الحرب في مواجهة الدين والسياسة
عارف أبوحاتمالحرب في مواجهة الدين والسياسة ليس في الحرب شيء جميل، لكن أجمل ما في الحرب السادسة لدولة عربية مع الدولة العبرية، هي أن ميليشيات حزب الله كشفت أن دولة اسرائيل العظمي قابلة للانكسار والهزيمة، وبامكانيات محدودة. هذه الدولة التي طالما أرعبت حكاماً وأخافت شعوباً، وتسابق في تقديم الولاء لها زعماء وعملاء، نجدها الآن تعلن حالة التعبئة العامة، وتستدعي الاحتياطي من جيشها لمواجهة ميليشيات حزب، بعد حرب لم يقدر لها العقلاء. وفي تقديري أن رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود أولمرت، ووزير دفاعه عمير بيرتس، وهما الشخصيتان المدنيتان وقعا ضحية لقادة الجيش ـ وفي مقدمتهم قائد الأركان دان حالوتس ـ الذين لم يقدروا للحرب، والحزب، حجمهما الحقيقي، بل اقنعوا الحكومة بأن خمسة أيام كافية لاستئصال شأفة حزب الله. وأظهرت افرازات المعركة أن نزع سلاح حزب الله بالكامل، وهم يتبدد كلما اتسعت ساحة المعركة، ويصغر كلما طال أمد الحرب، وليس هناك سوي خيارين لايقاف النار التي أشعلتها قذيفة اسرائيلية، فوق أرض لبنانية، وبارك اتساعها بترول عربي، وزاد في اضرامها رياح دعم امريكية قادمة من وراء المحيط!! الخيار الأول: أن تضع الحرب أوزارها بضغوط دولية، طبقاً لرؤية قمة دول الثماني المنعقدة في (سان بطرسبورغ)، أو نتائج قمة روما، وكلاهما تتضمن مطالب اسرائيلية غلفتها التنقية الأمريكية بأغطية دولية. وقد تطوعت وزيرة الخارجية الأمريكية (كوندوليزا رايس) بحمل المطالب الاسرائيلية الي الجانب اللبناني في الـ ( 24) من يوليو الجاري، وقدمت املاءات وصفتها بأنها (كلٌ لا يتجزأ) وكانت تعرف أن لا أحد سيستمع الي أية مبادرةٍ قبل ايقاف اطلاق النار، ولكنها أرادت اعطاء وقتٍ اضافيٍ لاسرائيل حتي تنهك البنية التحتية لحزب الله، ويظل عاجزاً عن الفعل لعدة سنوات، وهذا ما يريده قادة الجيش الاسرائيلي. كانت املاءات (رايس) معقدة التركيب، مستحيلة التطبيق علي الأرض، لخطورة دلالتها علي الجانب اللبناني، وهي: أولاً: نزع سلاح حزب الله ـ وسواء كان النزع قبل أو بعد ايقاف اطلاق النار ـ فهذا معناه تحويل حزب الله الي جماعة سلمية تكتفي بالشعارات والتنديد، وبالتالي يتحول حسن نصر الله بكل كاريزميته الي أسد منقوش فوق سجاد، لا يدفع عن نفسه حتي الغبار. ثانياً: أن ينسحب حزب الله الي شمال نهر (الليطاني)، وهذا معناه نسف كل الجهود السابقة له، وتحويل اعجاب الشارع اللبناني بحزب الله، الي نقمة لأنه تسبب بهزيمة مذلة بعد نصر عزيز. ثالثاً: احلال قوات دولية في منطقة تمتد لـ(20) كيلومترا في العمق اللبناني، وهذا معناه وضع لبنان تحت الوصاية الأمريكية، سواءً كانت القوات الدولية من حلف (الناتو)، أو قوات بقيادة الأمم المتحدة. وفي هذه النقطة ملاحظتان تثيران الخوف: الأولي: أن تجربة كل من القوات الأمريكية، أو القوات الدولية غير نزيهة البتة، فأمريكا اثبتت انحيازها التام لاسرائيل، ولا تزال قلوب عربية كثيرة تخفق خوفاً منها،ونقمة عليها،جراء تصرفاتها المطلقة العنان في العراق، ولبنان الثمانينيات، ومصر الخمسينيات، وسورية، والصومال، وليبيا،و…و… (ومتي القلبُ في الخفقان اطمأن)! الثانية: ان القوات الدولية ثبت تواطؤها مع اسرائيل وانصياعها لأمريكا، وآخرها أثناء الاجتياح الاسرائيلي لسجن أريحا واعتقال أمين عام الجبهة الشعبية أحمد سعدات، في منتصف مارس الماضي. ثم ان القصف الاسرائيلي المتعمد ـ بحسب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ـ يستهدف ذوي القبعات الزرقاء، وجعل عددا من الدول تعتذر، وبمسوغات غير مقنعة، عن ارسال قوات دولية الي الحدود اللبنانية مع اسرائيل، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا اللتان قالتا بأن قواتهما منشغلة في العراق وأفغانستان، وفرنسا التي طالبت بتوضيح لمهام هذه القوات، وبقيادة من ستكون، وألمانيا التي قالت ان لديها التزامات في البلقان والكونغو، وهولندا التي قالت بأن لدي قواتها التزامات، لم تفصح عن طبيعتها!! ثم لماذا يراد للقوات الدولية أن تكون داخل العمق اللبناني، وليس في العمق الاسرائيلي، مع أنه المعتدي، وصاحب مبادرات الحرب، أليس الهدف من ذلك هو وضع لبنان تحت الانتداب الأجنبي، خاصة اذا ما كانت هذه القوات من (الناتو)، المقبوض زمامه بيد الولايات المتحدة، حيث أكبر عدد من الأفراد فيه ينتمون لدولةٍ فقيرةٍ مثل (بنغلادش).الخيار الآخر لايقاف الحرب السادسة مع دولة عربية، هو أن الحرب ستضع أوزارها بعد وقتٍ طويل،تتكشف فيه أوراق كثيرة، وتخرج فيه الأصوات عن التورية، والحرب الكلامية،واللعب بالأوراق السياسية والأمنية. فالحرب الملتهبة مساحتها أكبر من مساحة المنطقة الواقعة فيها (جنوب لبنان وشمال اسرائيل)، ودوافعها أكبر من مجرد استعادة جنديين أسيرين بيد حزب الله، والقدرات الواقفة وراءها أقدر وأكبر من ميليشيات حزب الله،وتقنيات الجيش الاسرائيلي. انها حربٌ بالوكالة بين لدودين قديمين (أمريكا وايران)، ففي حين أعلن الكونغرس الأمريكي عن (تأييده لقرار يدعم اسرائيل في حربها ضد لبنان) وتحذير (رايس) لسورية من التدخل، جاء الرد الايراني معترفاً بأنه دعم حزب الله في المرحلة السابقة، ومحذراً من أن أي عدوان ضد سورية سيضطره للتدخل. وعندما قال المندوب الأمريكي لدي الأمم المتحدة (جون بولتون): (كيف نوقف اطلاق النار مع مجموعة من الارهابيين)، جاوبه مرشد الثورة الايرانية علي خامنئي: بأن الجنوب اللبناني هو البوابة التي ستقود الي تحرير القدس وفلسطين. ولم يكن قول الرئيس أحمدي نجاد ان (بوادر عاصفة في المنطقة قد بدأت، ومن يزرع الريح سيحصد العاصفة)، غير ردٍ علي طرح الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته بأن (شرق أوسط جديدا سيولد، وما الحرب الجارية الا آلام مخاض قبل الولادة). هكذا اذاً هي الحرب، تفويض، ووكالات غير معلنة… وسواءً كانت كذلك أم لم تكن، فيجب التأكيد علي وجود تخاذل عربي تجاه لبنان،كانت أبسط دلالاته اعطاء ضوء أخضر، واشارة عبور، للقوات الاسرائيلية، ولم يكن رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري مغالياً حين قال: (ان هناك تآمراً عربياً، ولا يوجد موقف عربي يختلف عن الموقف الأمريكي من الحرب)، أو حين قال مستفسراً: (أنعاقب في حربنا مع اسرائيل بدوافع مذهبية وطائفية). ولم تشفع عروبة اللبنانيين عند أبناء عمومتهم، فالجهود المبذولة من الرئيس علي عبدالله صالح، وأمين عام الجامعة العربية عمرو موسي، لم تفلح في جمع الشتات العربي في قمة عربية استثنائية، كل ما سيصدر عنها ليس أكثر من بيان شجب وتنديد، ومطالب لمجلس الأمن بالتدخل الفوري لوقف اطلاق النار، أما علي الأرض فلا يعول من الجامعة العربية فعل شيء.. يذكر (نبيه بري أن اتصالاً تلقاه من الرئيس صالح قال فيه: نبيه، اليمن دعت الي عقد قمة عربية طارئة لمناقشة خطورة الوضع ، فرد عليه بري: لن يسمحوا لك بعقد هذه القمة، لأن أمريكا تريد اعطاء اسرائيل وقتاً اضافياً لحسم المعركة ، ويضيف بري بامتنان: وبعد فترة اتصل بي الرئيس اليمني وقال لي: اذا لم تعقد القمة حتي الـ((25 من يوليو، سأضع كل طاقات اليمن في خدمة القضية اللبنانية .