د. سعيد الشهابي
وصفه القائد المظفر بـ النصر الاستراتيجي التاريخي، وعبرت الجماهير العربية عنه بابتهاج لم يسبق له مثيل قط منذ الاحتلال الصهيوني لفلسطين قبل ستين عاما، وتلعثم الرئيس الامريكي في كلماته وهو يتحدث عنه محاولا تبرير أكبر فشل للسياسة الخارجية الامريكية في تاريخها المعاصر، واعترف رئيس وزراء العدو، وهو يشعر بثقله علي نفوس الصهاينة وحلفائهم، بان هناك ثغرات في الاستراتيجية العسكرية لجيش الاحتلال. اسرائيل أرغمت علي القبول بوقف اطلاق النار بعد أطول حرب في تاريخها، ليس بالضغوط الخارجية، بل بعد ان بدأت معنويات جيشها بالانهيار التدريجي، وخشيت ان تمني بهزيمة أخطر من الهزيمة التي تكبدتها.
الخسارة الاسرائيلية لم تكن عسكرية فحسب، بل سياسية واعلامية ونفسية وعلي صعيد العلاقات العامة. شمعون بيريز قال عشية وقف اطلاق النار: اننا لو لم نوافق علي القرار 1701 لانقلب العالم ضدنا. كان العالم ضد الحرب الصهيونية منذ يومها الاول، ولم يقف معها سوي جهات قليلة في مقدمتها الحكومة الامريكية التي رفضت اية مطالبة بوقف اطلاق النار، معتقدة ان قوات الاحتلال الصهيونية قادرة علي القضاء علي حزب الله، الذي أرغم أنفها منذ الايام الاولي لتشكيله. ذاكرة الرئيس بوش ما تزال تختزن حقائق مرة عما جري للقوات الامريكية في بيروت، عندما دشنت المقاومة الاسلامية اولي عملياتها الناجحة في تشرين الاول (اكتوبر) 1984 بتدمير مقر قوات المارينز وقتل اكثر من 250 من افراده في عملية استشهادية فريدة من نوعها، وأكثر من 60 من القوات الفرنسية في هجوم متزامن. الذاكرة الامريكية ما تزال علي صلة بما جري في الماضي القريب عندما هرولت قوات المارينز للهروب السريع من بيروت وقامت بتدمير لبنان من بعد، مرتكبة واحدة من ابشع الجرائم الحربية، بالقاء الحمم التي تزن القنبلة الواحدة منها طنا من المتفجرات، تطلقها مدافع نيوجيرسي الراسية في المياه الاقليمية اللبنانية بعيدة عن سلاح المقاومة. اما هذه المرة فكانت تعتقد ان تدمير لبنان بطائرات اف 16 سوف يحقق امرين: اولهما ارهاب ابناء لبنان ودفعهم للثورة ضد المقاومة، وثانيهما تدمير المنشآت والمعدات التابعة لحزب الله بدون تكبد خسائر تذكر. حوادث الايام الـ 34 اثبتت خطأ تلك الاستراتيجية والتوقعات الامريكية والاسرائيلية. واصبح علي القادة الامريكيين والصهاينة الآن ان يبرروا للعالم جدوي ذلك العدوان العبثي، برغم اعتراض كافة دول العالم. كانت قلوب العرب والمسلمين تخفق وهي تري واحدا من اكبر جيوش العالم، وأكثرها خبرة في التدمير عن بعد، واستهداف اعدائه بالصواريخ التي تحولهم الي اشلاء، مصابا بجنون العظمة والكبرياء والغرور، فكيف يمكن لمجموعة صغيرة من المقاومين الصمود امام ذلك المارد الخطير؟ وبينما كانت الشعوب تنتظر الدعم الالهي لتلك المجموعة، كانت حكومات بعض الدول المجاورة المهزومة نفسيا، تستجيب لطلب الرئيس الامريكي بشجب المقاومة الاسلامية، وتلقي اللوم علي حزب الله. فاذا بزعماء مصر والسعودية والاردن والبحرين يعلنون بكل وقاحة وصلف وقوفهم مع العدو الصهيوني ضد المقاومة، ويلومونها بالعبث والمغامرة. لقد كان موقفا تاريخيا مشينا دفع الشعوب العربية والاسلامية وعلماء الدين في الشرق والغرب لشجبه، ولو كانت تلك الحكومات في بلدان ديمقراطية لاستقالت من مناصبها لان موقفها كان خيانة وطنية وقومية. تلك الحكومات لم تشأ ان يتحقق النصر للمقاومة، لان ذلك النصر يكشف عوراتها وضعفها وتسلطها علي شعوبها بسياسات القهر والاستبداد. ان هناك اليوم استحقاقات علي هذه الحكومات ان تواجهها امام شعوبها المقهورة المحكومة بالنار والحديد. الحرب لم يبدأها حزب الله، فما فعله كان عملا محدودا ومحسوبا. فاختطاف جنديين اسرائيليين لمبادلتهما بأكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني ولبناني لا يمكن تصنيفه بأي حال من الاحوال بانه اعلان حرب ضد الكيان الصهيوني. فقوات العدو لم تتوقف يوما عن استهداف القادة والرموز الفلسطينيين واللبنانيين، مستخدمة أكثر الاسلحة الصاروخية تطورا. ألم تحول جسد الشيخ أحمد ياسين، ذلك الرجل المعوق الذي أنهكته سنوات السجن في زنزانات التعذيب الاسرائيلية، الي أشلاء بصاروخ اسرائيلي، وهو خارج من المسجد بعد أداء صلاة الفجر؟ ألم يستشهد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وآخرون بالاسلوب نفسه؟ وها هو رئيس وزراء العدو يعلنها للعالم مجددا، بعد ارغامه علي الموافقة علي وقف اطلاق النار، بانه سوف يستهدف رموز حزب الله قريبا، بعد ان هزمت قواته علي ايدي مجاهدي المقاومة الاسلامية. انه تحد صريح لروح القرار الدولي، واعلان مبكر لحرب قادمة، ومواصلة لسياسات الارهاب التي انتهجها الاحتلال في فلسطين ولبنان. لم يعلن حزب الله الحرب بخطف الجنديين، فعمليات الخطف والاغتيال من الجانب الاسرائيلي لم تتوقف ابدا، ألم تختطف اجهزة استخباراتها أدولف آيخمان في 1960 بتهمة مشاركته في تصفية اليهود في المانيا، ثم تعدمه بعد عامين؟ ألم تختطف مردخاي فعنونو، عالم الذرة الذي كشف في 1986 اسرار مشروعها النووي للصحافة البريطانية، من روما وتسجنه 18 عاما قبل ان تطلق سراحه في 2004؟ ألم تمارس عمليات الاغتيال والخطف ضد الرموز الفلسطينية في السبعينات عندما تعقبت العناصر الفلسطينية القيادية في لبنان واوروبا بعد عملية ميونيخ التي قتل فيها الفريق الاسرائيلي المشارك في الدورة الاولمبية في تلك المدينة الالمانية. وتواصلت عمليات التصفية الجسدية حتي بلغت ذروتها في السنوات الخمس الاخيرة. وفي 2001 ارتكبت اسرائيل اكثر من 60 جريمة اغتيال ضد الفلسطينيين. وكان من أبرز تلك العمليات اغتيال الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ابو علي مصطفي في 27 آب (اغسطس) 2001. لقد تألق قائد حزب الله، سماحة السيد حسن نصر الله وهو يعلن انتصار الأمة المستضعفة علي العدو الصهيوني قائلا: نحن أمام نصر استراتيجي وتاريخي للبنان والمقاومة وكل الامة بدون أي مبالغة، مضيفا أن حزب الله خرج من المعركة مرفوع الرأس وأن اسرائيل كانت الطرف المهزوم. فالحرب أعلنتها اسرائيل بدعم، وربما تحريض امريكي. وكان المسؤولون الامريكيون في الايام الاولي للعدوان أكثر حماسا لها من الصهاينة، وبدت كوندوليزا رايس أكثر غطرسة واستعلاء وتحديا للرأي العام العالمي من أي وقت مضي، ولم يخف قادة البيت الابيض حماسهم للعدوان، بل كانوا يمارسون حربا نفسية ضد المقاومة والعالم وهم يتبجحون بارسال القنابل القادرة علي اختراق الملاجيء. اما الحكومة البريطانية فلم تكن أقل حماسا من الامريكيين والصهاينة في دعم العدوان، وفتحت مطاراتها للطائرات الامريكية التي كانت تحمل القنابل والصواريخ من اجل العدوان. واذا كان الاسرائيليون متهمين ببدء العدوان وارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين خصوصا بارتكاب المجازر في قانا وصيدا والضاحية الغربية ببيروت، فان الامريكيين والبريطانيين ساهموا بشكل مباشر في اطالة أمد العدوان وتضاعف الضحايا المدنيين، ومعهم حكومات مصر والسعودية والاردن والبحرين. برغم ذلك التحالف الشيطاني، انتصرت ارادة المستضعفين والمظلومين، فاذا بالمحتلين يشعرون للمرة الاولي منذ الاحتلال قبل ستين عاما بانهم امام مقاومة باسلة لا تشبه في شيء الحكومات العربية الخائرة التي تتسابق لارضاء الصهاينة وداعميهم. واستطاع ذلك التحالف الشيطاني استصدار فتاوي دينية، ليس من الكنيسة التي كان لها موقف مشرف، بل من بعض وعاظ السلاطين، خصوصا في السعودية، الذين أصدروا الفتاوي ضد المقاومة، وحرموا دعمها او التعاطف معها. وحتي شيخ الازهر، محمد طنطاوي، أصدر في البداية فتوي مشابهة، كان لها رد فعل سلبي أدي الي خروج طلبة الازهر في تظاهرات ضدها. برغم ذلك كله، انتصرت ارادة المقاومة الاسلامية التي جسدت ارادة الشعوب العربية والاسلامية الرافضة للاحتلال وللتحالف الشيطاني بين اسرائيل وامريكا وبريطانيا وبعضد الحكومات العربية، وخرج المقاومون مرفوعي الجباه، شامخين بهاماتهم، بعد ان أذاقوا العدو مرارة الهزيمة. فبعد رفض واشنطن ولندن وتل أبيب مبدأ وقف اطلاق النار، سارع هذا الثلاثي الي البحث عن صيغة لحفظ ماء الوجه بعد ان لوحظ بشكل واضح تداعي معنويات جيش الاحتلال. اتضح هذا التداعي بعد ثلاثة اسابيع من شن العدوان، من خلال عدد من المؤشرات: اولها الرد الفوري من قبل المقاومة علي ادعاءات ايهود اولمرت، رئيس وزراء الكيان الاسرائيلي، المتكررة بان قواته قضت علي صواريخ حزب الله ودمرت امكاناته، ثانيها: تصاعد التذمر في اوساط المستوطنين ليس في المناطق القريبة من الحدود مع لبنان، بل في حيفا وعكا وأبعد من ذلك، للمرة الاولي منذ قيام نظام الاحتلال، ثالثا، التصاعد الخطير في اعداد قتلي الجنود الصهاينة، خصوصا في الاسبوعين الاخيرين، وهو امر لم يحدث من قبل. وكما يقول سماحة السيد حسن نصر الله، فان اسرائيل جيش في كيان، فاذا تداعت معنويات هذا الجيش انهار الكيان. وكان هذا الانهيار ممكنا فيما لو استمرت الحرب، خصوصا ان الضحايا العسكريين من الاسرائيليين ربما يفوق ضحايا الشهداء من مقاتلي حزب الله. فكان ذلك بداية انهيار ارادة قوي العدوان، الامر الذي كان ينذر بكارثة خطيرة للمشروع الصهيوني، ومعه مشاريع واشنطن ولندن. هذه الحقائق جديدة في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وقد أقضت مضاجع زعماء التحالف الشرير الذين هرعوا لاستصدار قرار مجلس الامن الذي دعا الي وقف اطلاق النار. وحتي بعد صدور القرار حاولت قوات الاحتلال تحقيق بعض الانجازات، بمحاولة محاصرة المقاومة في جنوب اللبناني، ولكنها فشلت، وسقط المزيد من الضحايا في صفوفها. 9