المرجعية المقاومة : مرجعية نصر الله بمواجهة نموذج مرجعية السيستاني
عبد الاميرالركابي المرجعية المقاومة : مرجعية نصر الله بمواجهة نموذج مرجعية السيستاني لم يعد ممكنا تجاهل دورالسيد حسن نصر الله، سيد المقاومة، او عدم تحري موقعه ليس في عالم القيادة الشعبية والقومية وحسب، بل وفي السلم المعروف للمرجعية بين المسلمين الشيعة، الرجل يمثل نموذجا جديدا من المرجعية ، ليس الاول، ففي التاريخ الحديث من تطور حركة التشيع، وبالاخص في العقود الاربعة الاخيرة، ظهر تيار تجديدي، هو الابرز منذ قرون، ومع السيد محمد باقر الصدر، سمعنا عن نمط آخر من المراجع ، يتمثل بـ مرجعية الميدان او المرجعية الموضوعية ، او مرجعية المرجع مبسوط اليد ، وكل هذه تعبيرات وتسميات لمفهوم واحد، وصولا الي المرجعية الناطقة ، والتسميتان الاخيرتان من مبتكرات السيد محمد محمد صادق الصدر، والد السيد مقتدي الصدر، وزعيم ومؤسس ما يعرف اليوم بتيار الصدر في العراق.ومنذ ان تبلور مفهوم التقليد و نظام الاجتهاد في النجف، وقامت الحوزة، ومفهوم المرجع الاعلي يمثل نموذجا فريدا ومبتكرا في التاريخ الاسلامي، وفي تاريخ التشيع بالذات، وهذا الانجاز العراقي الكبير، يدل علي التداخل، بين عودة تبلور وبدايات تشكل العراق الحديث منذ القرن السابع عشر، وبين ضرورات التشكل الوطني للمجتمع العراقي الناشئ، بظل الدولة البرانية العثمانية، بعد ان بدأت البلاد تخرج من دورة الموت والخراب المستمرة من عام 1258 حتي ذلك الحين، وبعد اكثر من قرن مر علي انفراد الشيوخ المشاعيين المساواتيين المحاربين بقيادة العملية الوطنية في طورها الاول، وتميزت بظهور وانتشار الاتحادات القبلية في الجنوب، ووسط العراق الاسفل، تنامت حركة التشيع الحديث وبدات تاخذ مداها، عاكسة الحاجة الي اطار قيادة وطنية ارقي واعلي من القيادة القبلية، ومنذ القرن الثامن عشر، راح الدعاة الموامنة المنطلقون من النجف والحلة والمراكز الدينية الشيعية، يتغلغلون في وسط وجنوب العراق، بين ابناء العشائر، ليحققوا واحدة من اكبر واهم تجارب اليقظة التي عرفتها المنطقة مع طلائع العصر الحديث.تنتمي هذه العملية في التاريخ الوطني العراقي الحديث، لاجواء بدايات نهضة، تجلت عبر توالي حركات التجديد الحديثة في المنطقة العربية والاسلامية، بما فيها الحركتان المبكرتان، الصفوية والعثمانية، ومن ثم علي الجانب العربي، الوهابية في الجزيرة العربية، والمهدية، والسنوسية في القسم الافريقي من العالم العربي، وما نذكره هنا هو اول انتباهة، الي طبيعة وانتساب هذه الظاهرة، فالابحاث التاريخية والاجتماعية والسياسية، التي اهتمت بدرس اوضاع وتاريخ العراق الحديث والمعاصر، لم يسبق ابدا ان وضعت الظاهرة المذكورة، ضمن سياق حركات وظواهرالانتباه او الاستجابة لمستجدات العصر، وللتمخضات المبكرة، والاولية، من الرد علي المتغيرات الحاصلة في العالم، او كنتيجة لها، ولهذا السبب فانها لم تدرس ضمن شروطها، ولم تحدد دلالاتها الفعلية، مما اسهم في تغييب اهم ما تنطوي عليه من خصائص، تتصل اولا بتبلور الوطنيه العراقية في العصر الحديث، وهو ما ادي من ثم الي طمس مدلولها التاريخي العراقي والعربي.