يصدر مجموعة شعرية جديدة: عندما يراهن الشاعر علي السرد

حجم الخط
0

يصدر مجموعة شعرية جديدة: عندما يراهن الشاعر علي السرد

الشاعر والمترجم العراقي جواد واديإبراهيم الحجرييصدر مجموعة شعرية جديدة: عندما يراهن الشاعر علي السردمع مطلع الصيف، ومباشرة بعد أن أسدل الستار علي النشاط الأول لجمعية الرافدين لأدباء العراق بالرباط، ازدان الفراش الإبداعي للشاعر والمترجم العراقي المقيم بالمغرب جواد وادي بمولود شعري جديد، سماه “رهبة المدارك”، واختار، في هذا الديوان الجديد، مسلكا جديدا في الكتابة الشعرية، ففي التجربة السابقة “تراتيل بابلية” غلب كفة الغنائية، وراح يقتفي أثر الصورة والمعني حيثما حلا وارتحلا، فكان صوته مميزا، وكان عزفه مختلفا، وكان النشيد موالا مفجوعا بحجر الغياب والغربة، وكان الناي المشرقي مبحوحا يئن في المحيط الأطلسي قرب غابات قصب البردي، وكان الخوف والموت البطيء ومواجع لا تهدأ. وفي هذه المجموعة غلب الشاعر السرد، وتخلص من سلطة الاستعارات التي كانت تشده وتسلب مساراته في الدفق الشعري والشعوري، وقد مهد لهذا الاختيار، نهج سبيل الكتابة الشذرية، وإن تخلل المجموعة بعض المقطوعات الطويلة نسبيا. فجاءت اللغة سهلة الركب، تتدفق بتلقائية طفولية تبتعد عن كل أشكال التصنع والمغالاة. يقول الشاعر في مقدمته “إن رهبة المدارك هي تجربة المزاوجة بين القص والشعر لعلها تجربة جديدة لما كتبت من نصوص وما سأكتب لا حقا إن تركت لنا الرهبة عمرا” ص6.ومع شكل الخطاب يختلف عن مثيله في التجربة السابقة للشاعر، فإن التيمات الشعرية تكاد تكون واحدة، والموضوعات المتناولة تكاد تتكرر، وهذا دليل علي صدق المكتوب من جهة، ومن جهة أخري دليل علي ترسخ المعاناة وتضخمها مع مرور الزمن، بل واستمرارها، في غياب أفق تشرق منه رائحة الأمل الأخضر الذي يعيد للحياة نكهتها ووسمها الذي كان، فجروح الذات ما تزال هي هي لم تتغير، وشروخ الروح المأزومة التي تداري هزيمها بأفق الكتابة والابتسام المرير تظل تحفر مماشيها السحيقة في النفس دون هوادة ولا تريث. لذلك فلحن الروح مهما تكرر فإنه يكون الملاذ والمتنفس، وحينما يستعير غطاء آخر وشكلا كتابيا جديدا ما سبق أن عهده، تصبح له أثر خاص ووقع آخر ورنة مغايرة تستثير الأنفس الرهيفة، فلا ضير أن تكون الكتل الدلالية هي نفسها، إذا ما كانت القنوات متعددة ومتنوعة وحاسمة. وقد حتمت الطريقة الجديدة في الكتابة الشعرية عند الرجل، ولوج مسارب جمالية أخري توافق هذا الاختيار وتوازيه، إن لم نقل تعضده وتقويه، فاستلهام السردي يستدعي التخلي عن المنحي التصويري المعتاد واتباع طريقة الحكي التفصيلي الذي يستدرج اللغة صوب فخ البساطة والتلقائية، إن الجملة الشعرية التي كانت بالأمس صغيرة وحافلة، أصبحت اليوم موزعة وشاملة ومطلقة أشرعتها علي كل الأهوية.ولقد دفع اختيار الشاعر لعنصر الحكي المسار الشعري إلي الاستعانة بخدمات راو متحول، عبر منطق التبدل، إلي صفات أخري، وأجناس أخري، ومخلوقات أخري، ومحكيات مخالفة، إن الشاعر، وهو يكتب، لا يدون أحاسيسه ومشاعره فحسب، بل إنه ينصت بعمق لتجربته الماضوية في الحياة، مع اليومي والنفسي، مستعيدا هم الغربة والخوف اللذين باتا يلاحقانه أمدا طويلا، كان، وهو يكتب، يعي أنه يدون زمن الخسارة، ويحكي يوميات الهزيم الروحي خارج نعمة الوطن، كان أكثر من ذلك يسرد بحزن مأساته ومعاناته بكل البساطة التي يمكن أن تحتملها اللغة، وبكل التلقائية التي يتقبلها المنطق، تلك المعاناة التي لا تنفصل عن أحزان العراقيين في كل المعمورة.مثلما دائماتحط النوارسعلي جسدي المسجيتهيل الترابتعبث بي قليلا ثم تمضيبعيدا…..تاركة عند هامتيشيئا من رماد الفصولوهمسا من سهادولا شيء غير الخرابعن بلاد يباب ص 21 .إن القصائد، في هذه المجموعة، جمل كبري بلا علامات ترقيم ولا إشارات مرور أو سمات تفكير، مما يدل علي أن الكلام يتدفق وفق تلقائية كبري كأنما لا تدونها الأنامل، بل تخطها أسرار الذاكرة. إن المداد موصول، أثناء التدفق، بتاريخ الجسد الذي حطمته الصخور دون أن تقتله، الجسد الذي دفعته مدن إلي مدن، ومحطات إلي محطات، وكأنما الأقدار تتسلي بجراحه التي لن تندمل أبدا.كان جواد وادي، وهو يحكي مأساة جيل بكامله، يتنقل في آفاق لا تحوطها اللغة ولا تقترحها المخيلة، آفاق مشبعة بالفتنة التي يشهدها الذهن لبغداد والموصل وسامراء، أفضية تختزن لحظات الفرح والحزن، وتسهم بشكل أو بآخر في صنع التجربة، إذ لا تجربة بدون فضاء، ولا مشاعر تكون بالإمكان خارج نفق التحول المكاني، ولو عبر الذاكرة والجوارح والوهم. وهنا يمكنك أن تتصور بغداد التي بكتها التجربة في “تراتيل بابلية” متجسدة في البيضاء أو أسفي أو مراكش أو أي فضاء تعشقه الروح وتستحليه الذات. وبذلك فالشاعر يخلف تواؤما مع المكان، الجوهر النفسي والبديل للانطلاق عبر الآفاق التي تتيحها اللغة، فليست لديه عوائق مع المكان، فهو يري الأفضية العربية واحدة، ويري الوطن العربي محفلا كبيرا للحنين، والمكان -بالنسبة إليه- أينما كان يجسد تلخيصا للمشاعر.ولعل تسلسل الخيبات وتواردها يجعل القصائد كلها تجسد نهاية عدم اكتمال الذروة المستحيلة في كل التفاصيل، في اللذة والألم والأمل والجسد. أي هناك حلقة ما مفقودة، تجد صداها المتكتم في الروح، في البوابات المشرعة التي تفتحها استعارات اللغة بسخاء رمزي. والخيط الواصل والفاصل في نتوءات التجربة وتضاريسها هو هذا التعالق الحسي بين فجوات الروح وممكنات الحياة التي تتحول اكثر مما يتصوره الراوي، ذاك هو الحنين إلي وكر الميلاد والخفقة البكر وأسرار البدايات، الحنين إلي بغداد وتفاصيلها الموغلة في الذاكرة، الحنين إلي شخوصها وأساطيرها وذكرياتها التي تعلق بالقلب كما الكُلاَّب، وكأنما محكيات المجموعة كلها لا يؤسسها سوي ركام التداعيات والذكريات المشتتة، التي تؤججها المواجع وتوطدها سيرة الوعثاء في غربة الأقاصي:جيوبي الملأي بالمتاعبأحسستها مثقلةمثلما دائمايا إلهي…..قلت في سريكيف لي أن أفرغهامن ترهلها الفاضحنفضت نفسي…فإذا بالعصافيرهاربة في كل صوب…. ص 35 .بهكذا صوت تغرد القصائد مثني وثلاث ورباع، وتجفل الذات من خساراتها، ويطفح الكيل بطقوس الرهبة المتعددة والخديعة المتطبعـــة في النفوس والهزيم القاهر ومـــــوت رمزي يأتي علي الأخضر واليابس، ولا يترك خلفة ســوي الحطــــام والرميم، ولا شيء يمني النفس غير حنين وشعر ووطن بعيد، بعيد.ناقد من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية