حياة بائسة في أحياء جوهانسبيرغ تقود الي الإجرام

حجم الخط
0

تسوتسي كأفضل فيلم أجنبي:

يحيي القيسي

هذا عمل سينمائي متميز فاز بجائزة الاوسكار كأفضل فيلم اجنبي، وراح يزاحم بجماليات قصته وتصويره واخراجه افلاما كبري في ميزانياتها، واسماء العاملين فيها من ممثلين ومخرجين، اما كاتبه ومخرجه فهو غافين هوود، واحداثه تدور في تجمع سكني فقير غيتو قرب جوهانسبيرغ في جنوب افريقيا، وهو ناطق بلغة الافارقة في تلك المنطقة، اما معني اسمه Tsotsi فهو رجل العصابة او المجرم، وهذا ما نعرفه لاحقا عبر احداث الفيلم التي يكون فيها الشخصية الاساسية بهذا الاسم تسوتسي، ويقوم بدوره الممثل بريسلي شوينياغي، ونكتشف ان اسمه الاصلي ديفيد، وانه عاش حياة بائسة لوالد سكير قاس، وام مريضة، ولهذا خرج الي الشارع باحثا عن الحياة التي سرعان ما صنعت منه رجلا شريرا يعيش علي السرقة والنشل والقتل ايضا، ثم نتعرف علي افراد عصابته الذين يأتمرون بأمره، فهناك بوسطن، المعلم الفاشل موثوسي ماغانو، ومن يدعي بالقصاب الذي يقتل بدم بارد زينزو ناكوبي، والسمين الطريف كينيث نكوسي. ورغم ان الفيلم عن حياة قائد هذه العصابة تسوتسي وجرائمه، الا انه ليس فيلما عنيفا، او من افلام الاكشن الثقيلة بالمشاهد المتلاحقة، اذ العنف هنا مكثف في بضعة مشاهد، ذات دلالات غنية، ومؤثرة.

علي اية حال فان بؤرة الفيلم كما اشرت هو تسوتسي ذو التسعة عشر خريفا، وما يعانيه من اشكاليات نفسية في تعامله مع الآخرين، وردود فعله غير المتوقعة، ذلك ان حياة تشرده في الطفولة تأتي هنا كاسترجاع حاد بين الحين والآخر، لتبين لنا كمشاهدين ملامح منا، تحكم اليوم سلوكه في كبره، ففي لحظة صدام مع رفيقه بوسطن، وبعد ان ضغط عليه ليكشف عن اسمه الحقيقي او يشرح معني الاحترام والاستقامة، فان رده كان الانقضاض عليه واشباعه ضربا، وهجر رفقته.

غيتو اسود مزدحم تدور احداث الحكاية كما اشرت بداية في تجمع بشري فقير، من بيوت الصفيح غالبا، وبعض المنازل المتواضعة، ويبدو سكانه علي درجة عالية من الفاقة، وضعف الخدمات، ولا سيما المياه التي تضطرالنساء للحصول عليها عبر نقلها من صنبور ماء واحد للحي بأجمعه، مما يجعلهن يصطففن في دور طويل، ونقلها في اوعية متنوعة، وتنقل لنا الكاميرا مثل هذه المشاهد بكل بؤسها، وكأننا في الحي نفسه بعيدا عن شعورنا باننا نشاهد فيلما سينمائيا، فالتماهي هنا واضح بين الواقع والفن.

تسوتسي يقود عصابته الصغيرة الي المدينة القريبة، ويبدأ بالبحث عمن يسرقهم او ربما يقتلهم طمعا في المال علي الأغلب، وتصور لنا الكاميرا هذه العصابة وهي تختار رجلا قد وضع بعض المال في جيبه، وتلاحقه داخل المترو، وحين يحاول ان يعترض علي من يمد يده الي جيبه وسط الزحمة، تأتيه سكين القصاب الرفيعة، لتنغرز في قلبه بكل هدوء دون ان يشعر به احد. في لقطة اخري نتعرف علي المشهد الذي اجري تحويلا في حياة تسوتسي، فقد راقب احد المنازل في ليلة مظلمة، وسرق سيارة المرأة القادمة للتو الي البيت، وحين حاولت الاحتجاج اطلق النار عليها وهرب بالسيارة، رغم انه لا يتقن السياقة مما جعله يتخبط بها ذات اليمين وذات الشمال، وفي النهاية يتركها معطوبة علي قارعة الطريق، وفيما هو يغادرها اكتشف طفلا رضيعا في الكرسي الخلفي، وعند هذه اللحظة بدأت الحبكة بالتأزم، ولا سيما وهو يضع الطفل في حقيبة ويأخذه معه الي البيت، هنا بدأ دون تخطيط في التورط بالتعامل مع عالم جديد، وتذكر طفولته البائسة، وهو يحاول ان يطعم الطفل او يتعامل مع صراخه، لقد بدأ الفيلم متقنا الي درجة عالية، وكأننا كما اشرت نشاهد حياة تجري امامنا بكل صدقها، وليس لقطات من فيلم.

تدخل مرحلة اخري في حياة تسوتسي وهو يتابع امرأة شابة من حيه تدعي مريم تيري فيتو وهي تحمل طفلها، وقد اقتحم بيتها عنوة، وطلب منها ان تطعم الطفل الذي جاء به في حقيبة دون ان يراه احد، وبالطبع لا توجد اية خيارات لامرأة وحيدة يقف امامها رجل عصابات وفي يده مسدس محشو، وخلال هذه العلاقة نتعرف علي ان هذه المرأة ارملة، وقد قتل زوجها من قبل بعض الاشرار، الذين يشبهون تسوتسي، وبينما تتطور العلاقة بهدوء تظهر بعض الجوانب الانسانية في شخصية هذا المجرم، فيبدأ بالتفكير في اعادة الطفل الي حضن امه، وينتصر هذ الجانب في النهاية لكن يكون الثمن باهظا لهذه العودة، وعلي اية حال فان التفصيل قد يساهم في فقدان التشويق، ولهذا رغبت في هذه الاشارات فحسب، لكن هناك حكاية فرعية مؤثرة، ضمها الفيلم، وهي لقاء تسوتسي بالمتسول المقعد علي عجلته، وذلك الحوار المؤثر الذي دار بينهما، في زاوية مهجورة من المدينة، فكلاهما ضحية، تسوتسي ضحية فقره وظروفه العائلية القاسية، وهذا الرجل ضحية عمله الذي قاده الي حادث قصم له ظهره، واقعده متسولا في الطرقات، ويبدو ان المخرج قد استطاع ان يشتغل علي شخصيات حقيقية من الواقع لجعلها تقوم بأدوارها الطبيعية، وليس العكس اي الاشتغال علي الممثل ليقوم بأدوار لأناس معينين. وعلي كل حال ففي لقاء تسوتسي والمتسول المقعد يبدو الفيلم قد بلغ مرتبة عالية من التميز، والقدرة علي الدخول الي اعماق النفس البشرية واشكالياتها، وعلي كل فان كل شخصية من الشخصيات تبدو انها كما ذكرت طبيعية، وكأننا في مشاهد لفيلم وثائقي، وليس دراميا، بالطبع حفل الفيلم ببعض العناصر البوليسية، من رجال شرطة ومحققين، ولكن الامر كان مقبولا وضمن ما هو متوقع، ولم يتحول الفيلم الي فيلم اكشن ومطاردات مجانية بمبرر او بدونه، ومن جهة اخري فهو فيلم مخصص للسود فكل الشخصيات فيه من السود، رجالا ونساء ما عدا محقق الشرطة الابيض، وربما لهذا الامر دلالة، فهذا الفيلم مخصص لمعاناة المجتمع الاسود، وليس للصراع بين الطرفين، وبما ان احياء السود فقيرة غالبا، فان ظهور الشخصيات السوداء كان مبررا، ومقنعا، ما دام الموضوع لا دخل له بمعاناة السود من البيض، وربما يأتي اختيار المخرج هذا بشكل ذكي لينقل القضية الكبري الي مربعها الاول.

جماليات الاخراج الفيلم المأخوذ اصلا عن رواية للكاتب اثول فوغارد جاء في 94 دقيقة، تميز بقدرة مخرجه علي تقديم صياغة بصرية مدهشة، فاللقطات منتقاة بعناية، وستظل اللقطة الخاصة بالاطفال الذين يعيشون في الانابيب الاسمنتية الضخمة، كأنها بيوت من طبقات، فيما الامطار تهطل عليهم بغزارة من اللقطات النادرة التي تبقي عميقا في الذاكرة والوجدان، اضافة الي القدرة علي تصوير المجتمع بأدق تفاصيله من داخله، وليس من الخيال، وربما تبدو صورة الطفل وهو يرضع من علبة حليب فيما النمل قد هاجم وجهه ايضا من الصور المؤثرة، والمبتكرة.

اما مسألة العناية بالجانب النفسي للشخصيات والتعبير عنها، فهذا امر كما اشرت كان واضحا، وربما يدلل ايضا علي مدي قدرة الممثلين الاحترافية رغم انهم ليسوا نجوما معروفين بعد في الولوج الي اعماق هذه الشخصيات وتقمصها، دون ان يلاحظ المشاهد ذلك، فهو يري شخصيات من الواقع تجري احداثها امامه، اما الموسيقي فهي حالة خاصة، استطاعت ان تواكب اللحظات الدرامية صعودا وهبوطا لتعبر عنها، وهي منسجمة مع طبيعة المجتمع، وتسمي الكوايتو وهي تعادل موسيقي الهيب هوب في المجتمع الامريكي، واضافة الي كل ما ذكرت يبدو ان ميزانية الفيلم ليست باهظة، ومع ذلك فاز بالاوسكار لافضل فيلم اجنبي، وربما مثل هذا الفيلم الافريقي يطرح السؤال لنا في البلاد العربية: لماذا لا يمكننا ان نصنع فيلما متميزا علي المستوي العالمي مثله او افضل منه؟ والي متي تستمر السينما العربية ممثلة بالسينما المصرية في تقديم الافلام التجارية المستهلكة، التي لم تعد تقنع احدا في ظـــــل التطورالمتواصل للسينما العالمية شكلا ومضمــــونا، وفي عصر اصبحـت فيه السينما اداة اتصالية بالغة الاثر علي الناس، الا تكفي 111 سنة من انطلاق السينما لتقول لنا: يكفي تهريجا، ولننظر الي تجارب الآخرين بكل صدق ورغبة في التجديد؟

كاتب من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية