حزب الله ربح عسكريا وجماهيريا وخسر سياسيا

حجم الخط
0

حزب الله ربح عسكريا وجماهيريا وخسر سياسيا

د. خليل قطاطوحزب الله ربح عسكريا وجماهيريا وخسر سياسيا اندلعت الحرب العربية ـ الاسرائيلية السادسة ـ او الحرب اللبنانية ـ الاسرائيلية الخامسة ـ في الثاني عشر من تموز (يوليو) الفائت، استمرت هذه الحرب ثلاثة وثلاثين يوما. طالت الحرب اطول بكثير مما حسبت اسرائيل والولايات المتحدة وبعض الانظمة العربية. لم تنته الحرب بانتصار اسرائيل كما في معظم الحروب السابقة. لم تستطع الآلة العسكرية الاسرائيلية انهاء الحرب لصالحها هذه المرة ولم ينقذها الا قرار مجلس الامن الدولي 1701. رحبت اسرائيل بالقرار الذي وجدت فيه صونا لماء الوجه وسمعتها العسكرية ورأت فيه وسيلة لتحقيق الاهداف التي سعت اليها وفشلت في تنفيذها عسكريا.الأمر الذي لا يختلف فيه اثنان هو الجماهيرية الواسعة التي كان يتمتع بها حزب الله قبل الحرب والتي ازدادت بشكل ملحوظ اثناء الحرب وبعدها. هذا الدعم الجماهيري امتد في العالم العربي والاسلامي والجاليات العربية والاسلامية في كل دول المهجر، وارتفعت اعلام حزب الله الصفراء في كل العواصم. وجدت الجماهير في حزب الله الخصم اللدود لاسرائيل الذي لم يستطع الصمود ورد العدوان فقط بل الحاق الخسائر الفادحة بالجيش الاسرائيلي وفي مدن الشمال. ارتفعت اصوات الحشود الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدني المؤيدة لحزب الله بشكل ملحوظ في الدول العربية التي انتقدت حزب الله ـ رسميا ـ والتي في البداية اعطت الضوء الاخضر والغطاء السياسي لاسرائيل لمهاجمة الحزب، وكان لصمود حزب الله وللضغط الجماهيري الاثر في تغيير السياسة الرسمية في هذه الدول ـ مصر والسعودية والاردن ـ فعادت لتنتقد العدوان الاسرائيلي. الملفت للنظـر المساعدات المالية التي اعلنت عنها السعودية والامارات والكويت والحملة للتبرع التي نادت بها السيدة سوزان مبارك والملكة رانيا في محاولة للتقرب من المد الشعبي وحتي ينسي الشعب الموقف المخزي الذي اعلنه رجلاهما في بداية الحرب.الصحافة والاعلام اللبناني، حتي قوي الرابع عشر من آذار (مارس) وقفت موقفا اعلاميا واجتماعيا وانسانيا مشرفا الي جانب المقاومة، واعتبرت الحرب عدوانا علي لبنان كله، وليس تصعيدا عسكريا ضد حزب الله فقط كما تصوره وسائل الاعلام الاسرائيلية والغربية خاصة الامريكية منها.في الناحية العسكرية والمعنوية قد يكون الامر اكثر اثارة للجدل، فما هي معايير النصر والخسارة؟ التقدم علي الارض، ام الخسائر المادية والبشرية ومقدار الدمار في البنية التحتية المدنية، ام تحقيق الاهداف المعلنة ـ او الفشل في تحقيقها ـ من الحرب؟ احد المعلقين الاعلاميين وضع المقياس بهذه البساطة، اسرائيل ستعتبر منتصرة اذا خسر حزب الله، وحزب الله سيعتبر منتصرا ان لم تنتصر اسرائيل. الامر ازداد تعقيدا بعد هذا التبسيط.لنأخذ هذه المعايير ونحللها:المعيار الاول هو:1 ـ التقدم علي الارض واحتلال اجزاء من اراضي الخصم. اسرائيل تقدمت بضعة كيلومترات داخل الاراضي اللبنانية، ولكنها لم تحكم السيطرة علي اي منطقة او ان تكون قادرة علي الاحتفاظ بالمدن والقري والبلدات الجنوبية دون التعرض لعمليات عسكرية مضادة، حتي البلدات الحدودية استمر فيها القتال حتي اليوم الاخير من الحرب (الثالث عشر من آب/ اغسطس) كبلدة مروحين، وعيتا الشعب، او الابعد قليلا كالطيرة وبنت جبيل وكفر كلا والعديسة وغيرها. اذا فطبقا لهذا المعيار فشلت اسرائيل ولا يمكن حتي للخبراء العسكريين الاسرائيليين اعتبار هذا التقدم المحدود جدا نصرا عسكريا بل انه يعتبر فشلا وهزيمة عسكرية واضحة.2 ـ الخسائر المادية:لا شك ان لبنان اكثر خسارة من الناحية المادية من اسرائيل اذا اخذنا بعين الاعتبار عدد المباني والمنازل المدمرة في لبنان، الضاحية الجنوبية لبيروت وصور وصيدا وبعلبك والبقاع والجنوب، مقارنة بالدمار الذي لحق بعكا وحيفا وصفد ونهاريا وطبرية، ناهيك عن الدمار الكبير في كريات شمونه في الجانب الاسرائيلي، ولكن هذا المعيار هش لتحديد الربح والخسارة والكل يعترف ان سلاح الجو الاسرائيلي سلاح متقدم وكذلك سلاح الدبابات والمدرعات. ولكن الحرب هنا ليست بين جيشين نظاميين، بل بين كيان عسكري وحزب مقاومة يحارب بمنطق حرب العصابات ـ الكر والفر ـ مع التقليل من اهمية الاحتفاظ بالارض. الخسائر المادية هنا في الجانب اللبناني معظمها ـ ان لم يكن كلها ـ هي مبان مدنية وليست عسكرية، وكذلك في الجانب الاسرائيلي. الامر الاخر في الاضرار المادية تشمل الخسائر في المعدات العسكرية. الجانب الاسرائيلي خسر الكثير من المدرعات والدبابات وناقلات الجند والجرافات، وحزب الله خسر عددا من منصات الصواريخ وسيارات او شاحنات كانت تستخدم لنقل الافراد او العتاد. الارقام هنا ليست دقيقة بسبب تستر الجانبين علي الارقام الحقيقية، ولكن المعطيات تشير الي خسائر افدح في الجانب الاسرائيلي، كما ان اسرائيل خسرت طائرتي هليكوبتر وبضع طائرات استطلاع.3 ـ الخسائر البشرية:الارقام المعلنة تشير الي مقتل ما يزيد عن 1150 مدنيا لبنانيا وجرح اكثر من 3600، وتهجير قرابة المليون، وحزب الله يعترف باستشهاد قرابة الستين من مقاتليه، الجانب الاسرائيلي يعترف بمقتل قرابة المئة وستون، اكثر من مئة وعشرين منهم جنود وضباط والباقي مدنيون، وجرحي اسرائيل تجاوزوا 2500.حزب الله يقول ان القتلي العسكريين في صفوف اسرائيل يتجاوز المئة وخمسين والجرحي العسكريين يتجاوز الخمسمئة، واسرائيل تقول ان عدد قتلي المقاتلين في حزب الله 500 واسرت 13، وتحتفظ ببعض الجثث، الايام القليلة القادمة ستعطي صورة اوضح عن الاعداد الحقيقية للخسائر البشرية في المدنيين والعسكريين في كلا الجانبين. ولكن حتي لو صدقنا كل الارقام المعلنة من الطرفين عن خسائره، وخسائر الطرف الاخر فهذا دليل آخر علي ان اسرائيل لم تكن الرابحة في هذه الحرب وان حزب الله كان ندا وخصما قويا وهذه الارقام ترجح انتصاره وخسارة اسرائيل.4 ـ البنية التحتية:لا احد ينكر ان الخسائر في البنية التحتية اللبنانية ـ المدنية ـ كانت الاكثر والاشد، وهذا يشمل الطرق والجسور والمرافيء والمطارات، ومحطات الماء وتوليد الكهرباء وخزانات الوقود، اسرائيل تتكتم حتي علي الخسائر المدنية في هذا المجال.5 ـ الخسائر الاقتصادية:الارقام هنا متضاربة ايضا، والخبراء الاقتصاديون يختلفون في محتوي الارقام المعلنة وعلي ماذا تشتمل، الخسائر المباشرة وغير المباشرة، والتكاليف العسكرية والخسارة في المجال السياحي، والخسارة الناتجة عن فقدان العمل والنقص في الانتاج، والخسارة في المجال الاعماري وتكاليف اعادة البناء. لبنان يقدر خسائره بعشرين مليار دولار علي الاقل، الارقام الاسرائيلية اقل من ذلك والجانب الاكبر منها هو في المجال السياحي والكلفة العسكرية باعتبار الاسلحة المتطورة والكميات الهائلة من المتفجرات التي استعملت.6 ـ عناصر المفاجأة في الحرب:اتت كل عناصر المفاجأة من جانب حزب الله وليس من الجانب الاسرائيلي، اطلق حزب الله اكثر من 4000 صاروخ والصواريخ بعيدة المدي كانت مفاجئة لاسرائيل، الصواريخ المضادة للدروع والتي ادت الي تدمير العشرات من دبابات ميركافا المطورة كانت المفاجأة الاخري، اما المفاجآت الاخري فشملت التدريب العالي والخبرة القتالية ومدي الاعداد والجاهزية القتالية لمثل هذه الحرب من جانب حزب الله. اسرائيل لم تأت بالمفاجآت، فالقدرة التدميرية معروفة ولكنها طالت الاهداف المدنية بصورة عامة وفشلت في الوصول الي الاهداف العسكرية الحقيقية لحزب الله.7 ـ الاهداف المعلنة:فشلت اسرائيل في كل اهدافها المعلنة في هذه الحرب، فشلت في تحرير الجنديين، وفشلت في الوصول الي الليطاني، وفشلت في تدمير القدرة القتالية لحزب الله او نزع سلاحه، وفشلت في حماية حدودها او المناطق الشمالية لكيانها وفشلت في تحقيق الاهداف غير المعلنة، احداث فتنة طائفية في لبنان او كسر ارادة المقاومة او النيل من معنوياتها.من كل ما تقدم يتبين ان النصر كان حليف المقاومة في هذه الحرب.هل فشل حزب الله في ترجمة هذا الانتصار العسكري والجماهيري والمعنوي الي نصر سياسي، وهل اخطأ بقبول نقاط السنيورة السبع وقرار مجلس الامن 1701؟ المعطيات تشير في هذا الاتجاه.حزب الله حرص علي الوحدة الوطنية اللبنانية، واضطر الي القبول بما يرتئيه السنيورة وحكومته لأن الغالبية الحكومية ـ قوي 14 آذار ـ لا تريد للبنان ان يبقي علي مواجهة دائمة مع اسرائيل. قرار مجلس الامن يصب في مصلحة اسرائيل اكثر من مصلحة حزب الله:القرار سيؤدي الي نشر قوات الجيش اللبناني جنوب الليطاني مع قوات اليونيفيل القديمة والاضافية، هذا يعني خروج حزب الله كقوة عسكرية من الجنوب، وهذا هدف اسرائيلي يتحقق سياسيا بعد الفشل العسكري. القرار سيؤدي الي نزع سلاح حزب الله لأن القرار يؤكد اهمية تطبيق 1559، القرار يمر سريعا علي مزارع شبعا والمعتقلين اللبنانيين في السجون الاسرائيلية مع انه يذكر بصريح العبارة الافراج عن الجنديين الاسرائيليين بدون شروط.هل قبل حزب الله مشروع القرار بصيغته النهائية قبل اقراره تحت الضغوط المحلية اللبنانية؟! ام بحسابات ان اسرائيل لن تقبل به وبذلك يسدد الكرة في المرمي الاسرائيلي؟ ام بانقطاع امداداته من الاسلحة والذخيرة تحت الحصار المحكم علي لبنان امام القصف العسكري الاسرائيلي المستمر علي كل السيارات والشاحنات حتي المدنية منها، وفرض حظر التجول في الجنوب؟ ام كل هذه الاسباب مجتمعة مع اسباب اخري سياسية، محلية واقليمية، وعسكرية نجهلها؟ ايا كانت الاسباب فقد خسر حزب الله سياسيا واستراتيجيا وتكتيكيا تحت وطأة الظروف غير الملائمة محليا واقليميا ودوليا. ربما كان هذا القرار بداية لنهاية المقاومة في لبنان واخراج لبنان من دائرة الصراع مثل ما حصل مع مصر بعد حرب تشرين الاول/ اكتوبر 1973 ولكن بمعاهدة سلام وصلح واعتراف ومحاولة للتطبيع، ما لم تحدث مفاجآت علي الارض او ان تخل اسرائيل بتنفيذها لهذا القرار، فان حزب الله قد يكون خرج من هذا المولد بدون حمص بعد ان كان في متناول اليد.ہ كاتب من فلسطين يقيم في امريكا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية