مصائر البعث السوداني في حياة شخصيتين: حسن عبدالهادي (1 من 2)
مجموعة صغيرة التقت في جامعة القاهرة ـ الخرطوم وانشأت اول خلية في فترة الوئام الناصري ـ البعثيصدام تنبأ لطالب الاقتصاد وابن الريف بمستقبل رائد .. وحسن عبدالهادي كان في قلب موجات البعث في العراقمصائر البعث السوداني في حياة شخصيتين: حسن عبدالهادي (1 من 2)عبد العزيزحسين الصاوي كتبت هاتان المقالتان بمناسبة وفاة شخصيتين سودانيتين ارتبطت حياتهما بتجربة حزب البعث العربي الاشتراكي السوداني: حسن احمد عبد الهادي ( 1932ـ2005 )، اول من انتمي رسميا الي البعث وشكل اولي خلاياه السودانية في 61ـ62 منهيا بذلك مرحلة الارهاص التي شهدت نشاطا لافراد ومجموعات صغيرة مبعثرة متأثرة بفكر الحزب وتوجهاته العامة. ثم بدر الدين مدثر ( 1939ـ2006 )، عضوالقيادة القومية للبعث (بغداد) وأمين سر القطر حتي وفاته الذي بقي خلال مرحلة التأسيس وبعدها لفترة طويلة الأبرز بين قيادات بعث السودان. المقالتان مزيج من الذكريات والمعلومات والافكار والتقييمات من قبل شخصية ساهمت في مرحلة التأسيس وبقيت علي علاقة وثيقة بالتجربه وقياداتها في السودان والعراق حتي عام 1995 ولها اهتمامات فكرية وبحثية، فقد صدر له عن دار الطليعة كتاب : العلاقة الناصرية – البعثية : دراسة استطلاعية في ازمة الثورية العربية و مراجعات نقدية للحركة القومية: عودة جديدة من السودان لموضوع قديم . وهما شكل اولي من اشكال كتابة تاريخ التجربة وقد تحفزان اخرين كدارسين ومصادر معلومات ووثائق.اهمية دراسة الصيغة البعثية السودانية مستمدة بطبيعة الحال من الاهمية التي يمكن ايلاؤها لتجربة البعث القومي بمجموعه وهذا امر يبدو ان الفكر العربي لم يحسمه بعد، فعدد الدراسات العلمية الرصينة حول حزب البعث العربي الاشتراكي محدودة كما وكيفا ربما لان وجهه الاساسي العقود الاربعة الماضية كان سلطويا مما يزج في الاختلاف المنتج بين التقييمات العلمية حول الحزب عناصر غريبة علي طبيعتها الموضوعية منبثقة عن اعتبارات سياسية آنية تضاعف تأثيرها في هذه الحالة بالذات بسبب انغلاق النظامين البعثيين علي نفسيهما. وكيفما استقر الحال مستقبلا في هذا الصدد فإن التجربة السودانية في نطاق التجربة البعثية العامة لها اهمية معينة لكونها مجال النمو البعثي غير المتقطع الوحيد في فترة انحسار بعثي بدأ منذ السبعينيات الاولي. ففيما عدا اليمن ربما، ولبنان- سورية والعراق اللذين لايمكن التمييز فيهما بين النمو الصحي والتضخم الورمي، ظلت المجالات القديمة في المشرق تتراجع في صورتها العامة، بينما فشلت كافة جهود تأسيس أو اعادة تأسيس البعث في مصر والخليج والمغرب. وحده بعث السودان ظل ينمو بلا انقطاع منذ منتصف السبعينيات حتي النصف الاول من تسعينيات القرن الماضي حين تضافرت اسباب بعثية داخلية واخري سودانية لتوقف هذا النمو. وفي قطر مثل السودان يبلغ التنازع الداخلي حول هويته العربية حدا يتجاوز أي قطر عربي آخر فإن هذه فعلا ظاهرة مثيرة لاهتمام الدارسين.المراقب للمجال السياسي السوداني الآن لا يكاد يشعر بوجود البعث الغارق في انقسامات قد تنتشله منها مستقبلا بعض مجموعاته ذات التوجهات الاصلاحية ديموقراطيا. ولكن بعث السودان كان خلال النصف الاول للثمانينيات قد اصبح رقما سياسيا خطيرا وكاد يصل الي السلطة انقلابيا بما يعكس طموح قياداته استنادا الي حضور نضالي ملموس نتج الي حد أو آخر عن استثمار جيد للدعم المعنوي والمادي من قبل البعث العراقي.