ينظر الي التشيع المعاصر من زاوية واحدة، فالحركة الصفوية هي الموضوع الاهم والغالب في البحوث والنظرات التي تتطرق احيانا لمسألة التشيع الحديث، وتترك اجواء الصراع بين العثمانيين والصفويين عموما، وعلي الساحة العربية قبلا والعراقية بالذات، مزاجا معاديا للحركة الصفوية، يسقط علي حركة التشيع العراقية، ويشجع علي الغاء طابعها الوطني المعادي بالاصل للعثمانيين كما للصفويين، مما يذكر ببقايا نموذجية عن العثمانوية ـ هذه الناحية الفكرية والمزاجية والمذهبية غير ملاحظة في الفكر او دراسات تاريخ وحركة الافكار في العالم العربي، ولم يشخص اهميتها سوي الباحث العراقي د . سيار الجميل، الذي وضع كتابا يستحق الاهتمام في العثمانية ـ وترسباتها في الوعي العربي. الا ان هذا المزاج، استمر متحولا الي منطلق راسخ، غير علمي، ولا يتفق مع الحقيقة التاريخية، ولا مع معطيات هامة، تخص العراق ودوره ومكانته، وحتي هذه الساعة لم يتوقف عنده اي من الباحثين العراقيين، او العرب (يستثني من ذلك الي حد ما الجهد المبذول من فهد عبدالله النفيسي كما في كتابه عن دور الشيعة في السياسة وهو كتاب مبكر تركز علي مجريات ثورة 1920 وقارب من منظور ينتمي الي الرؤية الايديلوجيه القومية تلمس شيئا من الخصوصية العراقية في حركة وظهور التشيع الحديث في العراق).غير ان تاريخ العراق الحديث، مطموس بجملته، وبالاخص الجزء المتعلق منه بما قبل عام 1920 وقيام ما يسمي الدولة الحديثة ، وهو ما يعني اهمال، ان لم يكن الغاء تاريخ من الظواهر، والتمخضات، والافكار المتنامية في سياق عملية تشكل تاريخي، ظلت مستمرة علي مدي يقرب من ثلاثة قرون، وممثلو الافكار والتصورات الحديثة، والكتابات والابحاث الاكاديمية، وغيرها الموضوعة عن تاريخ العراق الحديث والمعاصر، لم تشذ برمتها عن القاعدة، مما يتيح فعليا لاجواء وزاوية نظر العثمانوية لان تظل حية وفعالة الي اليوم، وهو ما قد جعل من العراق سرا مدفونا بنظر اهله، اهم ظواهره غير مفسرة، ويكتنفها ليس الغموض وحسب، لا بل التشويه بلا رحمة.بعد كل تلك الاستدراكات، نذهب الي القول بان ظاهرة التشيع في تاريخ العراق الحديث، هي نتاج صرف، متطابق تماما مع خصائص العراق التاريخية، وقد نشأت بالتعارض التام مع الصفوية لا بل بالتناقض معها، ومع اسسها، ومع انها اطار اقتضته ضرورات وظروف المواجهة الوطنية مع الحكم العثماني، الاان نقاشات وصراع عالمين من اكبر علماء النجف في القرن السادس عشر هما، القطيفي و الكركي تنبها الي ان بواكير، وابرز وجوه ذلك الخلاف، قد استهدفت بالرفض نموذج الصفوية ، فبعد وفاة الشاه اسماعيل مؤسس الدولة الصفوية عام 1524 اتجه ابنه الشاه طهماسب، الي عدم اخذ الشأنين الديني والسياسي بيده، كما كان ابوه يفعل، وبادر الي استدعاء الكركي، كي ينهض بتلك المهمة بصفته مرشدا اعلي للدولة و نائبا لصاحب الزمان الغائب و صاحب الدولة الحقيقي الذي علي الجميع اطاعة اوامره، وان معزوله لا يستخدم ومنصوبه لا يعزل كما جاء في الفرمان الذي اصدره الشاه عند تعيينه.وعلي هذا غادرالشيخ الكركي (هو بالمناسبة لبناني من بعلبك) النجف ليحتل مكانه في خدمة الشاه، ما دفع بالقطيفي لوضع كتاب، تركز بالاصل علي تحريم عيش وعمل العلماء في ظل السلاطين وان كانوا شيعة ، حدث ذلك النقاش التأسيسي في وقت مبكر، ليعكس وجهتين متعارضتين في الرؤية والموقف والممارسة، ظل يتعمق مثمرا تجربة تاريخية خاصة، ومختلفة جذريا عن التجربة الصفوية، فالتجربة العراقية تضع قطيعة صارمة بينها وبين الحكام اولا، وهي تستمد فعلها من المحيط، اي من تداخلها مع بحر المشاعات الزراعية في الجنوب والوسط، كما انها تمتاز عن سواها من الحركات التي قاربتها او عاصرتها تاريخيا، سواء الصفوية والعثمانية او الوهابية، بكونها قامت علي الدعوة والاقناع، بينما توسلت الحركات الاخري جميعها، القوة و السيف ، وعلي تلك المنطلقات وبناء عليها، اقامت دولة مدينة تذكر بـ اريدو المدينة المقدسة الضائعة في التاريخ العراقي القديم.