انتصار المقاومة اللبنانية يلقي بظلاله علي حفل أربعينه:
رام الله ـ “القدس العربي”: نظم بيت الشعر الفلسطيني ولجنة الطوارئ الثقافية وجمعية اللد الاجتماعية بالتعاون مع المركز الأسقفي العربي حفل الأربعين لذكري رحيل الفنان إسماعيل شموط. وقد افتتح الشاعر مراد السوداني، رئيس بيت الشعر الفلسطيني، الاحتفال بكلمة (بيت الشعر) قائلاً: في الوقت الذي تدنو فيه الأرض من وجعها العميم، رحل إسماعيل شموط تاركاً لنا مساحة للأمل واكتمال الصورة التي ما زال وميض لونها مشتعلاً مثل جلنار الدم، وعتبة النزال الفعال.. ترك لنا إسماعيل شموط الفداء والتضحية، وما هو عفي ونقي.. ترك اللوحة سيرة ومسيرة تقدم تاريخ شعبنا الذي يصر علي الحياة والبقاء في وجه عدمية الغزاة وقبح ما أنتجوه علي أجساد البلاد والسنابل والصغار من أفانين الموت، ومستحدث التدمير والإلغاء.
ويضيف السوداني: لإسماعيل نقف ومن علي جبل عامل وقفة نسور المواجهة، يحدقون في النصر المحمول علي دمهم المجيد، وأكفهم البيضاء من غير سوء، وصوتهم العالي والهادر والمتمكن أيضاً، فطوبي لإسماعيل ذكري البقاء.. وطوبي لمن قدّ من روحه لوح العناء القادر والقادم.
في الخامس عشر من حزيران (يونيو)، حضر الطبيب الجراح ليشرح لإسماعيل شموط عن عملية القلب التي ينوي إجراءها له، فقال له شموط: يا دكتور أنا فنان فلسطيني، وأحب شعبي كثيراً.. ثمة لوحتان أرغب في إكمالهما، قبل العملية.. وضع الطبيب يده علي ركبة شموط، وقال له: أعرف من تكون لشعبك، وأعرف أهميتك وشهرتك العالمية، وأنا فخور أن أكون طبيبك، لكن دعنا نفكر معاً. أن تعود لترسم بقلب سليم أفضل من أن ترسم بقلب مريض.. في اليوم التالي كانت العملية، ونجحت.. لكن الزمن توقف.. هذه الحكاية قصها يزيد إسماعيل شموط، في كلمته، مساء الإثنين الماضي التي ألقيت في ذكري أربعين الفنان إسماعيل شموط.
وخاطب يزيد روح والده بقوله: توقف الزمن بعدك يا والدي، لكن شعبك لن يتوقف.. سنكون معك دوماً وأبداً ليتحقق حلم شعبنا بالنصر والعودة.. بلوحتك استطعت أن تبقي لنا وللجميع ذاكرة ما ألم بشعبنا من مآس وآلام عجزت الكاميرات عن توثيقها، وأبقيت علي حلمك بالنصر والعودة، إذ كان همك الحفاظ علي الهوية الوطنية فجعلت من لوحاتك وطناً يعيش فيه كل من شاهدها أو اقتناها.
وكان الحفل بدئ بكلمة الرئيس محمود عباس ألقاها يحيي يخلف، رئيس المجلس الأعلي للثقافة والفنون، نيابة عنه، وقال فيها: الحديث عن إسماعيل شموط، هو حديث عن جيل العمالقة، الجيل الذي خرج من جرح النكبة، من جرح النفـــي والاقتلاع والشتات، فحفر بأظافره الصخر، واستطاع أن يجمع الشتات، ويعيد ترتيب الأشياء، ويعيد الاعتبار إلي الشخصية الوطنية، وإلي الهوية الفلسطينية، ويؤســــس لحركة وطنية جديدة بأبعــادهــــا السياسية، والكفاحية، والاجتماعية، والثقافية، معبــــــراً باللون والريشــــة عن ملامح المأســــــاة والنكبة، وملامح الحلم الآتي، حلم التحـــرير والعودة، فكانــت لوحاته المعبرة عن الهــوية، وعن مرارة الواقع، وعذوبة الأيام الجمــيلة التي لم تـــأت بعد، عن سر الليل المتفق عليه بين خطوات الفدائي وزهور الحنين، عن النشيد الكامل، وفجر الاستقلال، وعن سيمفونية الصمود والأمل.
وفي كلمته نيابة عن المثقفين الفلسطينيين، قال الشاعر المتوكل طه: إسماعيل شموط اسم من أسماء فلسطين المحببة، الذي جعل النكبة والعرس والثورة ذاكرة باقية تفوح بألوانها علي ألواح الرواية التي لم تكتمل.. وإسماعيل شموط الذي دمروا الأشياء من حوله، لم يستطيعوا أن يدمروا روحه، فانتصبت ريشته كالمنارة التي تؤذن للبقاء.
وألقت نتائج المعارك الحربية بين حزب الله وإسرائيل، التي فشلت في تحقيق أهدافها، وخرج لبنان منتصراً بتوحده، علي أجواء وكلمات الحفل، فقال طه: شمــوط يهنأ الآن في ترابه بعد أن انقــــــلب السحر الأسود علي كوندوليزا رايس، وعادت بصفر مكعب سنه مجاهدو لبـــــنان من عظام القتلـــــة، بعدما هجست واهمة أن حزب الله سيخـرج من الحرب بـ تربل زيرو، لكنه يبدو حزيناً لأن فلسطين النظام خذلت فلسطين الإبداع، فلا غاليري دائماً مفتوحاً لعروش اللوحات، ولا دار وطنية للنشر والتوزيع، ولا جوائز، أو منحاً تفرغ أو مؤسسة للترجمات، ولا معهداً للمسرح، ولا منصة، ولا فرقة، ولا موازنة، ولا يحزنون، كأن ما لدينا هو فرضية أو فكرة لم تكف السنوات الطويلة التي قدت بالدم، والعرق، والفجائع، فأية مفارقة.
من جهته، تحدث سمير براغيتي، رئيس جمعية اللد الاجتماعية، عن حلم شموط بتأسيس مركز الفنون التشكيلية في فلسطين، لينشئ من خلاله جيلاً من الفنانين الفلسطينيين، مطالباً السلطة الوطنية ممثلة بوزارة الثقافة، ومنظمة التحرير ممثلة بلجنة الثقافة، بضرورة العمل علي تحقيق حلم شموط، علي أن يحمل المركز اسمه، ويتحول إلي متحف يضم لوحاته وأعماله، فيما تحدث الفنان كريم الدباح، في كلمة أصدقاء الفنان عن مشوار حياة شموط منذ ولادته وحتي رحيله.
وفي كلمة لجنة الطوارئ الوطنية، قال الفنان جواد إبراهيم: دخل شموط الحركة الفنية لا ليخرج منها، وإنما ليبني عليها، ومن خلالها. له فيها من البراعة ما يضيف إلي اعماله جمالية فذة تستدعي التأمل فيها مرة بعد مرة.. استطــاع إسمــــاعيل شموط عبر وعيه وآرائـه وحســه العالي التفاعل مع أوضاع الإنسان، والخوض في أعماقه وأحاسيسه، فعكس علي القماش مفهوم النزوح، والعطش، والقهر، والأمل، ورائحة الوطن بانطباعية وتعبيـــر، بعيدة عن التزين، ما أكسبها أهميتها الإنسانية النابعة من معاناته وتجربته.. لم يلتفت إسماعيل إلي تنظيرات فنية تدعي المعاصرة، وتحاولها، رغم معاصرته وحداثته.. عاد شموط بالروح، واللون، والذاكرة للبلاد المنهوبة والعالية فثبتها علي اللوحة بالقاني والحر من شلال النار الذي يسيل من خاصرة الوطن.
وقد دعا المشاركون في الاحتفال إلي ضرورة تأسيس أكاديمية إسماعيل شموط للفنون التشكيلية لحفظ تراث الراحل وتحقيقاً لحلم قديم طالما راود الفنان الراحل بتأسيس هذه الأكاديمية، مَنْ يقرع الجرس؟