حسن أحمد عبد الهادي والمصائر البعثيةتتوقف كتب التاريخ والذاكرة البشرية عند الموت الجماعي. هذا الذي يقع بكثافة غير اعتيادية خلال فترة زمنية قصيرة بعض الشيء لتعاود عجلة الموت بعد ذلك سيرها بالمعدل الطبيعي. ولكننا في السودان نعيش حالة الموت الجماعي عبر فترة زمنية ممتدة حتي هبط متوسط الاعمار الي 45 عاما. من لم تقتلهم الحروب الاهلية القديمة والجديدة في الجنوب ودارفور آو آثارها غير المباشرة قتلهم سوء التغذية والانهيارات القلبية تحت وطأة الهموم اليومية الباهظة أو، اخيرا وليس آخرا، حوادث ـ مجازر المرور شبه اليومية علي الطرق السريعة التي لا يهتز لوقعها مسؤول عن مقعده. وسط هذا الازدحام الموتي يفلت عن انظار التاريخ موت شخصيات واسماء تستحق اكثر من الجهد المحدود الذي يبذله هذا المقال لحفظ مكانتها فيه. من بين هؤلاء شخصية تدعي حسن احمد عبد الهادي توفي اوائل عام 2005. طبيب من مواليد الثلاثينيات الاولي اعتزل الحياة العامة مبكرا يستحق موقعا في تاريخ السودان السياسي يكبر او يصغر بقدر الموقع الذي يتاح فيه لحزب البعث العربي الاشتراكي، وهو تقدير يتركه هذا المقال الذي تشوبه شبهة تحيز للمؤرخين الموضوعين. مرام هذه السطور القليلة ترك طرف خيط في الساحة العامة عسي ان يلتقطه في قابل ايام تطور الادوات والامكانيات البحثية السودانية والعربية من يهتدي به الي موضوع جدير بالاهتمام، علي صعوبة تصور ذلك في المناخ الراهن.حسن احمد عبد الهادي، ابن اسرة خرطومية عريقة فيها الصيدلي والمحامي والمحاسب .. أسرة تنحدر من اصول في الحدود المشتركة بين مصر والسودان ربما من اوساط عرب العليقات الذين استقروا في تلك المنطقة النوبية، قدر له ان يدخل تاريخ حزب البعث من أكثر من باب: عربيا كأول سوداني ينشط فيه رسميا وسودانيا كمنظم لاول خلية بعثية سودانية بتكليف رسمي من قيادة حزب البعث القومية عام 1960/1961. قبلها كان هناك بعثيون سودانيون غير نظاميين … من منازلهم علي حد التعبير الذي كان يستخدم سابقا في السودان لمن يجلسون لامتحانات الشهادة السودانية من خارج الثانويات النظامية. بؤر متفرقة من شباب الثانويات والجامعات استجابت لمؤثرات سياسية وفكرية قومية عربية وصلت السودان اساسا في طيات الموجة الناصرية التي غمرت المجال العربي بكامله إثر الانتصار السياسي الكبير الذي حققته قيادة عبد الناصر علي العدوان الثلاثي الاسرائيلي ـ الفرنسي ـ البريطاني عام 1956. لم يقلل من التأثير المعنوي الصاعق لهذا الانتصار ان انسحاب الجيوش الاجنبية كان من مسبباته تدخل امريكي وأنه، كما اتضح فيما بعد، لم يكن كاملا اذ بقيت شرم الشيخ في ايدي الاسرائيليين لان الهبة الجماهيرية الهائلة التي اطلقها العدوان تركت اثرا باقيا في كل ركن من أركان الوطن العربي. وفي ظروف التلاقي الحميم ولكن العفوي، كما اتضح من تداعيه الكامل بعد بضعة اعوام، بين البعث والناصرية كان الاول يأتي محمولا علي اجنحة الثاني لا سيما الي بلد مثل السودان كانت القناة المصرية نافذته الكبري علي العالم عهد ذاك. في جامعة القاهرة/ فرع الخرطوم النقلة النوعية الاولي في العمل القومي العربي السوداني الحديث تحققت عندما التقت المجموعة الاساسية من جامعة القاهرة فرع الخرطوم بمجموعة صغيرة في جامعة الخرطوم. خلال شهر العسل القصير بين حزب البعث العربي الاشتراكي والناصرية ( 56ـ 1960 ) كان الجو صافيا ومبشرا بإيناع بهيج للغرسة الوليدة تستقي من فكر البعث وشعبية الناصرية ولكن تداعيات الطلاق غير الودي بينهما لم تلبث ان وصلت الساحة السودانية ووجد (البعثيون) انفسهم محاصرين بناصرية في عنفوان سطوتها الجماهيرية مدعومة بتدخلات الاجهزة المصرية الرسمية في جامعة القاهرة الفرع والسفارة وغيرهما وما خفي فيهما وتحتهما. وازداد الطين بلة للبعثيين القلائل كما ونوعا عندما حلت في الخرطوم وقتها شخصية فلسطينية نشطة ومؤثرة (يحيي حداد) لتؤسس فرعا لـ حركة القوميين العرب المنافسة تاريخيا لحزب البعث والمتحالفة آنذاك مع الناصرية. دون عدة من خبرة سياسية وتنظيمية وفكرية وجدت المجموعة نفسها موزعة الجهود علي اكثر من جبهة لا سيما وانها انخرطت منذ البداية بقوة في المعركة ضد ديكتاتورية انقلاب 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 58 بحيث كان اعتقال اثنين من قيادييها هما بدر الدين مدثر ويوسف همت تحفظيا مع اطلالة كل تشرين الثاني (نوفمبر) امرا روتينيا.في هذه الفترة الحرجة كان ظهور حسن احمد عبد الهادي في افق البعثيين السودانيين انقاذي المعني مشكلا النقلة النوعية الثانية بالنسبة لهم . شاب له من اسمه نصيب، هادئ ذو ملكات قيادية واضحة تمتزج فيها قدرة التأثير مع قدرة التنظيم علي قلة كلامه. بدأ دراسة الطب في جامعة بغداد منتصف الخمسينيات ولعله كان اول سوداني يدرس في هذا البلد الطيب المعطاء كما تشهد الان الآف مؤلفة من السودانيين عاملين وطلابا. انتسب الي حزب البعث هناك وبعد سقوط الملكية عام 58 وانفجار الصراع بين القوميين والشيوعيين طرد مع مجموعة كبيرة من الطلبة العرب الي القاهرة حيث واصل نشاطه في الحزب. جاء في زياته الاولي إبان العطلة الدراسية بمجموعة من الكراسات والمجلات البعثية. وهذه، مع مناقشات ومعلومات وارشادات حول قضايا التنظيم والفكر، ارتقت بمعارف مجموعة (البعثيين علي طريقتهم) بالحزب درجات ودرجات من مستوي شذرات كانوا قد التقطوها قبل وقوع الطلاق من اذاعة صوت العرب والمجلتين المصريتين الاقرب الي الفكر المشرقي العربي وقتها روز اليوسف و صباح الخير . ولكن الأهم من كل ذلك ان حسن احمد عبد الهادي ارسي للمجموعة رأس جسر مع الحزب عبروا عليه الي متطلبات الالتزام البعثي الحقيقي. نظم خلال زيارتين اثناء العطلة الدراسية السنوية خليتين بعثيتين او ثلاثا شكلت بداية حزب البعث الفعلية. في سلسلة اجتماعات بعضها في منزلهم الفسيح في قلب العاصمة جوار مستشفي الخرطوم المركزي وفي مكتب شقيقه المحامي تاج الدين علي شارع الجمهورية امام بنك الخرطوم التأم شمل شوقي ملاسي وبدر الدين مدثر ويوسف همت وسعيد حمور ومحمد سليمان الخليفة عبد الله التعايشي ونصر علي نصر والطاهر عوض الله (جامعة القاهره الفرع) ومحمد بشير/الصاوي ( جامعة الخرطوم ). اخيرا وجدوا انفسهم في احضان حزب البعث العربي الاشتراكي بأحلامهم الكبيرة ومعارفهم القليلة بمصاعب الطريق ووعورته. وهو يدرس في القاهرة واصل حسن احمد عبد الهادي مهمة التأسيس البعثي في السودان من شقة في مصر الجديدة كان يشاركه السكن فيها شابان سودانيان اخران. ومن ذلك انه رتب لكاتب المقال ( بعثة تدريبية ) تلقي فيها دروسه البعثية الاولي خلال اجازة له بمصر ابان العطلة الدراسية من جامعة الخرطوم عبر فرع طلابي عربي لحزب البعث في مصر وذلك في الخلية القيادية للتشكيلة البعثية العراقية ضمن الفرع التي كان اسم مسؤولها صدام حسين .. كان صدام قد لحق بمجموعة الطلبة العرب المطرودين من العراق قادما من سورية بعد هروبه اليها من بغداد اثر اشتراكه في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم عام 59 ، فيها نال الشهادة الثانوية والتحق بكلية الحقوق وسكن في منيل الروضة مع لاجئين بعثيين عراقيين اخرين. يتذكره كاتب المقال نحيفا علي وسامة وبعض طول يتكلم بتؤدة وعبر مسافة احترام غير مرئية بينه وبين اقرانه فيها ربما فارق السن، اذ التحق بالمدرسة في سن الحادية عشرة، وفيها بالتأكيد اشعاع حزم ومضاء ارادة لا تشي بهما ملامحه الهادئة وصوته الرتيب النغمة. وفي لقاء آخر مع صدام حضره ايضا محمد سليمان الخليفة (عضو قيادة قومية لاحقا) ضمن خطة حسن عبد الهادي التدريبية وجري في ركن قصي بكازينو قصر النيل، اشعرنا الرجل بضيقه من تأخير وصولنا في الميعاد المحدد وان لم يمنعه ذلك من الاندماج في شرح تفصيلي لكيفية اعداد الانصار (يسمي نصيرا في المصطلحات البعثية) للعضوية الحزبية الكاملة: يجب ان نعرك النصير عركا جيدا كان احد تعبيراته. وخلال لقاء جماعي لاحق في سياق نفس الخطة للتأثير علي عدد من طلبة جامعة الخرطوم ذوي الاتجاه القومي زاروا مصر ضمن رحلة جامعية، سمع الحاضرون صدام يتنبأ لطالب الاقتصاد وقتها محمد علي جادين بمستقبل بعثي جيد لكونه ابن ريف . وفي هذا نظر ثاقب بلا ريب وان كان من المتعين القول بأن اختلافا جوهريا نشأ فيما بعد بين المتنبئ والمتنبأ (بفتح الباء) بشأنه حول مواصفات البعثي الجيد بسبب المياه الكثيرة التي مرت تحت جسر البعث وغير البعث اذ ان هذه الشخصية هي التي تولت قيادة البعث السوداني منذ التسعينيات بعيدا عن العراقي تحت راية التجديد الديموقراطي. في قلب دوامة عراقية عاتيةعلي ان بقاء البعثيين العرب اللاجئين في القاهرة لم يطل. منذ 8 شباط (فبراير) عام 1963 دخل حزب البعث العربي الاشتراكي تجربة السلطة بحظوظ لا تعرف التوسط فهو اما في قمتها او حضيضها ووجد حسن احمد عبد الهادي نفسه في قلب دوامة عراقية عاتية. في ذلك العام استولي الحزب علي السلطة في العراق ليقفز اليها في سورية ايضا بعد شهر فقط وبالتحديد 8 اذار (مارس) 63. غير ان سلطة انقلابية المنشأ، كما دلت التجارب البعثية وغير البعثية قطعيا، لا يستقر قرارها الا عندما تقع في قبضة قابضة فأفلتت من يد البعث في العراق بعد ثمانية اشهر فقط ليعود اليها عام 68 بقبضة صدام الحديدية ويبقي فيها حتي عام 2003. وافلتت من قبضة جناح في الحزب بسورية لتقع في قبضة الاسد الفولاذية حتي الآن. هذه السلسلة من الانقلابات، وفي داخل كل منها كانت محاولات أصغر، اطلقت موجات متلاطمة من الخلافات والصراعات الملطخــــة بالدم احـــيانا بين البعثيين ابتلعت الكثيرين منهم لا سيما اولئك الذين كانوا في مسرح الاحداث نفسها مثل حسن احمد عبد الهادي. كان البعثي السوداني الوحيد في قلب هذا الغليان العظيم ولعل ذلك، مع خصائص ذاتية اخري، ما جعل هذا الاختبار قاسيا عليه اكثر من الطاقة. انقطعت صلته وحتي اخباره عن رفاقه في السودان واتضح فيما بعد انه انقطع عن البعث نفسه وأكمل دراسته في الطب بصعوبة وعاد ليستقر في مدينة بورتسودان الساحلية. في السنوات الاخيرة من حياته نقل الي قسم القومسيون الطبي بوزارة الصحة في الخرطوم وتوفي اثر نوبة قلبية بعد ان نقله ابن شقيقه د. حيدر احمد عبد الهادي الي مستشفي الخرطوم المركزي.اين كان البعثيون؟اين كان منه البعثيون السودانيون الذين وضعهم علي اول الطريق طوال هذه المدة؟ ابان فترة الغليان تلك مروا بظروف كادت تشتت شملهم قبل ان يقفوا علي ارجلهم تماما لولا بداية راكزة وخصوصية دور لكل من شوقي ملاسي وبدر الدين مدثر : الاول بتسخير علاقات سياسية واجتماعية اكبر كثيرا من حجمه كمحام ناشئ والثاني بهمة وقادة مع ذكاء سياسي حاد. نما بعث السودان سريعا بعد ان استقرت سلطة الحزب في العراق بحيث اضحي رقما يؤبه له سودانيا في اخر سنوات الدكتاتورية المايوية ( 69 ـ 85)، وفي الطورين كان الانشغال بالجماعة وليس الافراد هو الغالب. هكذا حال الاحزاب والايديولوجيات اليسارية والشمولية عموما، معززة في الحالة البعثية بطبيعة النظام العراقي، ينصب التركيز لديها علي الجماعة امة كانت او طبقة فيصبح الافراد بعيدين عن بؤرة الاهتمام بينما تتضخم، للمفارقة، احجام الزعماء. تتعدد انتصارات الشعب والجماهير علي الاستعمار والامبريالية (تحولت اخيرا الي الكفر والاستكبار) بينما تتضاءل حقوق الانسان الفرد المعنوية والمادية. وهذا من جانب اخر هو تأثير الانظمة الشمولية المتطاولة عمرا علي الحياة الحزبية ومن بينها البعث نفسه في اقطار مثل السودان. بقدر ما يتطاول العمر بهذه النوعية من الانظمة يتفاقم خلل التوازن بين الجماعة والفرد في الاحزاب كمظهر اساسي من مظاهر تجذر طابعها اللاديمقراطي وذلك بفعل الضغوط القمعية المستمرة ونوعية الثقافة السياسية التي يسمم بها هذا النمط من الانظمة عقلية النخب المدينية بقولبة المنظومة التعليمية والاعلامية والثقافية وفق متطلباته مع سد منافذ التفاعل مع الخارج. بعد ان توقفت الضغوط القمعية خلال الاستراحة الديموقراطية السودانية القصيرة كالعادة 85 ـ 89 ظهر حسن احمد عبد الهادي ظهورا عابرا في الشاشة البعثية في سياق محاولة مبتورة لتوثيق تاريخ الحزب تصويرا وكتابة. ولو ان بعثيي السودان جميعا، وليس فقط مجموعة حزب البعث السوداني التي قطعت صلتها بقيادة العراق منذ 97، حسموا امرهم حسما لا رجوع فيه ولا لجلجة باتجاه الديموقراطية والتجديد راضين بدفع الضريبة الغالية لهذا الخيار الصعب سحبا من رصيد الحاضر لمصلحة المستقبل لارتفع لهم صوت مسموع في قضية تتعلق بتخليد ذكراه. اسرة حسن احمد عبد الهادي تخوض منذ عام 1992 نزاعا معقدا مع وزارة الشؤون الدينية والاوقاف بعد ان استولت الاخيرة علي عقاراتهم بما فيها المنزل الذي عاش فيه. كان بمقدور حضور بعثي فاعل ان يطرح من هذه النافذة الخاصة قضية عامة وهامة هي كيفية التعامل مع المواقع التي ترتبط بشخصيات لها تاريخ. في اضعف الايمان كان بمقدورهم طرح فكرة تثبيت لافتة معدنية صغيرة بهذا الاسم وتاريخ الميلاد والوفاة علي الحائط الخارجي. والحال ان اقصي ما أمكن تقديمه حتي الان هو هذه الكلمات المرصوصة.7