القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من كمال القاضي: منذ ما يقرب من خمس سنوات حدثت مذبحة أركاديا بالفندق الشهير علي كورنيش النيل، حيث جرت التصفية الدموية بين أبناء رجال الأعمال علي أثر خلاف وقع بين القاتل والقتيل بسبب فتاة حسناء أراد كل منهما أن يستأثر بها لنفسه، وقد أسفرت التحقيقات عن تورط القاتل في جريمة القتل وحكم عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاما بعد أن أثبت محامو القاتل أن الحادث وقع في إطار المشاجرة وليست هناك نية لسبق الاصرار والترصد وهو ما دعا المحكمة الي تخفيف الحكم إلي 15 عاما بدلا من العقوبة المقررة في القانون والتي تتراوح بين السجن 25 عاما والإعدام وهذه القضية شغلت الرأي العام لفترة طويلة، لا سيما أن سطوة رجال الأعمال كانت في بدايتها ومشروع الخصخصة علي أبواب التطبيق، الأمر الذي ربط في أذهان الجماهير بين الجريمة والنفوذ الطاغي لرجال الأعمال وفقدان الإحساس بالأمان، ولم يمر عامان علي هذا الحادث الأليم إلا ووقع الحادث الأكثر بشاعة والذي كان بطله أيضا رجل الأعمال أيمن السويدي قاتل زوجته المطربة التونسية ذكري وصديقه وزوجته في مجزرة بشعة اهتزت لها قلوب الملايين وانتهت بانتحاره بعد أن صوب علي نفسه فوهة البندقية الكلاشينكوف وأطلق الرصاص ليضع نهاية لحياة البذخ والترف ويسقط صريعا علي الأرض غارقا في لجة من الدم يسبح فيها أكثر من خمسة أفراد راحوا ضحية البيزنس والشك.
بهذه الخلفية المونودرامية القاتمة كتب السيناريست بلال فضل قصة فيلمه واحد من الناس وصاغ أحداثه بشكل مثير غاير فيه أسلوبه الكوميدي المعتاد لينتقل بنا إلي الأجواء البوليسية ومافيا رجال الأعمال لنري الوجه الآخر للمجتمع الوحشي الذي لا يعرف سوي لغة الرصاص والدم ولا يؤمن بغير المال وسيلة للارتقاء واثبات الذات فيما يعيش قطاع كبير من البسطاء تحت خط الفقر ينشدون حياة هادئة كريمة يقنعون فيها بالحد الأدني من العيش ولا يطمعون في أكثر من اللقمة والهدمة والنوم تحت سقف يحميهم من المطر والعواصف، وبينما يقدم لنا بلال فضل هذا التوازي الاجتماعي بين شريحتين تفاجئنا الأحداث بطغيان الشر علي العنصر المسالم النبيل المتمثل في شخصية البطل كريم عبد العزيز الذي يعمل حارس أمن باحدي العمارات التي تقع بها جريمة قتل يكون هو شاهد عيان علي القاتل الذي ينتمي لشريحة رجال الأعمال التي أشرنا إليها وبهذا يبدأ الصراع الحقيقي بين ابن الطبقة الكادحة وأولاد الذوات الذين يملكون الجاه والسلطان بعد أن يرفض البطل الاعتراف علي صديقه ليبدأ القاتل الحقيقي مقابل صفقة كبري فتكون النتيجة مقتل زوجته منة شلبي وتدمير بيته ودخوله السجن بتهمة الشروع في القتل ومقاومة السلطات، وهنا يدخل بنا المخرج أحمد جلال دائرة أخري يستعد فيها كريم عبدالعزيز للثأر علي طريقة أنور وجدي في فيلم أمير الانتقام وبالفعل يتحالف كريم مع خصوم عزت أبو عوف زعيم المافيا داخل السجن ويعرف كل أسراره ثم يخرج ليمارس دوره الإجرامي بالقتل والحرق والتدمير بعد أن يكون قد وطد علاقته بالإبنة الوحيدة لعزت أبو عوف بشري وأوقعها في حبه ليضع يده علي نقطة الضعف الرجل الذي قتل زوجته وزج به في السجن لمدة ثلاث سنوات ظلماً وعدوانا، ويغلب السيناريست بلال فضل في فيلمه الأمريكاني الحل الفردي كرد فعل لغياب العدالة وتواطؤ الشرطة بنفس منطق فريد شوقي في فيلم جعلوني مجرما غير أن الاخير كان أكثر إقناعا، حيث لم يلجأ البطل إلي الديناميت والمتفجرات والسيارات الجيب الشروكي والمدافع الرشاشة في مواجهته لسلطة والمافيا ولكنه كان واقعيا في إدراك قوته فاحتمي في المسجد ليدلل علي بقايا الإيمان الموجود بداخله كرجل مضطهد عاندته الأيام وساقه القدر إلي طريق الإجرام والقتل، والاستشهاد هنا بفيلم جعلوني مجرماً ليس علي سبيل المقارنة وإنما هو تأكيد علي استهلاك القضية التي اتخذها المخرج أحمد جلال محورا ليستعرض قدرته علي صناعة أفلام الأكشن بهذا الإسراف في الرصاص والدم والجثث كأن اللوكيشن قطعة من جهنم والحياة غابة تعيش فيها كائنات متوحشة في صورة بني أدمين!
والغريب انه برغم كميات الرصاص والمتفجرات التي جري تبادلها بين أفراد المافيا وأطلقت في اتجاه سيارة عزت أبو عوف وكريم عبدالعزيز في عملية تبادل الرهائن بالمشهد قبل الأخير إلا أن كريم خرج من بين جحيم النيران سليماً معافي بغير خدش واحد وبدا في مشهد النهاية كامل الوجاهة والأوبهة وهو يلهو مع ابنه فوق الصخرة بجوار شلالات المياه!
نهاية عبثية توحي بأن ما رأيناه طوال الفيلم كان تمثيلية متفقا عليها بين أجنحة الصراع وأن ما ظنناه متغيرا في رؤي بلال فضل الدرامية ونقله نوعية تنذر بالتجديد ليس غلا كوميديا من نوع آخر أكثر إضحاكا من أفلامه السابقة الخاسر الوحيد فيها هو محمود الجندي الذي ظل علي الحياد طوال الفيلم، لا هو بطل ولا هو ضيف شرف وإن كان قد أرهق نفسه في الاجتهاد ومحاولة اضافة لمسات خاصة لشخصية الأب الحائر بين تعاطفه مع ابنه الوحيد وخوفه عليه، وكذا كانت الفنانة بسمة التي جسدت دور المذيعة والصحافية إذ وقفت علي حدود التماس مع الشخصيتين دون أن تقترب بشكل حقيقي من أي منهما. الفيلم كله يشبه الأدوار الثانوية مجرد شخصيات تتحرك أمام الكاميرا بلا أي تأثير أو رد فعل.