بعد الإنجاز اللبناني: ما هو مستقبل البطالة الدفاعية العربية؟
مطاع صفديبعد الإنجاز اللبناني: ما هو مستقبل البطالة الدفاعية العربية؟بعد كل حرب أي حرب إقليمية أو عالمية، يأتي دور السؤال الكبير عمن يتحمل المسؤولية عن كوارثها. وهو السؤال الأهم والأبقي فوق السجالات العقيمة والآنية حول الانتصارات والهزائم علي أهميتها عادة في التاريخ التسجيلي. فإذا تابعنا قليلاً كلاً من المشهدين اللبناني والإسرائيلي داخلياً نجدهما غارقين في خضم متلاطم من المهاترات السياسية، بل السياسوية الموجهة غالباً نحو أهداف فئوية متنافسة فيما بينها منذ ما قبل الحرب، والمتصاعدة بعدها بأسلحة دفاع وهجوم جديدة، وفّرتها محصّلات الجبهات، سواءً منها المعبرة عن حقائقها أو المزيفة لها.إن العدوان الأمريكي الاسرائيلي علي شعب لبنان وعمرانه وطبيعته لم يعد يستوعبه مفهوم الحرب. لقد تجاوزه إلي تسميته الأصلية بالهمجية البدائية الخالصة. فما يستدعي التفكير حقاً هو ما تعنيه هذه الهمجية عينها ليس بالنسبة لإيحاءاتها المباشرة أو المتداولة، بل لما اكتسبته من الخصائص غير المسبوقة في همجيات الحروب المعروفة عبر تاريخ العنف الغربي الحديث والمعاصر بصورة خاصة. فضلاً عن كونها حلقة متقدمة من سلسلة ذلك النوع الموصوف بحرب الدولة عالية التقنية ضد الشعب المستضعف لكن المستقوي بقضيته الإنسانية أولاً، فإن لها امتيازها الاستثنائي بما آلت إليه عبْر تجربة الصمود غير المتوقع الذي يقلب ثقافة العدوان رأساً علي عقب، واعتباراً من خططها الغادرة، إلي أدواتها البالغة أقصي الإبادة الكلية للبشر والحجر، إلي أهدافها الخبيثة في إعادة شرعنة الهمجية كتتويج نهائي لحضارة العنف، وتكريسها علي أنها هي الخيار المتبقي لإنسانية اليوم والغد.هذا (الصنف) من حرب الدولة الكبري عالية التقنية الاعدامية، علي الشعب المستضعف، بل المستقوي بقضيته الإنسانية فقط، هو من إختراع الأمركة في طور الأمبطرة، وقد افتتحتها في (حفر الباطن) مع قيادتها للعدوان العولمي، الأول من نوعه أيضاً، ضد العراق، حين ارتكبت قيادته آنذاك خطيئتها التاريخية الفاصلة في الاستيلاء الأهوج العابر علي الكويت؛ ثم جاءت الحلقة الثانية في صورة حصار السلم القتال المضروب علي العراق ككل، تحقيقاً لتحلل قواه المادية والبشرية. وأتبعتها بالحلقة الثالثة، أو حرب الضربة القاضية للإجهاز علي الدولة والمجتمع والحضارة مرة واحدة، وتحت هول القذائف الذكية إياها بحمولتها من مئات بل آلاف الأطنان من المتفجرات شبه النووية، والتي سوف تهديها لشريكتها إسرائيل كيما تستخدمها كأمضي سلاح شامل لتدمير لبنان، لكن دون الفوز مع ذلك إلا بالعدوان الفاشل، والفريد من نوعه، في سيرة الكيان العبري.إنها إذن الحلقة الرابعة في نوع الطغيان العدمي المميز لآخر إمبراطوريات التاريخ. وفيها تغدو الحرب أذكي هندسة تقنية في تنظيم الكارثة الشمولية، عرفها تاريخ الهمجية عبر إيقاع إعادة انتاجها من عصر مظلم إلي آخر. لكن العدوان الحالي يتفوق علي نفسه. يعيد إنتاج الهمجية بما يتخطي كل خصائصها التقليدية. إنها الهمجية العمياء التي تنهي كل فارق في الطبيعة بين وسيلتها وهدفها. بما إن ممارسة التدمير الشامل عن سابق تصور وتصميم لا تسمح لأصحابها بجني أية مكاسب خارجة عن طبيعته، فإن (مكر التاريخ) هو الذي يتكفل عادة بحرمان المجرم المحض من التمتع بأية ثمرات إيجابية لارتكاباته في نهاية كل شوط. ما يعنيه المجرم المحض هو الذي يستبد به طغيانه حتي يتحول أخيراً هو نفسه إلي الضحية الأشقي من بين ضحاياه الأخري.المجرم المحض يكسر مبدأ السببية، يصير هو العلة والمعلول. يقتل لا لسبب كاف ولا لغاية غير أفعاله عينها. إنه التمثال الأعمي الأبكم المجسّد فقط لعبثية العدم. والأمريكي الإسرائيلي يتعهد احتكار نموذج المجرم المحض تعبيراً عن أحادية سطوته علي العالم في هذا العصر. وفي النهاية، فالمجرم المحض ليس ثمة عقوبة في الأرض أو السماء تعادل ارتكاباته أو تمحو بعض آثارها. ليس هناك سجن يستوعب فظائعه. ولعل هذا ما (يسوغ) عجز أي شرعة دولية عن احتوائه حتي اليوم. اجتياح لبنان بالتدمير الشامل، لو حاول أرباب النظام العربي أن يفهموا بعض رموزه لأدركوا أن كل متعامل مع المجرم المحض هو مشروع قتل أو استثمار بالنسبة له، إما جسدياً وعمرانياً أو اقتصادياً وسياسياً. ليس هناك خيار واحد إزاء المجرم المحض سوي الانضمام إليه، والالتحاق بآلته كجزء تافه من أجزائها أو الانسحاق تحت عجلتها. التحالف معه هو افتئاتٌ علي هويته لا تسمح به، ولا يقدر هو عليه. لا تجاور ولا تساكن معه فيما يعتبره (مجاله الحيوي). كل الوطن العربي هو مكانه ولا أمكنةَ لسواه فيه. فالتهادن معه يعني التبرع والتنازل الطوعي عن الوطن كمجال حيوي محتكراً له وحده. ويصير الآخرون بعروشهم وثرواتهم مجرد أدوات لمشاريعه.لعل أكبر خديعة يمارسها النظام العربي ضد نفسه وشعوبه معاً هي ترسيخ الاعتقاد باستحالة ما يُصطلح عليه بالتوازن الاستراتيجي مع العدو. فإذا ما استحال هذا التوازن، ثم استحال التهادن بعده، ماذا يتبقي لأرباب النظام سوي الاستسلام المجاني. حتي العروش والثروات لن تبقي لمغتصبيها اليوم أو غداً، كيما تُورّث لسلالاتهم من بعدهم. هذا التوازن الاستراتيجي الذي عجز عن تحقيق أبسط شروطه مجموع الدول العربية خلال خمسين سنة من الصراع، أثبتت قوة شعبية محدودة في لبنان (الصغير؟) إمكانَ فرضه علي الآلة العسكرية الجبارة التي بنتها إسرائيل خلال نصف قرن كامل، وخلال هذه الحقبة الطويلة التي كانت تضاعف اسرائيل من جاهزياتها القتالية عدة مرات وتتسلح بأعلي آلات التدمير الشامل المبذولة لها كمّاً ونوعاً من مستودعات الجيش الامريكي، كان النظام العربي مستغرقاً أولاً في تدعيم تسلطه علي شعوبه، وتحويل جيوشه إلي قوي بوليسية واستخبارية، والامعان في حرمانها من أية أعتدة دفاعية متقدمة؛ هذا لم يمنع أقطار البترول خاصة من إنفاق مئات المليارات في شراء أغلي الاسلحة المشروطة مقدماً بمنع استعمالها، أو حتي التدرب عليها. وإن استعمل بعضها في غزوة (حفر الباطن) ضد الجيش العراقي.بينما كانت اسرائيل ماضية في استغلال ما سمي بمسيرة السلام، فقد ألزم النظام العربي نفسه بعناوينها كلها واحتراف بطالة غبية في كل شأن دفاعي وطني أو قومي، فانهارت اسطورة التوازن الاستراتيجي ليحل مكانه ليس مبدأ التفوق / والتفرد بالتملك من أعلي تسلح وتدرب ممكنين في هذا العصر فحسب، بل إطلاق العنان لتدخلها ما وراء حدود كل دولة في محاولة دائبة لمضاعفة السلطة الحاكمة بسلطة أخري غريبة، مقنعة وراء مراكز نفوذ في مفاصل الدولة، ومتحركة بالتوجيهات الأمريكية وبالتالي الاسرائيلية. ما يعني أنه، وفي معظم الأقطار والنفطوية بخاصة، لم يعد ثمة قرار لحاكم فيها، حول أهم الأمور العامة بل أبسطها أحياناً، إلا وهو ترجمة محلية لإرادة أجنبية، بل محض أمريكية إسرائيلية.ما يقال عن العلل الحقيقية في إحباط مشروع النهضة العربية الثانية، وعلي امتداد حقبة الاستقلال البائسة، وإنشاء الدولة الوطنية الفاشلة، ينبغي إرجاعها، وفي أرومتها الأصلية، ليس فقط إلي الهزائم العسكرية أمام العدو المزروع في خاصرة الوطن، بل إلي هذه البطالة الدفاعية التي أعقبت عصر الجبهات الحدودية المنهارة، كيما تنطلق قوي التخلف والانحطاط من جديد، ممعنة في تدمير دفاعات الجبهة الداخلية؛ وتنجح أخيراً في إعادة قولبة الدولة والمجتمع بحسب نموذج دولة القمع والفساد، ومجتمع الوفرة الاقتصادية الزائفة العائمة علي سطوح العوز والتحلل الحضاري المتفاقم. ذلك هو الدافع اللاشعوري ربما، لاطلاق حملة الهجوم المضاد علي النصر اللبناني، في محاولة للإجهاز علي دلالته وتزوير أسمائه، ما أن فضحت إنجازاته النموذجية، أخطر انتاجات (المؤامرة المطلقة)، المتمثلة بامتياز في نظرية الاستيلاء علي بيت الهندسة المخطط للعمارة النهضوية، بدءاً من تحييد الثقافة الدفاعية من صلب تطورها المستقبلي.لكن، بعد الانجاز اللبناني هل ثمة تحييد إزاء المجرم المحض. إنه سؤال التغيير القادم.9