وهذا ما حدث علي الأرض، نكسة سياسية عربية ازاء قضية لبنان، بدأها الساسة بدوافع الخوف علي مصالحهم، واتبعهم بعض من رجال الدين، بدوافع التبعية والتمويل، وبقيت الحرب وحدها صامدة في مواجهة الدين والسياسة. وربما أصابت الانفجارات الاسرائيلية في لبنان الموقف العربي بغيبوبة، ومثله الموقف الدولي، الذي لم يتبنَ حتي الآن موقفاً يدعو فيه، لوقف اطلاق النار، بل لم يتمكن المجتمع الدولي ـ بحسب رئيس الوزراء اللبناني ـ من تسليم لبنان خارطة الألغام التي زرعتها اسرائيل في الجنوب اللبناني خلال سنوات الاحتلال. حربٌ بالوكالة، أم لم تكن، فالمطلوب الآن ـ أمريكياً علي الأقل ـ نزع المخالب الجارحة من اليد الايرانية، حتي يسهل التقاط الملف النووي الايراني، ووضعه علي طاولة المفاوضات، بمواصفات، واشتراطات أمريكية، ليس أقلها وقف تخصيب اليورانيوم، والتوقف عن دعم سورية، وحزب الله، بل ضرب وتفكيك التقنية النووية الايرانية، وتأمين المصالح الأمريكية (البترول)، ووكيلها في المنطقة (اسرائيل). فحتي الآن لم تتمكن اليد الأمريكية من التقاط الملف النووي الايراني،رغم حشد العواصم الغربية الثقيلة في صفها، لأن اليد الايرانية وان وُضِعت علي طاولة المفاوضات وفي راحتها الملف النووي، الا أن مخالب حادة تملأ أصابعها، ستجرح من يحاول التقاط هذا الملف. ولا يمكن لليد الأمريكية أن تغامر بفعلٍ ما، قبل نزع هذه المخالب، لأنها يد ناعمة بطبيعة الحال، مهما ظهرت عليها ملامح القوة!! المخلب الأول في اليد الايرانية هو (شيعة العراق)، فالحرب، والاحتلال ،وديمقراطية أمريكا لم تفرز غير رئيسٍ وحكومةٍ عراقيةٍ مواليةٍ لايران حتي مخ العظم، حاربت أمريكا، وكسبت ايران، وللأخيرة قدرتها علي قلب الطاولة في الوجه الأمريكي داخل العراق، عبر الآيات والملالي الموالية. المخلب الثاني هو حزب الله، القنبلة الموقوتة المتموضعة بالقرب من الرأس الاسرائيلي (في الشمال)، رأس الوكيل الراعي للمصالح الأمريكية في المنطقة. (وفي اعتقادي أن الانسحاب الاسرائيلي من مزارع شبعا اللبنانية، وتبادل الأسري مع حزب الله، سينهي الصراع بين الطرفين، ففي كل مرة يظهر فيها قادة حزب الله، لا يطالبون بأكثر من ذلك، لكن امريكا مصرة علي كسر اليدين السورية والايرانية داخل لبنان).المخلب الثالث هو النفط، عصب الحياة الغربية… أحد رؤساء أمريكا ـ أظنه نيكسون- خاطب شعبه بالقول: أنتم تمثلون 6% من سكان العالم، وتستهلكون 60% من نفطه، فالنفط هو الدم الساري في شرايينكم. وايران تملك 12% من الاحتياطي العالمي للنفط، المقدر بترليون برميل، ومجرد ايقافها عن التصدير سيرفع سعر البرميل الي أرقام خيالية. رابع المخالب هو تأمين ممرات النفط القادم من دول الخليج، خاصة من السعودية التي تملك (25%) من الاحتياطي العالمي، وكل هذه الدول تصدر نفطها عبر السواحل الشرقية،بموازاة الساحل الغربي لايران. ويتمثل خامس المخالب في اليد الايرانية، بالاتفاقيات العسكرية والأمنية والاقتصادية التي تربط ايران ببلدين من وزن روسيا، والصين، وهي اتفاقيات تحاول ايران تفعليها بصورة أكبر، كلما مر الوقت، وتوالت حدة الضغوط عليها، بشأن برنامجها النووي. فالاستثمارات الروسية في مجالات الطاقة في ايران تصل الي أكثر من مليار دولار سنوياً، أما الصين فان 60% من صادرات النفط الايراني تذهب اليها.ہ كاتب وصحافي من اليمن[email protected]