عمان ـ “القدس العربي”: يشتمل كتاب من السلط الي القدس: ابحاث في تاريخ الأردن وفلسطين القديم الذي صدر مؤخرا عن البنك الاهلي ودار ورد الاردنية للنشر للتوزيع في عمان علي احدي عشرة مقالة كتبها الدكتور محمود ابو طالب، استاذ التاريخ القديم بالجامعة الاردنية، في الفترة ما بين عامي 1984 و2002، وجميعها منشورة، خلا واحدة. وكتبت ثمان من هذه المقالات اصلا بالانكليزية، ترجمها الي العربية عمر الغول، وتولي تحريرها بالاشتراك مع عفاف زيادة، وكلاهما من كلية الآثار والانثروبولوجيا بجامعة اليرموك.
وقد جعل المحرران المقالات المتعلقة بتاريخ الاردن القديم في الفصل الاول من الكتاب، وتلك المتصلة بتاريخ فلسطين القديم وبتاريخ العهد القديم في الفصل الثاني منه.
وأول مقالات الفصل الأول مقال عنوانه نظرية نلسون غلوك المراوغة، بين فيه المؤلف ان هذه النظرية عن تاريخ الاستيطان في الاردن في العصرين البرونزي الاوسط والمتأخر وفي العصر الحديدي الاول، والتي قبلها اكثر الباحثين حينا طويلا من الزمن، لم يكن لها صفة النظرية في يوم من الايام؛ اذ ان غلوك كان يقدم نهاية العصر البرونزي المتأخر وبداية العصر الحديدي في الاردن ويؤخرهما بما يتفق مع روايات العهد القديم ومع آراء شيخه، مبتدع علم الآثار التوراتي، وليم البرايت. وتعد هذه المقالة من اكثر مقالات الكتاب دلالة علي استقلال الدكتور ابو طالب برأيه، وعلي نظرته الناقدة التي انتهت به الي رد اقوال من يعد رائد علم الآثار في الاردن.
وفي المقالة الثانية، قائمة مجدو وجنوب الاردن في العصر البرونزي الاخير، يتحدث المؤلف عن هذه القائمة التي ترجع الي زمن الفرعون المصري تحتمس الثالث (1504 ـ 1450 قبل الميلاد). وهي تتألف من مائة وتسعة عشر اسما، يتساءل الباحثون ان كان من بينها ما يشير الي مواقع في الاجزاء الوسطي والجنوبية من الاردن. ويكتسب هذا التساؤل اهمية خاصة؛ لان بعض الباحثين رأوا ان بعض اسماء الاماكن الواردة في القائمة تؤكد صحة رواية العهد القديم عن عبور بني اسرائيل الي فلسطين في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. فعرض المؤلف عرضا تفصيليا لهذه القائمة، وللنظريات المختلفة فيها، وتناول الاسس المنهجية التي ينبغي من خلالها مطابقة الاسماء الواردة في القائمة باسماء المواقع في الاردن، وانتهي الي نفي اي دليل لغوي او آثاري علي ذكر مواقع من وسط الاردن او جنوبه في قائمة مجدو، مما ينفي صحة الرواية التوراتية. اما المقالة الثالثة، عن السلط فيما قبل الاسلام، فاطول مقالات الكتاب، عرض فيها المؤلف تقارير الرحالة والمستكشفين عن السلط وما وصفوه من آثار فيها، كما ذكر المكتشفات الاثرية في السلط حتي اواخر القرن العشرين، وخلص الي ان مدينة السلط القديمة كانت تقع علي تل الجادور. واستعرض الدكتور ابو طالب المصادر التاريخية التي ذكرت الجادور في الفترات اليونانية، والرومانية، والبيزنطية، واجتهد في الفصل ما بين الشواهد التي تشير الي تل الجادور، وتلك التي تشير الي ام قيس؛ اذ يذكر هذان الموقعان في اكثر تلك المصادر بالاسم عينه، جدارا. ورجع المؤلف بعد ذلك الي الفترات الابكر، فنظر في الاشارات التاريخية الي تل الجادور في النصوص المسمارية من العصر الحديدي، وخلص الي ان KUR Gidir التي تذكر في رسالة اشورية من القرن الثامن قبل الميلاد لا يصح ان يبحث عنها في فلسطين او في منطقة الكرك، وانما في منطقة السلط، وفي تل الجادور تحديدا.
ويتحدث الدكتور محمود ابو طالب في مقالته التالية عن جلعاد في نقوش تجلت بليصر الثالث. فنظر في عدد من نصوص هذا الملك التي نشرت في القرن التاسع عشر، وصحح قراءتها، مبينا ان اسم جلعاد كان جلعاد فعلا، وليس جلعاز، كما حسب بعض الباحثين. واستعان المؤلف بعد ذلك بنصوص اخري من زمن تجلت بليصر تذكر جلعاد اكتشفت في نمرود، فصوب قراءة الباحثين لها هي الاخري، واكد صحة قراءته للنصوص المشار اليها اعلاه. وتعد المقالة التالية معلما في تاريخ الدراسة للخطوط القديمة التي استخدمت في الاردن في العصر الحديدي. فقد اتخذ المؤلف من نشر ختم عليــه نقــــش مؤابٍ مجالا لتحديد السمات الممــــيزة للخط المؤابي. فعلي الرغم من ان هذا الختم قد اكتــــشف ضمن حدود المملكة العمونية، الا ان المـــؤلف عد خطه مؤابيا، وما تسني له ذلك الا بعــــد ان استعرض سمات الحــــــروف فيه استعراضا دقيقا، مقارنا اياها بمثـــيلاتها في الخط العمـوني، والآرامي، والعبري. وقد غدت هذه المقالة بعد نشرها مرجعا لدارسي الكتابات القديمة في الاردن. اما المقالة الاخيرة في الفصل الاول فعنوانها نبيات ونبيوت ونبيات ونبطو: اعادة النظر في المشكلة اللغوية. ويدل العنوان علي ان المؤلف يبحث في علاقة لفظة نبيات الاكادية، بلفظة نبيوت العبرية، ونبيات العربية، ونبطو العربية، بعدما كان الباحث ادوين بروم خلص الي ان هذه الالفاظ جميعها تدل علي الانباط. فخاض الدكتور محمود ابو طالب في نقاش لغوي تفصيلي، تركز، في المحل الاول، في المسائل الصوتية، ليؤكد ان بروم لم يثبت البتة ان التحول من نبيات، ونبيات، ونبيوت الي نبطو جاء بحسب مبادئ لغوية متفق عليها، فليس في النصوص الاشورية المذكورة اشارة الي الانباط. فاذا ما انتقلنا الي الفصل الثاني الفيناه يبدأ بمقالة عنوانها تاريخ اسرائيل التوراتية والمستشرقون، احتلال ارض كنعان مثالا. ويعرض المؤلف في هذا المقال الي مناهج المستشرقين في دراسة تاريخ اسرائيل التوراتية، ويتخذ من فهمهم لرواية احتلال بني اسرائيل لكنعان كما جاءت في العهد القديم مثالا علي ذلك. ويبدأ المؤلف حديثه باستعراض روايات العهد القديم المختلفة لقصة الاحتلال، مظهرا ما بينها من اختلاف وتناقض. ويستعرض بعد ذلك التنقيبات الاثرية التي اجريت في الاردن وفلسطين، ويخلص الي ان الناظر في نتائجها، اذا ما قارنها برواية سفر يشوع بما فيها من عيوب، لا يمكن ان يعتقد بتاريخية قصة احتلال ارض كنعان. بعد ذلك استعرض المؤلف النظريات البديلة التي قدمها الباحثون لتفسير الطريقة التي احتل بها الاسرائيليون ارض كنعان. فعرض لنظرية التسرب السلمي التدريجي التي قال بها آلت وتابعه فيها نوت، ولنظرية مندنهول، ولصيغتها الماركسية التي وضعها غوتوالد، القائلة بان العبرانيين لم يدخلوا الي فلسطين، وانما مثلوا ثورة اجتماعية من داخلها. ويقابل هذه التصورات النظرية اعمال آثارية ميدانية، كان من اهم ممثليها عالما الآثار الاسرائيليان آهاروني وفنكلشتاين، وقد استنتج ثانيهما ان ظهور اسرائيل المبكرة نتج عن انهيار نسق مدن الدول في العصر البرونزي المتأخر، ولم يكن سببا لذلك الانهيار، فاكثر الاسرائيليين لم يأتوا من خارج كنعان، وانما انبثقوا من داخلها، فقد كانوا سكانا محليين، كانوا كنعانيين. وفي القسم الاخير من مقالته يتحدث الدكتور محمود ابو طالب عن منهج الادنويين، الذين يحدون من دور العهد القديم بوصفه مصدرا لتاريخ الاسرائيليين الي ادني قدر ممكن. والمقالة التالية التعريف بالكتاب المقدس العبري، مقالة عامة، تعرف بتاريخ العهد القديم العبري، وتبرز مساهمة عزرا في صياغته في القرن الرابع قبل الميلاد، ثم تعرض لترجمات العهد القديم العبري الي اليونانية واللاتينية، والي المحاولات الاولي لطباعته، ثم تستعرض اهم النشرات المحققة التي ظهرت في القرن العشرين، وختمت المقالة باستعراض لاصحاحات العهد القديم كما وردت في نشرة لينينغراد.
ويرجع المؤلف الي الحديث علي الآثار بمقالتة القدس واليبوسيون وداود. ويفحص المؤلف في هذه المقالة رواية العهد القديم التي تذكر استيلاء داود علي يبوس، ويشير الي ان شراح العهد القديم والآثاريين لا يعرفون شيئا عن المنشآت المدنية التي بناها داود في اورشليم؛ غير انهم حملوا دائما روايتي العهد القديم عن استيلاء داود عليها علي انهما تدلان علي ان القدس اليبوسية كانت مدينة حسنة التحصين. ونظر المؤلف فيما بين ايدي الدارسين من دليل نصي وآخر اثري نظرا فاحصا، وخلص الي ان وجود السور الداودي اليبوسي يقوم علي فرض اكثر مما يقوم علي واقع، وان القدس في عهد اليبوسيين وداود كانت قرية صغيرة غير مسورة. ومن اهم ما تكشف عنه هذه المقالة هو ان اكثر المنقبين في القدس كانوا يحكمون الهوي في تفسيراتهم للبقايا الاثرية التي يعثرون عليها، منقادين في ذلك تماما لروايات العهد القديم.
وفي المقالة التالية يراجع المؤلف كتاب التوراة جاءت من جزيرة العرب للدكتور كمال الصليبي الذي يقوم علي اطروحة ان تاريخ بني اسرائيل, كما ترويه التوراة، قد اتخذ مساره بالكامل في ارض عسير وجنوب الحجاز في غرب شبه الجزيرة العربية. وبعد ان يعرض المؤلف فصول الكتاب، يبين ما يعتور استنتاجات الدكتور الصليبي من خلل، وذلك في ثلاثة محاور، هي تاريخ اللغة العبرية، والكتابات المكتشفة في فلسطين والاردن، والدراسة اللغوية لاسماء المواضع. وكشفت مناقشته لهذا المحور الاخير تهافت تناول الدكتور الصليبي اللغوي، وبينت ان الخوض في التاريخ القديم والنصوص القديمة له ضوابط منهجية دقيقة، ليس يصح الخوض فيها من باب الهواية.
وآخر مقالات الكتاب مقالة غير منشورة عنوانها الخلق والطوفان في العهد القديم وفي بلاد ما بين النهرين، عرض المؤلف فيها لقصتي الخلق والطوفان في العهد القديم وفي النصوص المسمارية التي كتبت في العراق القديم، وبين ما بينها من وجوه شبه، واستدل بذلك علي ان اليهود عرفوا هاتين القصتين عندما كانوا مسبيين في بابل، وادخلوهما في العهد القديم عندما وضعوا نصوصه بعد عودتهم الي فلسطين في الفترة الفارسية. وفي آخر الكتاب جمع المحرران الاحالات الواردة في المقالات المذكورة اعلاه في قائمة بيبلوغرافية شاملة، واتبعاها بفهارس ضمت اهم ما جاء في الكتاب من اسماء اشخاص، واسماء مواضع. وتتجلي للمتأمل في معالجة الدكتور محمود ابو طالب لموضوعات المقالات معرفته الواسعة بتاريخ الشرق الادني القديم وبآثاره، كما انه افاد افادة كبيرة من معرفته الدقيقة بلغات الشرق الادني القديم، الاكادية والعبرية منها بصورة خاصة. وتتسم معالجته الي ذلك بنظرة تحليلية، عميقة، ناقدة، يحاكم فيها الاستنتاجات العلمية التي اطلقها الباحثون السابقون محاكمة صارمة، مبينا ما كان منها غير ذي اساس، منبها الي ما وقع فيه بعض المشتغلين بتاريخ الاردن وفلسطين القديم من اتباع للهوي، في الدراسات التوراتية خاصة، كاشفا عن ان شيوع بعض الآراء ناشئ عن اخذ اللاحقين لآراء السابقين من غير نقد وفحص. وفي كل حال، وعلي ما في الكتاب من دقة وعمق، عرض المؤلف فيه الافكار علي نحو بين، وبني الحجج بناء مترابطا، فاحسب ان القارئ، مختصا وغير مختص، سيجد في قراءته نفعا ولذة.