خمسة عشر مثقفاً عالمياً:
ما يجري حالياً هدفه تصفية الشعب الفلسطيني بدا الفصل الاخير في النزاع بين اسرائيل وفلسطين يوم اختطفت قوات الجيش الاسرائيلي طبيباً واخاه وهما مدنيان فلسطينيان من غزة، هذه الواقعة التي كاد ذكرها ان يغيب تماماً باستثناء الصحافة التركية التي اوردت النبأ. وفي اليوم التالي قام الفلسطينيون بأسر جندي اسرائيلي عارضين التفاوض حول تبادل الاسري القابعين في سجون اسرائيل حيث يوجد فيها ما يقارب عشرة آلاف سجين فلسطيني.وفي حين اعتبر اختطاف الفلسطينيين للجندي الاسرائيلي اعتداءً شائناً؛ استمر اعتبار الاحتلال العسكري للضفة الغربية، ومواصلة الاستيلاء المنتظم علي الموارد الطبيعية، وبشكل خاص علي المياه، من قبل جيش الدفاع (!) الاسرائيلي ليس اكثر من قضية مؤسفة وكأنها ليست سوي حقيقة لا بد منها في الحياة. هذا الموقف ذو المعايير المزدوجة هو الموقف النموذجي العام والمتبع علي الدوام من قبل الغرب كردٍ علي ما حلّ بالفلسطينيين واراضيهم التي اعترف لهم بها بموجب الاتفاقات الدولية المبرمة خلال السنوات السبعين الماضية.واليوم يجر الانتهاك انتهاكاً آخر، وتسعي القذائف المصنوعة محلياً لمواجهة الصواريخ المتطورة، التي تستهدف الامكنة الفقيرة التي يقيم بها المحرومون من حقوقهم، والذين ما زالوا بانتظار ما كان يعرف ذات يوم بـ العدالة .القذائف والصواريخ التي تمزّق اجساد البشر بشكل مريع ـ من سوي القوّاد العسكريين يجرؤ علي نسيانها؟!لكل استفزاز من يدافع عنه ومن يعتبره ذريعة استفزاز مضاد، لكن الخلافات في الرأي والاتهامات والانذارات جميعها لا تخدم غير الهاء العالم وتحويل اهتمامه بعيداً عما يجري علي ارض الواقع من ممارسات عسكرية واقتصادية وجغرافية ذات تداعيات طويلة الامد؛ هدفها السياسي لا يقل عن تصفية الشعب الفلسطيني.لذا، لا بد من التصريح عالياً وبكل وضوح: ان الممارسات الجارية حالياً، نصف المعلنة ونصف المقنّعة، التي تستهدف تصفية الشعب الفلسطيني، تتقدم بسرعة هذه الايام، وفي اعتقادنا، لا بد من تسليط الاضواء عليها ومقاومتها بشكل متواصل ودون ادني هوادة.الموقعون:طارق علي، راسل بانكس، جون برجر، نعوم تشومسكي، ريتشارد فالك، ادواردو غاليانو، تشارلز غلاس، نعومي كلين، دبليو. جي.. تي ميتشيل، هارولد بينتر، ارونداتي روي، خوسيه ساراماغو، جيوليانا سجرينا، جور بيدال، هوارد زين.فلسطين ولبنان، اشارة حول بيان لخمسة عشر مثقفاً أجنبياً نجوان درويشلا يستطيع المرء ان يجد تفسيراً لعار الصمت الكوني حيال ما تتعرض له لبنان وفلسطين والعراق ـ هذا الاخير صار احتلاله وقتل ابنائه خبراً روتينياًً من الدرجة الثالثة في سلّم الفضائيات! صمت لزج كريه لا يقتصر علي دوائر القرار السياسي الغربي التي تعودنا نذالتها، وانما يشمل الدوائر الثقافية الغربية ايضاً والتي لم يصدر عنها حتي الآن سوي شذرات مواقف فردية لم تمنحها الميديا الغربية سوي هوامش وليس بمستطاعها ـ حتي علي المدي البعيد- صنع حركة تؤثر في الرأي العام وسياسات المركز الغربي . ويبدو ان موجة الحرّ الشديد التي تجتاح اوروبا وموسم عطلة الصيف الذي يراوح بين منتصف تموز (يوليو) ومنتصف آب (اغسطس)، لها اثرها علي بطء حركة الوعي العالمي بفظائع الفاشية الاسرائيلية، في شيء شبيه الي حد ما بما حصل مع المذابح الاسرائيلية في غزة حين غطّت حمي مونديال كأس العالم عليها، الي حد كبير؛ حتي لتذهب المخيّلة بالمرء الي ان الغرب لن يدرك ما يحصل الا حين تقصف الطائرات الاسرائيلية برلين ولندن وباريس وتشتبك دبابات الاحتلال مع المقاومين الايطاليين في ريف توسكانا!ہہہمنذ نحو اسبوع اصدر اربعة مثقفين غربيين مرموقين، من بينهم حائزان لجائزة نوبل في الادب، بياناً حول الفصل الاخير من الجريمة الاسرائيلية علي الشعب الفلسطيني، حيث يقول بيانهم ان الهدف السياسي لما يجري حالياً لا يقل عن تصفية الشعب الفلسطيني وانه ينبغي كشف هذه الممارسات و مقاومتها بشكل متواصل ودون ادني هوادة . ورغم جرأة البيان وخطابه الاخلاقي الذي يستحق بالفعل تقديراً واحتراماً عميقين في سياق حالة شبه الصمت التي تصدر عن دوائر الثقافة الغربية وانحطاط الخطابات الصادرة عن الحكومات الغربية وتغطيتها بذلك لجرائم اسرائيل ـ لا ننسي بالطبع الدور المشرف للحكومات العربية البائسة، الا ان هناك ملاحظة اساسية لن تمنعنا صداقة اكثر هؤلاء المثقفين للشعب الفلسطيني وقضيته من تسجيلها، وهي ملاحظة ليس فيها ادني انتقاص من قيمة البيان والتقدير لموقف اصحابه، ولكن توقيت نشر هذا البيان يستدعيها. والملاحظة هي خلو البيان من اية اشارة للعدوان الاسرائيلي الامريكي علي لبنان. وقد يتساءل المرء عن معني غياب اية اشارة الي الجريمة الكبيرة والمذابح التي يتعرض لها الشعب اللبناني في بيان جريء واخلاقي بامتياز بادر اليه اربعة مثقفين كبار، هم: الكاتب والناقد الفني البريطاني جون برجر والكاتب المسرحي البريطاني هارولد بينتر (نوبل 2005) والروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو (نوبل 1998) والمفكّر الامريكي عالم اللغويات نعوم تشومسكي، ووقّعه في وقت لاحق احد عشر مثقفاً مرموقاً من بينهم مثقفون من اصول غير غربية ويكتبون بالانجليزية كالمفكر الباكستاني طارق علي والروائية والناشطة الهندية ارونداتي روي، واسماء اخري مثل الكاتب والمؤرخ الاورغواني ادواردو غاليانو، والحقوقي الامريكي ريتشارد فالك الاستاذ بجامعة برينستون احد ابرز الحقوقيين في العالم ـ من الذين اكدوا قبل سنوات مسؤولية شارون عن مذابح صبرا وشاتيلا، والروائي الامريكي راسل بانكس رئيس برلمان الكتاب العالمي ـ الذي ترأس وفد الكتاب العالميين في زيارتهم التضامنية الهامة لفلسطين في آذار (مارس) 2002، واسماء اخري ليس اهتمامها مستجداً بالقضية الفلسطينية او بتعرية السياسات الاجرامية للولايات المتحدة و اسرائيل ، حيث يعثر المتابع في تاريخ معظمهم علي جملة مواقف اخلاقية شجاعة في وجه سلطات الظلم الكوني.ہہہ يتبادر الي الذهن وبشكل سريع تفسيران محتملان لـ اقتصار البيان علي العدوان الاسرائيلي علي الشعب الفلسطيني ـ كي لا نقول غياب الاشارة الي جرائم اسرائيل الفاشية وحلفائها ـ غير الصامتين هذه المرة- بحق لبنان. الافتراض الاول هو ان البيان قد تم التفكير به واعداده قبل بدء العدوان الاسرائيلي علي لبنان وتأخر نشره الي وقت العدوان! وربما ان معدّي البيان تقصدوا قصره علي ما يحدث في فلسطين في محاولة لاثارة انتباه العالم لما يحدث، وفي بالهم ان اسرائيل اخذت تستفيد من توجه الاهتمام الدولي (غير الفاعل اصلاً) الي جرائمها في لبنان – او الي ازمة الشرق الاوسط ـ بتعبير السي ان ان! ـ لتنفيذ مخططات تصفية الشعب الفلسطيني علي ارضه بـ حرية اكبر. اميل شخصياً لهذه التأويلات وليس في نيتي الذهاب نحو فرضيات سلبية بحق مجموعة من انقي واشجع الاصوات في الغرب اليوم، والتي يبدو الضمير الغربي ـ دون اصوات مثلها ـ دمامل علي مؤخرة كوندوليزا رايس، هذه الغولة التي لم يخطر لاطفال الجنوب اللبناني في اسوأ كوابيسهم انها موجودة في الواقع وانها ستبتسم بحنان وهي تفسح الطريق للموت القادم اليهم في احضان آبائهم وامهاتهم.ہہہربما صعّد من تساؤلاتي هذه، بشأن هذا البيان، الشعور الجمعي الفلسطيني ان ما يحدث علي لبنان يحدث علينا ومن الصعب ان نستسيغ في هذا الوقت تضامناً لا يشمل اخوتنا اللبنانيين الذين ليس من قبيل ترديد الشعارات ولا البلاغة العاطفية، القول ان مقاومتهم الآن تدافع عن كرامة ومستقبل شعوب المنطقة العربية كلّها، قدر دفاعها عن لبنان وفلسطين.ہہہانه لشيء يثير التقزز، مشهد الرجل الابيض غاطاً في قيلولته الحضارية، بينما تقوم سكرتيرته المدججة برؤوس نووية اسرائيل بشيّ وجوه الاطفال وايديهم الصغيرة وقلي اكبادهم وقلوبهم بزيت امريكي حتي تعد للعالم وجبة سلام مُشْبِعة ، تزعم ان عرباً قبل غيرهم سيأكلونها بشهية وعقلانية وبعد نظر.ويكون المشهد مقززاً اكثر حين يهرول الاعمام المزيفون دون ان يجرؤوا علي ازعاج السكرتيرة في اعمالها الانسانية: يصدرون بيانات حكيمة، يدفنون رؤوسهم في دماء القتلي، يرسلون مساعدات متلفزة، يحاولون التوسط الخ… ولا شيء يستدعي ازعاج القيلولة الحضارية للرجل الابيض او تكدير طائرات السكرتيرة… وعند احتدام الامور يدفنون رؤوسهم في مؤخرة العقلانية ويلوذون بثرثرة محسوبة او صمت يفترضون انه من دواعي السلامة العامة! 0