسطينيين بشر كغيرهم من الخلق.ربما كان نجاحهم الاكبر يتمثل في استفادتهم من مناخات الاصولية الاسلامية وانتشارها في اوساط الشعب الفلسطيني الذي اصيب باليأس، من اجل الانتقال من واقع التفوق الاخلاقي الفلسطيني الذي برز في الانتفاضة الاولي، الي واقع صور علي انه تعادل لا اخلاقي. ومع الاندراج في الحرب ضد الارهاب، استعاد الاسرائيليون القدرة علي وصف انفسهم بالضحايا.غير ان ما فات صانعي السياسة الاسرائيليين هو ان للقوة حدودا، وانه يـــكفي ان تمــــتلك مجموعة من المقاتلين اللبـــنانيين الارادة وحســـن التدريــــب والتجهيز، كي تنـــكشف حدود القوة الاسرائيلية، ومعـــها تتــهاوي كل الادعاءات الاخلاقية.بدأت الحرب علي لبنان بخطاب الضحية، المعتدي هو حزب الله الذي اسر جنديين اسرائيلين. غير ان الرد الاسرائيلي جاء وحشيا وبلا حدود. تدمير البني التحتية اللبنانية، قصف وحشي علي المدنيين في الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية. نزل جوليات الجبار بآلته العسكرية الكبري الي ميدان القتال، وقرر صيد ضحيته التي وقعت في الفخ، مثلما اعتقد.غير ان الآلة العسكرية فوجئت بأن هدير الطائرات ومدافع البوارج لا يحل المشكلة. اعتقدت انها امام نسخة جديدة من حرب حزيران (يونيو) 1967، ولم تتعلم شيئا من دروس اجتياح 1982، بـــــــــل تعلمت الدرس العسكري الخاطئ، وهو ان تقلّد الامريكيين في كوسوفو، متناسية ان ميلوسوفيتش الذي طرد سكان البلاد الاصلـــــيين وحوّلهم لاجئين ليس لبنانيـــــا او فلسطينيا. تخيّلوا ميلوسوفيتش يقصف، هذا هو المشهد الاسرائيلي، وعــــندما لم يغير القصف شـــيئا في المعادلة العسكرية لجــــأوا الي تكتيكين: المجازر والهجوم البري.كان هدف المجازر احداث هزيمة معنوية وكسر روح المقاومة في السكان. وقد انتجت هذه السياسية سلسلة لا نهاية لها من المآسي، وقادت الي تهجير ثلث الشعب اللبناني.اما الهجوم البري فقد اريد له ان يقدم مشهد انتصاريا للاستهلاك الداخلي، لكنه اصيب بفشل ذريع، ولم يبق منه في الذاكرة الاسرائيلية سوي مشهد الدبابات المحترقة.لذا لم يستطع النصر العسكري تغطية الجريمة كما في اغلبية الحروب الاسرائيلية الســـابقة. فانتصبت الجريمة عارية، وبدت اسرائيل علي حقيقتها: وحش معدني لا يعرف سوي لغة القتل.سوف يخرج الجيش الاسرائيلي من هذه الحرب مغطي بالعار والخزي، ولن تحفظ ذاكرة اللبنانيين سوي صور المجازر، التي حفرت في وعيهم حقيقة ان هذا العدو لايريد سوي قتلهم واذلالهم وتشريدهم من بيوتهم.انها حرب العار، العار يغطي الجيش الاسرائيلي الذي تحطمت اسطورة تفوقه امام صمود الشعب اللبناني فلم يعد يملك سوي سلاح واحد اسمه الجريمة.0