الكلمات: جثث ستبعث يانعة!
أحمد المدينيالكلمات: جثث ستبعث يانعة! غبمثابة شاهدة علي قبر طفلة اسمها زينب، قتلتهاإسرائيل في قرية قانا اللبنانية، مع 37 طفلا في حربهاالهمجية علي الأمة العربية، في 30 تموز 2006ف وقفتُ عند عتبتها، نتبادل علي غير العادة نظرات محنطة. وقفتُ وما في الفظاعة شك لواقف، لا أسمع، لا أشم، تعطلت الحواس، والنظر وحده إلي ما يشبه شاهِدَتها، هناك عمال يوشكون علي الإنتهاء من نصبها في العتبة، ملقي عليها كغطاء، أو ككفن. يحدث حين كنا نلتقي في منعطف رغبة أو شهاب احتراق لنجوي تأججت بالذكري، أن تنضو بعض فتنتها، تقول خذني، أو امنحنيك يا الضائع أبدا في متاه الصبوات. يحدث أن تصفرالريح، تجلب بين التركيب والعطف والاستفهام علامة للتعجب، لكي لا يخلو عالمنا من الدهشة. يحدث أن ينازل الواحد منا آخره فيها لأن نسغها من الرحم يكبر فينا، والسلالة تقيم أعراسها دائما بالدمقس وبالحرير، وذاك مذ عُلقت أطلالُ خولة علي جدران الكعبة، وباءت قريش إثرها بخسران مبين. يحدث حتي أن ننسي الذي به جئنا ومن أجله كخير أمة، وحين تتراقص أمامنا علي وسن الحلم نعود نجمح في الصهيل، نرقي بالصهوات ثانية كأننا لن نعرف الكبوات إلي ذري بلاغتنا وسمو أعراقنا راحلين من الاستعارة الصريحة إلي المكنية عسي غفوة المجاز تطول. وكم جعلتُ منها مقارعة للمنايا، وفرسانا تدك الجبال ما ُشقّ لها غبار؛ كم صارت كل ما أملك وأغلي ما يُمتلك، لا تبديل لكلمات الله، لم أقبل دونها الرجوع إلي السطر أو أي بدل.وقفت عند عتبتها عيوننا مطفأة. رماد في المحجرين وغار انحفر. من فعل بكِ هذا؟ من فعل بكَ هذا؟ لا أسمع! لن تسمعي! ما القول؟ من، ما أنت؟ ماذا وقوفك والفتيان؟ آه، حقا، من عدت، كنت؟ هي مسجاة، أراها بلا حراك، أطرافها متباعدة كالمهشمة، أشلاء، مفحّمة أو كالمكبّدة، ناتئة خارج خرق سوداء. هي لم تمت وإلا لوضعوا لها كفنا أبيض، هي ليست حية وإلا لنثرت عليّ فتنتها وواجهتني للمنازلة كدأبها من أم الحويرث قبلها . لم ألكزها ولا هي تثنت خلسة المختلس. صرت خبيرا بالدلال لمّا تكالبت علينا الفتن، فأسلسنا القياد، لقد تكسرت النصال علي النصال لكني لم أملك رغم كل شيء إلا أن أعود أقف عند عتبتك، أي لا مقتربا ولا مبتعدا، جسدي رماد وأنا من عجب مشتعل بحرائقك القديمة، ولا حول لي، ولا سطوة، تناثرت دفاتر الذكري، الحرب لا أكثر من شظية ساهية، والأمة نطفة في الرحم ساجية، وحق القرآن، مع الدفاتر بعناها، ُطمرت حية، هي آخرما يباع من المتاع .. غير أن الصرخة رغم كل شيء واقفة، صاحبي القديم ظل يصرخ دهرا، ظل يسري في البلاد، بكل غناء يشدو، وكل نعيب من فرط الهلاك ينعي العباد، قبل أن تنطفئ شمس الله في بغداد، وبعد خرابها إرم ذات العماد، ولم تسقط الصرخة، أسمعه الآن المجاطي من مقبرة الشهداء برباط الفتح أمس ينفض عن أرض المغرب اللحد، ويستأنف العدّ، ولسان الشاعر فيه ما انفك يكابد: ظمئنا والردي فيك / فأين نموت يا عمة؟! . إنما، كيف أبقي أمامها، أي في لا هنا، حيث لا ينبغي أن أوجد، والحرب مشتعلة في الهناك الصحيح، حيث ترسانة غولدا وغوندوليزا ترسل القتل الصريح، تجريان محادثات تدور دائما في جو ودي، يتم فيها التوقيع بجميع حروف الأبجدية علي إبادة العرب، شرقا وغربا، حتي لا يبقي لقحطان وعدنان أثر، وتوأد العربية قبل أن تنجب في الخلق محمدا أو عليا وعمر. حتي توأدَ أو تصير أمَة، مثل سائر هؤلاء الغلمان والهَرَمة، ُكروش وعروش تتوسطها نجمة داوود وتزحف علي خلفها، يجرها السيد اليانكي لتولغ في دمها الذبيح. ويحها الكلمات لا تعرفني، الموت الزؤام شاخص لي، قدّت أمتي من دُُبُرٍٍ، غولدا تعربد في سماي، تحرث أرضي بلحم أهلي، محراثها عظم جدي وأولادي، وسمادُها نومي علي حكي أمي، تاريخ تنتن بالهوان، وأطلال أحبة كانت هواي. لا أعرف حتي وجهي، نظري في صورة القتل، قتل العربي الزّريّ، يرتدّ لي، تارة يصفعني بالإنكار، أخري يبصق في وجهي، اتفو!، أوَلاََ تعرف معني العار؟! أصابعي تنسل عن يدي نافرة في الهواء، لا تعرف ما الورق، عنها تصدّ الكتابة، جفّ ما كان من حبر، وفاض الدم عن محبرة الكآبة. أردت أن أستردها فتجمعت قبضة ًهوت علي رأسي: أفق، الأصابع هي للزناد اليوم يا ولدي، للقتل المباح، لتواقيع الهمج الجدد، أنبياء الحداثة العظمي علي بروتوكول إبادتنا، أفق، غدا ستمطر دما ملء سحابة! بلي اليوم. جُستُ العتبة، ولم أجانب الجثث المنتشرة، ولا الأشلاء ما انتثر منها، وما هو بعد راجفٌ فوق ركام قصف الشمطاء غولدا، وتباريح ليزا الفُجّار، راعش بأصبع الشهادة، بعد تفجيرأصبع الديناميت في دبابة القتلة. صرتُ بالداخل دفعة واحدة، فإذا الكلمات الموتي أحياء، هم دائما عند ربهم يرزقون، تحتاج إلي الفرسان والإيمان وفحول الشعراء. بلي سمعت في باحة الحرم الشريف، وبلسان الشرفاء الأحرار: ستخون لو عاديتنا، نسيتنا، فذاك ما يريده الأعداء، أن تسقط البندقية، يأسن نهر الكرامة فينا، يجف في كل الحناجر منا نبع النداء. انظر، إنهم بيد يضغطون علي زرّ الدمار، وبالأخري يهيؤون لنا أنسب العبارات لسلام الجبناء. أخذتها، إني لأحضُنها، أمسح الجرح عنها بجراح نازفة، أهيل علي الموتي خشية غربان أخري ظل أشجارالله الوارفة، من يدري قد يساعدني الله فيعيد الروح إلي هذي الرّمم، أو يرمينا إلي هذا الحد إلي الهباء؟! الأطفال الذين علي طريق الموت حروف مضيئة، كل طفل نجمة هوت وأينعت في الأرض حديقة، كل وليد سيولد عندنا غدا شهيدٌ بقتلك أيها المجرم بوش، دعني من آذانهم في يدك النخاس، وجه زينب قانا إلي أبد الدهر ثأرسنطلبه وبيان حقيقة. وحدها بعد ملاذنا أم سنكفر أيتها السماء. وحدها زينب والصحب الملاك أشلاء في العراء.. فلا نامت أعين الجبناء .الكلمات التي كانت سابقا، فخر أبي الطيب في البيداء،اقتحمتني، وتفجرت، لا تفهم العتبات هي، ولا لغة الحُداء.العربية اليوم إذا لم تصبح قذيفة في وجه قاتل زينب والصبية الأنبياء،كل هذه العربية، الأرومة، العقيدة، دنان الزمن، هل هي محض هراء؟ تجاوزتني الكلمات. أنا لا أكثر من جدث، قربة منفوخة في الهواء.الكلمات دفنتني ـ قد حسبتني حيا ـ وطارت إلي معراج الشهداء. كاتب من المغرب0