إدخال المقاومة في ذاكرة الأمة

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

تصُّر كل الأمم علي أن تٌحل في ذاكرتها الجمعية أمجاد انتصاراتها وتضحياتها وبطولاتها حتي تبقي مصدر إلهام لأجيالها المتعاقبة ومصدر طاقة لتجديد حيويُّتها وإخراجها من نكباتها التاريخية. في المقابل يحرص أعداد أية أمة علي تشويه مايدخل في ذاكرتها من خلال بذر الشكوك والأكاذيب وأنصاف الحقائق حول تلك الأمجاد والانتصارات. من هنا يجب أن ندرك معني ومغزي الحملات الفاحشة التي تقوم وستقوم بها الدوائر الصهيونية والأمريكية وحلفاؤهما ضدًّ منجزات المقاومة الإسلامية في لبنان.

ستحاول تلك الدوائر استعمال المقارنات الكمية الخادعة فالدمار العمراني الذي لحق بلبنان هو أكثر بكثير مما لحق بالبنية التحتية الصهيونية في فلسطين المحتلة، وإذن سيكون استنتاج تلك الدوائر بأن كفُّة انتصارات الصهاينة هي الراجحة دون ذكر أن لدي الصهاينة أكثر من أربعمئة طائرة كانت تقصف ليل نهار لبنان في حين أن حركة المقاومة لم تكن تملك حتي طائرة واحدة. وستستعمل نفس المقارنات الكمية بالنسبة لعدد القتلي والجرحي والمصابين والنازحين عند كلا الجانبين دون أي ذكر للأسباب الموضوعية التي تجعل الفروق الكمية أمراً مؤكداً بل ومقبولاً.

ستحاول تلك الدوائر قراءة المقررات الدولية، من مثل قرارات مجلس الأمن، لتشكٍّك في مدي ما حقُّقته المقاومة الإسلامية في المجالات السياسية دون ذكر إلي أن المؤسسات الدولية ليست إلاُ أدوات خاضعة بشكل شبه مطلق لأمريكا، وبالتالي فان نوع تلك القرارات الدولية لا دخل له بواقع ما جري من معارك ملحمية خاضها أبطال حزب الله وحقُّقوا فيها أبهر وأعظم الانتصارات وبواقع الفوضي والعجز والنتائج الهزيلة التي مًّيزت العدوان العسكري الصهيوني منذ بدايته حتي نهايته.

ومن جهة أخري ستحاول بعض الدوائر العربية الرسمية وغير الرسمية، إنسجاماً مع تأمركها في السياسة والفكر ومع تلاقي مصالحها مع المصالح الامبريالية في واشنطن ولندن وغيرهما من العواصم، وعلي تشويه معاني انتصارات المقاومة الإسلامية في لبنان، إمُّا بربطها بمنطق الطائفية أو بحدود القطرية أو بالاستسلام بهذه الدولة الإقليمية أو تلك، وبالتالي ستحاول منع دخول تلك المعاني في ذاكرة الأمة العربية والأمة الإسلامية الجمعية واعتبار كل ماحدث من بطولات وتضحيات ونتائج مبهرة وقلب لطاولة أمريكا والصهيونية والغالبية الساحقة من أنظمة الحكم العربية.. إعتبار ذلك حدثاً عابراً لن يتجذُّرفي أعماق المستقبل العربي والإسلامي والواقع أن أنواع المحاولات ستكون متنوعة وستستعمل الثقافة والدين والفكر للوصول إلي محو كل ما حدث من ذاكرة الأمة أو علي الأقل تشويهه لإبطال مفعولــه النضالي والنهضوي. من هنا الأهمية القصوي لقيام جبهة مقاومة عريضة لإحباط ذلك المخطًّط، جبهة تضمُّ المفكرين والمحلٍّلين السياسيين لإحباط ذلك المخطط، جبهة تضمٌّ المفكرين والمحلٍّّّّلين السياسيين والإعلاميين والفقهاء والاختصاصيين العسكريين، من أجل تقييم ما جري في جنوب لبنان علي الأخص، ولكن ضمن دراسة لكل حركات المقاومة العربية والإسلامية في العراق ولبنان وفلسطين وغيرهم، تقييماً موضوعياً واقعياً عادلاً تاريخياً وذلك من أجل أن لا تضيع التضحيات الجسام والانتصارات المبهرة الواعدة هباء. إن أرواح الشهداء الذين سقطوا في ساحات الدفاع عن شرف الأمة ومستقبلها ستستصرخنا بأن نكون مع الأهداف العظيمة الربًّانية التي رفعوها في وجه الهمجية الأمريكية ـ الصهيونية وفي وجه عار الأمم المتحدة وإنقلاب الغرب علي حداثته والتي رفعوها أيضاً من أجل تغيير الأوضاع البائسة التي تعيشها أمتهم علي يد الاستبداد والفساد والتخلف. منذ القرن العاشر وقوي من الخارج والداخل تحاول تشويه أو تفريغ ماتختزنه ذاكرة الأمة، أحياناً بجعله فوق التاريخ وأحياناً بجعله خارج التاريخ كما تحاول أن تفعله أمريكا والصهيونية ومساندوهما في الخارج والداخل مع المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق. من أهم مهام الثقافة السياسية العربية الجديدة أن تقاوم ذلك التشويه اللُّئيم وان تدخل المقاومة الإسلامية العربية في قلب تاريخ هذه الأمة، في أعمق أعماق وجدان وذاكرة شعوبها، فمعركة النهضة قادمة وستحتاج إلي وقود سماوي طاهر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية