حزيران الذي انتهي في تموز!

حجم الخط
0

حزيران الذي انتهي في تموز!

جواد البشيتيحزيران الذي انتهي في تموز!في أعياد ومناسبات لا معني لها، يحرص الزعماء العرب علي تبادل برقيات التهنئة.. وكم تمنَّيتُ أن يُرْسِل زعيم عربي برقية تهنئة إلي الأمين العام لـ حزب الله ، أو إلي ممثِّلي الشرعية اللبنانية ، بالنصر الاستراتيجي والتاريخي القومي الذي أحرزه جيش عربي جديد ، مُنْهيا به ليل حزيران الطويل. قد يستصعبون الأمر، فهذا النصر ليس بحلو المذاق إلا في أفواه المنتصرين؛ ولكن كان في مقدورهم أن يوبِّخوا رئيس الوزراء الإسرائيلي، وأن يقولوا له بالفم الملآن: لقد قُمْتَ بمغامرة عسكرية غير محسوبة العواقب . لقد صمتوا مع صمت المدافع.. ولكنَّ كل صمتهم لن يمنعهم، ولن يمنع الأمة بأسرها، من سماع دوي النصر الذي ليس كمثله نصر!سمِعْتُ خبيرا استراتيجيا عربيا رسميا ، لا فُضَّ فوه، يقول إنَّ حزب الله أبلي في الحرب بلاء حسنا.. صمد وقاوم، ومنع الجيش الإسرائيلي من احتلال بنت جبيل وعيتا الشعب.. ولكنَّه ليس بقادر عسكريا علي تحرير ولو جزء ضئيل من شمال فلسطين، ولم يستطع منع إسرائيل من تدمير البنية التحتية المدنية في لبنان. هذا الخبير ، الذي يقف ضد كل مغامرة غير محسوبة العواقب كتلك التي أقدم عليها حزب الله ، جاء بـ مسطرة ، لا يستعملها إلا كل من له مصلحة في بث روح الانهزام في الأمة، وشرع يقيس بها حجم الإنجاز الذي حققه حزب الله ، فتوصَّل إلي أنَّ حجم الدمار الذي حلَّ بلبنان قد قلَّص، ويجب أن يُقلِّص، كثيرا حجم الانتصار العسكري والميداني الذي أحرزه الحزب، فويل لأمة تُمني بهزيمة استراتيجية وتاريخية في حزيران 1967، فتدعوها نكسة ، ويأتيها نصر استراتيجي وتاريخي قومي علي طبق من فضة فتسعي في بيعه بثلاثين من الفضة!أليس نصرا عربيا عظيما أن يذهب الجيش الإسرائيلي، الذي بانهزامنا جعلناه جيشا لا يُقهر ولا يُهزم، إلي حرب وجود وهو أعمي البصر والبصيرة، لا عِلْم لديه يُذْكَر بما يملكه العدو، أي حزب الله ، من قوة عسكرية، متوهِّما أنَّه، وفي بضعة أيام، وبضربات جوية من النمط الذي شهدناه في كوسوفو وصربيا، سيهزمه بالضربة القاضية الحزيرانية ؟!إسرائيل التي تَعْلم القدرات العسكرية لجيوشنا النظامية أكثر مما تَعْلمها قياداتنا العسكرية فشلت فشلا لا ريب فيه في معرفة ما يملكه حزب الله من قوة عسكرية، موهمة نفسها أنَّ منصات إطلاق الصواريخ التي لدي الحزب لن تكون بأحسن حال من سلاح الجو العربي في حزيران 1967 الذي انتهي في تموز 2006.وإنصافا للحقيقة أقول إنَّ عهد شارون هو الذي هُزِم إذ هُزِم جيش اولمرت، فهذا الجيش إنَّما دخل الحرب مسلَّحا بـ معلومات جُمِع معظمها في عهد ذاك الغارق في غيبوبته. ويحق لاولمرت أن يتسلَّح بهذه الحقيقة في تبرير وتعليل هزيمته.أليس نصرا عظيما أن يمنع حزب الله معادلة الأرض في مقابل السلام من أن تَنْبُت في ميدان القتال في جنوب لبنان؟!المعني الأول للهزيمة العربية الحزيرانية، هو تمكُّن إسرائيل من احتلال تلك الأرض العربية الواسعة.. وفي ستة أيام، وبعد تدمير جيوش عربية. والمعني الثاني، هو أن تحتلها احتلالا آمنا ، وكأنها أرض نُزِعت منها، قبل احتلالها، المقاومة، رجالا وسلاحا..