الاقتصاد اللبناني بعد العدوان
د. لويس حبيقةالاقتصاد اللبناني بعد العدوان يمر لبنان اليوم في فترة اقتصادية صعبة بسبب دمار الحرب والقصف والعدوان ودقة الحسابات السياسية كما بسبب قلة الأوراق التفاوضية الحقيقية التي يملكها. قبل أن تتعرض أية دولة لعدوان خارجي يجب أن تفكر مؤسساتها العامة بعمق! أولا في كيفية حماية المواطن ومعالجة أوضاعه اذا تحقق العدوان وثم في كيفية حماية الثروة المادية. هل لدينا في لبنان كدولة وليس كمجموعات أية استراتيجية مدروسة للدفاع والصمود؟ لماذا أبقينا لبنان مكشوفا أمام العدوان فكبرت الخسائر وتوسع النزف؟ هل هنالك من تقصير مقصود أو غير مقصود في التحضير الرسمي لهذه المواجهة التي يعرف الجميع أنها يمكن أن تحصل في أي وقت؟ فالدولة بمختلف مؤسساتها تعرف أن اسرائيل تنظر منذ نشأتها الي لبنان كاقتصاد مستقبلي منافس ليس فقط في الانتاج المادي وانما خاصة في الانتاج الفكري والعلمي والجامعي. لذا تقصف اسرائيل كل ركائز الاقتصاد اللبناني بدءا من اليد العاملة الي قطاعات الأعمال وسائر مقومات البنية التحتية والفوقية. تنظر اسرائيل بقلق الي لبنان كمجتمع متنوع نجح الي حد بعيد في تحقيق التعايش بين عدد كبير من المذاهب والتيارات السياسية والفكرية. لا ترتاح اسرائيل الي وجود لبنان متنوع وحيوي الي جانبها! اذ هذه هي المنافسة الحقيقية التي تواجهها وترغب في الانتصار بها. ها هي أيضا الحسابات اللبنانية الخاطئة وغير المدروسة تعطيها فرصة تاريخية تحاول عبرها تحقيق أهدافها الخطيرة أو بعضا منها.لم يكن الواقع الاقتصادي مريحا قبل الحرب لكنه أصبح اليوم أكثر خطورة. سيواجه لبنان بعد الحرب تحدي بناء اقتصاده من جديد ليس فقط من الناحية البشرية والانشائية وانما أيضا من الناحية المالية. من الصعب علي لبنان اقتراض الأموال الاعمارية التي سيحتاج اليها بسبب حجم الدين العام الذي يفوق ضعفي الناتج المحلي الاجمالي. ليس من السهولة ايجاد مقرضين في وقت تقوم خلاله مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية بتخفيض مرتبة لبنان. وحدها المساعات والهبات أولا وثم القروض من دون فوائد من الدول العربية والغربية يمكن أن تنقذ اقتصاد لبنان. لن تأتي هذه الأموال قبل أن يتحقق الاستقرار السياسي والأمني ويبني علي أسس ثابتة. ما قدمته المملكة العربية السعودية أخيرا من مساعدات انسانية وودائع وهبات مالية يمكن أن يشكل النموذج الصالح لكل الدول الصديقة. ان ارتفاع أسعار النفط يسمح للدول الخليجية العربية بتقديم المساعدات السخية لدولة المواجهة العملية الوحيدة.يواجه لبنان مشكلة انسانية واجتماعية وتربوية وسكانية وصحية نتجت عن الخسائر البشرية الكبيرة وعن نزوح مئات الألوف من اللبنانيين هربا من نار الحرب. لن تتمكن المدارس والجامعات من فتح أبوابها قبل معالجة مشكلة النزوح والتهجير. لن تتمكن المستشفيات من الاستمرار في العمل اذا لم تقدم لها كل أنواع المساعدات في هذه الظروف القسرية. التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه لبنان تكبر وتصعب والامكانيات الانقاذية الداخلية تضيق. هل يمكن للبنان مواجهة كل هذه التحديات مع ادارة عامة علي شفير الهاوية وأوضاع سياسية متأزمة وامكانيات مالية ضيقة جدا؟الاقتصاد اللبناني هو في سباق حقيقي مع الوقت. كان الناتج المحلي الاجمالي الفردي في سنة 1975 يساوي كلا من الناتجين الايرلندي والبرتغالي. لا يشكل الناتج اللبناني حاليا الا خمس الناتج البرتغالي وعشر الناتج الايرلندي. تشير هذه الحقائق الي التكلفة الكبيرة التي دفعها ويدفعها المجتمع اللبناني والتي سببت زوال الطبقات المتوسطة وتراجع أوضاع الفقراء. ان سوء ادارة مؤسسات الدولة المزمن للمرافق العامة وللمالية تحديدا سبب زيادة كبري في العجز المالي وفي الدين العام وأضاع فرصة الاستفادة من مؤتمر باريس 2 ويمكن أن يضيع فرصة انعقاد مؤتمر بيروت 1 بعد انتهاء العدوان. هل يمكن اصلاح المشاكل الاقتصادية والمالية بهدوء أم المطلوب تنفيذ جراحة في عمق مؤسسات الدولة وادارتها؟ المطلوب بعد انتهاء العدوان من مؤسسات الدولة أن تحسن انفاق المساعدات علي الحاجات الأساسية وخاصة الانسانية. تكمن التحديات الأساسية الأخري في اعادة بناء ما تدمر بسرعة كي تعود الحياة الاقتصادية الي ما كانت عليه أو أفضل. يجب معالجة أوضاع النازحين والمشردين والمصابين والمتضررين لتخفيف الآلام واستعادة ثقة المواطنين. التوقعات الشعبية بشأن العدوان الحالي هي سلبية! اذ أن المواطنين يتوقعون استمرارها لمدة غير قصيرة مما يجعلهم قلقين جدا علي بلدهم. يجب علي الحكومة أيضا أن تستمر في الاهتمام بكل ما يساهم في تحفيز النمو.لن تأتي الاستثمارات الجديدة الي لبنان قبل استتباب الأمن بشكل دائم. المعروف أن رأس المال جبان وبالتالي لن يتوجه الينا اذا بقي خطر الحروب والمواجهات قائما. تحقق الاستثمارات النمو وتسمح بالتالي باستيعاب اليد العاملة والخبرات والطاقات التربوية والجامعية. تأتي الاستثمارات العربية المباشرة الي لبنان من السعودية أولا وثم من الامارات فالكويت وتشكل 91% من المجموع. أكثر الدول استقطابا للاستثمارات العربية المباشرة هي الامارات يليها لبنان وثم مصر فالسعودية. لا بد من أن تحاول الدولة اللبنانية بمؤسساتها المختلفة ازالة العوائق الادارية والقانونية التي تقف في وجه استثمارات قطاع الاعمال. حان للادارة العامة أن تصبح صديقة وحليفة ومساعدة للعمال وارباب العمل. هذا يتطلب ذهنية جديدة! لم تظهر بعد في التعاطي مع المواطن والشركة بشفافية وصدق وجدية واحترام.ليس هنالك أي خطر علي سعر صرف الليرة اللبنانية اذ أن السياسة النقدية التي اعتمدت منذ التسعينات فصلت الاقتصاد النقدي عن الحقيقي. هنالك تجارب سابقة وقاسية كاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتي أظهرت واقعيا استعداد المصرف المركزي للدفاع عن سعر الصرف مهما كانت التكلفة. يملك مصرف لبنان اليوم ما يكفي من الاحتياطي النقدي للدفاع عن سعر الصرف وهذا ما سيفعله بالتأكيد. لذا لا يمكن المراهنة علي أي تغيير في السعر الحالي لليرة تجاه الدولار. أما الوضع المصرفي فيرتبط أكثر بالواقع الحقيقي! اذ أن محفظة القروض للقطاع الخاص ترتبط صحتها بمقدرة المؤسسات علي تسديد الديون. هذا الخطر ليس قويا في الوقت الحاضر وانما يمكن أن يزداد اذا طالت الأزمة العدوانية الحالية. لا ننكر أبدا أن المصارف اللبنانية تتحسب منذ زمن بعيد لهذا النوع من المخاطر وهي تضع احتياطيا كافيا ومؤونات مدروسة لمواجهة التحديات. لا يمكن بناء اقتصاد حديث من دون أسواق مالية فاعلة وشفافة ومتطورة. ما زالت أسواقنا صغيرة ومفككة مما يدفع المؤسسات للاعتماد علي التمويل المصرفي.لا بد مستقبلا من تطوير أسواق الأسهم والسندات الاقليمية تسهيلا للتمويل وتخفيضا للمخاطر وللتكلفة. لا بد أيضا من تطوير قوانين الاستهلاك والمنافسة مما يسمح بانخفاض الأسعار وتحسين الجودة واحترام حقوق المواطن والمستهلك. تنبع حقوق المستهلك اللبناني من حقوق المواطن وحرياته! وهي ضعيفة مقارنة بالغرب وحتي ببعض الدول الناشئة. هنالك وعي عام رسمي وشعبي الي ضرورة تنمية حقوق المواطن والحفاظ عليها! الا أن التطبيق ما زال ضعيفا وبطيئا بسبب السياسة والأعراف والتاريخ والتقاليد.التحديات التي تواجه لبنان اليوم هي كبيرة ولا يمكن التفكير الا في النجاح في المواجهة التي ستقرر الي حد بعيد مستقبل لبنان الاقتصادي. يجب أن نعي كمجتمع أن الخطر الاسرائيلي بالنسبة للبنان ليس فقط سياسيا وأمنيا وانما أيضا وخاصة اقتصادي وتنافسي. لن يزول الخطر الاسرائيلي مع الحل السياسي والأمني وانما سيبقي سيفا مسلطا فوق رؤوسنا. من المفروض أن تشكل هذه التحديات دافعا قويا الي التقدم والتطور والجهد والعمل حتي ينتصر لبنان في النهاية.ہ كاتب من لبنان8