في الطور الثاني من تاريخ هذه العملية، انقلب الاتجاه، وراحت المشاعات القبيلة المساواتية المحاربة، تقصد هي مركز الحركة ومنطلقها في النجف ومن التفاعل بين الطرفين العلماء المجتهدين والبحر العشائري المساواتي الديمقراطي المحارب، انبثقت بنية الدولة /المدينة وحيث اقتضت ضرورة استيعاب التعددية القبلية، تعددا في الصلات والمباشرة الروحية والحياتية، فلقد كان لا بد من ابتكار صيغة التقليد، فارتبطت كل عشيرة، او مجموعة عشائر، بواحد من العلماء تقلده وترجع له، ومن قانون الصيت الساري بين العشائر كطريقة لاختيار الشيخ، ابتكر نظام الاجتهاد فالقبيلة المشاعية العراقية ديمقراطية غير وراثية، والانتخاب فيها، تقرره الوقائع والمنافسة بين ابناء العشيرة بظل الشيخ، وخلال حياته. والافعال التي يجترحها المتنافسون، تراقب عيانا وبوضح النهار، والفعل يتناقل، متحولا مع الوقت الي صيت ، ومن يربح المعركة في عالم الترجيح المراقب من العامة، يصبح مهيأ للمشيخة فما ان يغيب الشيخ الحالي، حتي يكون الشيخ الجديد قد حل مكانه. وتضطلع النسوة عادة بدور الدعاية ، بالاشعار والقصص، يؤلفنها ويتناقلنها، مرسخات صيت هذا من شباب العشيرة او ذاك، ان نظام الاجتهاد يخضع للقانون نفسه، فهو ليس انتخابا عاديا، ولا يشبه الطريقة الاثينية، ولم يسبق ان عرفت طريقة في الاختيار/الانتخاب، تشبهه، فهو مستمد من حكمة وتراث وخاصيات واقع تاريخي عريق، و الصيت يحكم تماما مصير المراجع المتنافسين بظل المرجع الاعلي، والناس يرجحون مراقبين ومحللين مواقفهم وسلوكهم وعلمهم، فما ان يتوفي المرجع حتي يكون خلفه قد اصبح معلوما، والمرجع الاعلي، هو صيغة تطابق شخصية شيخ المشايخ وقد حل داخل مدينة يسكنها جمع من المفكرين، يمارسون سلطتهم بلا قهر، وحكمهم متوقف علي الفتوي التي هي قرارات ملزمة للمقلدين، تصدر عن صاحبها، وهو يعلم بانها مراقبة من المجتهدين الاخرين المنافسين، ومن الناس، مما يحصرها في اضيق نطاق، ويبعدها عن الابتذال.السيد اليرزا حسن الشيرازي هو المثال الاعلي، والصورة النموذجية لـ المرجع وهو قد عاش في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتوفي قبيل اندلاع ثورة 1920، ولو كان حيا ابان الثورة، واصدر هو الفتوي بمقاتلة الاحتلال الانكليزي، لوصلت مكانته في تاريخ العراق شأوا كبيرا للغاية، فمناقبه وعمق شخصيته وزهده، تمثل ارقي حالات التطابق مع الخاصيات القيمية للمجتمع العراقي، وكما هي شخصية حمد ال حمود ـ عاش في القرن الثامن عشر في الفرات الاوسط وتحديدا في منطقة الديوانية ـ المثال والنموذج، للشيخ العشائري المطابق تماما للقيم العليا للمجتمع، يحتل الشيرازي صاحب فتوي تحريم التنباك، ومن رفض الالتقاء بالشاه ناصر الدين عند زيارته للنجف، ومنقذ النجف ابان المجاعة، وباني الكثير من المرافق الهامة في سامراء، والشخصية التوحيدية الاسلامية، المتواضع، والعالم الجليل، يحتل هذا المرجع، مكانة لا تضاهي في تاريخ المرجعية التقليدية الحديثة. بعد عام 1920 تبين بما لا يقبل الشك، بان المرجعية ونظام الاجتهاد و الحوزة والتقليد، و دولة المدينة المرتبطة بها، لم تكن سوي منتجات وطنية اجتماعية، اقتضتها ضرورات حقبة من تاريخ وتطور العراق الحديث، وهي منجز عراقي انتصر اخيرا علي ما عداه، فالصفوية انتهت بنهاية دولتها، بينما الحوزة ونظام التقليد والاجتهاد، ساد في عالم المسلمين الشيعة، وظل قائما، وهو الغالب والممارس حتي اليوم، وعليه فان التشيع الحديث، في اهم ممارساته وقواعده التنظيمية، وحتي الفقهية هو عراقي تماما، ونتاج ضرورات تطور اوضاع العراق، وتشكله خلال فترة ما قبل الدولة الحديثة . فما ان انتهت الثورة، وقامت الدولة علي انقاضها، حتي دخلت المرجعية ازمة لم تنته، وتعاقب عليها اشخاص لم يكتسب منهم اهمية تذكر، غير السيد محسن الحكيم الذي يستحق التوقف، ولا يمكن تجاهله، لا لاهميته هو بذاته، بل بسبب الفترة التي وصل فيها الي المرجعية، ففي الخمسينات بدأت بوادر الحركة التجديدية الثانية تظهر، وبرزت شخصية تاريخية هامة هو المفكر الاسلامي الكبير محمد باقر الصدر ، مؤذنا ببداية تاريخ جديد، وحقبة مختلفة من الارهاصات والظواهر والتمخضات، اتجهت كلها في الجوهر، الي البحث عن سبل تجاوز المرجعية التقليدية ، وفي عام 1957 تأسس حزب الدعوة، استنادا الي افكار ونظريات ومساهمة السيد محمد باقر الصدر. ومع ثورة تموز (يوليو) عام 1958 واجهت المرجعية، وعموم الحركة الاسلامية، اخطر تحد في تاريخها مع صعود الشيوعية والقوي العلمانية، وسيطرتها علي الشارع، والحياة العامة. من هذا المناخ الجديد والمضطرب، ومن ردود افعاله علي التطورات يتخذ محسن الحكيم اهميته، كنموذج محافظ ومنغلق، زاد من ازمة المرجعية التقليدية، ومن وتيرة حركة البحث عن بديل لها من داخلها من ناحية، ورفضها والابتعاد عنها من خارجها، من ناحية اخري، ومنذ ذلك التاريخ لم يعرف من المراجع شخص يستحق الانتباه، سوي السيستاني الذي يشترك هو الاخر مع الحكيم ، بكونه يستمد اهميته من الاحداث التي مرت به، فمواقف السيستاني من الغزو الامريكي والاحتلال، ورعايته لـ العملية السياسية الامريكية، وتزويقه لـ الديمقراطية الامريكية، القائمة علي المحاصصة الطائفية ، هي التي اثارت الاهتمام به وبمواقفه التي تسهم، كما فعل محسن الحكيم ، في مفاقمة مأزق المرجعية التقليدية وتسيء لها الي ابعد حد.تزامن بدء الموجة التجديدية الثانية، مع واقعة ترسخ الدولة الحديثة، وهذا ينطبق علي عموم حركات التجديد الاسلامي، فحركة الاخوان المسلمين لدي السنة (وهي حركة من اصول باكستانية جدها الاعلي ابو الاعلي المودودي ) ظهرت كاستجابة لهذا التحدي، بمقابل الحركة السلفية الاولي بطبعتها الوهابية ، التي هي نتاج ما قبل الدولة الحديثة، بالضبط كما هو حال حركة التجديد الشيعية العراقية الاولي، ونحن ندخل الان مرحلة ثالثة، يمكن تسميتها بمرحلة الاستجابة لشروط وتحديات ما بعد الدولة، وهذه تقابل موضوعيا، شروط ولحظة هيمنة، تقوم علي تدمير الدول وتفتيت المجتمعات، وما يقابلها لدي كل من السنة والشيعة هما البن لادنية من جهة و مرجعية المقاومة ممثلة بنموذج السيد حسن نصر الله. والفوارق بين الوجهتين واضحة، فالسيد قطب قسم العالم الي عالم جاهلية وعالم ايمان وبن لادن يقسمه الي فسطاطين ، بينما محمد باقر الصدر، مؤسس حركة التجديد الاسلامية الشيعية الثانية، لا يكفّر العالم المحيط، بل يحاوره. وهو يناقش الماركسية والرأسمالية، وسعي الي تجديد فكرة المهدوية ، ووضع اسس منظور ثالث في الاقتصاد من منطلق الحوار لا الاقصاء او الحرب، ولكي يخلص الاسلام الشيعي من قيود ثقيلة، استهدف المرجعية مباشرة، واقترح مذهبا اخر في اعتمادها هو مبدأ الاختبار في الميدان ، وهنا تعود مرة اخري نفس الاسس والخاصيات العراقية التي حكمت مبدا الانتخاب ضمن نظام الاجتهاد، غير ان السيد محمد باقر الصدر وضع اسسا وباشر مجربا ارساء نموذج، دون ان يتمكن من اكمال صياغته او تحديد سماته التنظيمية والعمليه. استغرق تبلور نظام الاجتهاد و المرجعية عقودا طويلة، قبل ان يكتمل ويتحول الي حقيقة مقره، وبالمقارنة، تبدو صيغة او مقترح المرجعية الحالية، اي مرجعية الميدان شديدة الحيوية، فهي لم تبدأ اصلا بالظهور، الا منذ نصف قرن تقريبا، ومع ذلك عرف تاريخ التشيع الراهن ظهور شخصيات مهمة تمثل هذا النمط من المرجعية، منهم وفي مقدمتهم بالطبع، السيد محمد باقر الصدر، والسيد اية الله الخميني والسيد محمد محمد صادق الصدر والسيد محمد حسين فضل الله، وفي السياق يذكر ايضا مقتدي الصدر، ومن ثم واخيرا السيد حسن نصر الله، وينتمي الخميني ومحمد صادق الصدر الي عالم وظروف هيمنة الدولة الحديثة والرد عليها، بينما ينتسب الصدر الثالث مقتدي والسيد حسن نصر الله الي عالم اللحظة الراهنة، اي فترة ما بعد الدولة الحديثة، في حين ينتسب السيد محمد باقر الصدر الي عالم العبقرية التاريخية ، ويحضر في السلسلة كمؤسس ورائد تاريخي عظيم، في حين ينتمي السيد مقتدي الصدر، الي اللحظة الراهنة بحكم واقع الامر ، فهو من مراجع الوراثة، وتجربته انتهت الي مأزق، اثبت قصورا فادحا في آهليته القيادية.السيد حسن نصر الله، هو خاتمة السلسلة وليس نهايتها، وهو يقابل ويناظر اكثر من غيره من المراجع ابناء حقبته، المؤسس الاول، ويتطابق مع جوهر افكاره، لقد فجر الخميني ثورة كبري، تحولت من بعده الي دولة ، واقام محمد صادق الصدر تجربة مهمة، معتمدا مبدأ التغيير السلمي في ظروف الحصار والهجوم الامريكي علي العراق، واعتمد نهج التوحيد المذهبي، بينما لعب السيد محمد حسين فضل الله دور الداعية الاصلاحي الارشادي، وكرس روحية الانفتاح والتسامح والتوحيد بين المذاهب، وان كان من دون انجازات فكرية مميزة، اما مقتدي الصدر، فقد مارس دوره من دون ابداع ولا روية، وارتكب اخطاء متوالية، ولم يثبت قدرة قيادية، تستوعب التأييد الجماهيري الذي تهيأ له، ومع الوقت اصبح اسيرا لما كان يتوجب عليه قيادته، ومن المقاومة غير المدروسة والارتجالية، الي الاشتراك في العملية السياسية والتحول الي تنظيم طائفي، اثبت بانه لا يمثل اضافة منتظرة، ويكاد يتحول الي جزء من ازمة التشيع العراقي الراهنة، والتي تتجلي اكثر ما تتجلي في المرجعية التقليدية بقيادة السيستاني، المهادنة للاحتلال، كما في مشاريع الطائفية التي تخيم علي غالبية القوي الشيعية العراقية. بمقابل هذا الوضع يبرز نموذج حسن نصر الله كنواة مرجعية جديدة، متجاوزة، وتستحق ان نطلق عليها اسم المرجعية المقاومة ، لا بدلالة قيادتها للمقاومة المسلحة وحسب، بل بمقياس تعاملها الحالي والمفترض مع التحدي العالمي الراهن، اي عصر تفتيت الدول والامة بالقوة العسكرية، لقد ردت المقاومة اللبنانية بنجاح، علي تحدي القوة الامريكي الاسرائيلي، لكن المطلوب هو غير ذلك تماما، ولن تكتمل عناصر الـ مرجعية المقاومة الا اذا لبت هذه شروط ومشروع اعادة بناء الامة ، اي ايجاد سبل تناسب اللحظة، لاعادة بناء اللحمة الاسلامية والوطنية والقومية علي اسس جديدة، تتجاوز مشروع الدولة الحديثة المنهار، ومشروع التفتيت المقترح والمفروض بالقوة، فهل هذا ما ينطوي عليه مشروع واقع وافق سلوك وتفكير نصر الله في الماضي ومن هنا وصاعدا؟ وما هي المكونات المفترضة بمثل هذا السلوك بالتفصيل؟ ذلك ما ينبغي التبصر فيه، وذلك ما سيكون مجال بحث آخر.كاتب من العراق يقيم في باريس8