كل هذا من معني الهزيمة لم نرَ منه شيئا في جنوب لبنان، ولا حتي في أقصي جنوب لبنان. حزب الله منع إسرائيل من احتلال الأرض، فبقيت عيتا الشعب تَبْعُد بُعْد نيويورك عن الحدود الشمالية لإسرائيل، التي لإخفاقها في إنجاز احتلال آمن شرعت تحاول احتلالا لا أثر فيه يُذْكَر من معني الاحتلال العسكري . جاءت إلي لبنان جوا وبحرا، عن اختيار؛ ثمَّ برا، عن اضطرار، من أجل أن تقضي علي حزب الله ، وتخطف أو تقتل حسن نصر الله، فعادت منه بأسيرين هما عَلَم حزب الله ، ومدني لبناني يدعي حسن نصر الله!هل رأيتم عَلَما أبيض واحدا هناك؟! هل رأيتم عشرات ومئات وآلاف المقاتلين يخرجون وأياديهم مرفوعة، وهم أشباه عراة؟! إنَّكم لم تروا شيئا من هذا أو ذاك إلا في ثكنة مرجعيون التي يراد لأمثالها أن تدرأ المخاطر عن الأمن القومي العربي!أليس نصرا عظيما أن تُكرَه إسرائيل علي قبول معادلة تل أبيب في مقابل بيروت ، فلا تجرؤ علي ضربها وهي التي زعمت أنَّ البنية التحتية العسكرية لـ حزب الله قد دُمِّرت تماما، وأنَّ معظم ترسانته من الصواريخ بعيدة المدي (أي القادرة علي بلوغ تل أبيب) قد دُمِّر؟! لِمَ أحجمت لو كان زعمها صادقاً؟!أليس نصرا عظيما، بالمعيار الأخلاقي ـ السياسي، أن يبدي حزب الله من الكفاءة القتالية ما يضطر آلة الحرب الإسرائيلية إلي أن تبدي ما أبدت من وحشية، وكأنها ما عادت تملك من الكفاءة الا تلك التي تشهد عليها جسور لبنان ومنشآته لتوليد الطاقة الكهربائية؟!لو كان المدافعون عن بنت جبيل وعيتا الشعب.. من نمط أولئك الذين رأيناهم في ثكنة مرجعيون لَمَا اضطرت إسرائيل إلي التوحُّش في حربها علي لبنان، ولَظَهَرَت علي أنها إله الحرب النظيفة التي تشبه الانقلاب الأبيض!في الدمار الذي حلَّ بلبنان لم يروا إلا المأساة الإنسانية التي صنعتها المغامرة غير المحسوبة العواقب ، والتي لا تثير فينا من المشاعر إلا ما يُفْقِد عيوننا القدرة علي حبس دموعها، التي كان بعضها دموع حق يراد به باطل!لم يروا في الدمار صمودا أسطوريا أصاب العقل العسكري والسياسي الإسرائيلي بهذا الجنون. ولم يروا في هذا الجنون ما يشبه مجيء النَّعيُّ بالخبر المُفْجِع.. خبر انهيار قوة الردع الإسرائيلية، وتزعزع المكانة الاستراتيجية لدولة إسرائيل وجيشها لدي الولايات المتحدة.أليس نصرا عظيما أن تَرْسُم لنا التجربة في بنت جبيل وعيتا الشعب.. خريطة طريق ، إن اتَّبعناها يَتْبعنا النصر؟! التجربة تلك لن نتمثَّلها، ولن نغدو أبناء لها، إلا إذا سلَّمْنا، أولا، بأن حزب الله انتصر، وإسرائيل هُزِمت، وانتقلنا، من ثمَّ، إلي البحث العميق في الأسباب التي جعلت حزب الله ينجح في كل ما فشلت فيه الدول والجيوش العربية. هل نقدر أن نهيِّئ للانتصار ما هيَّأه حزب الله من أسباب؟ هذا هو السؤال الذي تتحَّدانا إجابته النظرية الموضوعية أن نحوِّلها إلي إجابة عملية واقعية.لقد استجمع حزب الله أسباب النصر فانتصر؛ ونحن استجمعنا أسباب الهزيمة فهُزمنا؛ وهذا وذاك إنَّما هما وجهان لحتمية واحدة. لبنان الذي كان يتوهَّم أنَّ قوَّته في ضعفه أصبح أثرا بعد عين. أمَّا لبنان الذي نراه الآن، والذي وُلِد من موت الشرق الأوسط الجديد ، فهو الذي يُذكِّرنا بأنَّ قوَّة إسرائيل في ضعفنا، فهلا تنفع الذكري. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية