منذ انتهاء حرب اكتوبر 1973 المجيدة لم تغرق الدولة العبرية في مآتم الأحزان علي قتل جنودها كما تفعل الآن، فمنذ احتلالها للشريط الحدودي في جنوب لبنان واستباحتها للبنان كله في 1982 لم تبك علي قتلاها كما تبكي الآن.
وحين أقامت ما أسمته الشريط الحدودي الآمن في جنوب لبنان كان ادعاءها تأمين الجليل الشمالي ـ داخل حدود الدولة العبرية ـ من هجمات المقاومة سواء باطلاق الصواريخ أو بعبور الحدود في مهمات قتالية استشهادية، وحين غزت الدولة العبرية لبنان وصولا لاحتلال العاصمة بيروت وأعملت فيها التدمير والمذابح بقيادة الارهابي شارون، كان هدفها اخراج المقاومة الفلسطينية من كل لبنان معتقدة أنها بذلك ستؤمن حدودها الشمالية.
نجحت اسرائيل في تدمير بيروت واحتلال الجنوب واخراج المقاومة الفلسطينية من الأرض اللبنانية آنذاك، ونجحت في تلقين الانسانية الحديثة درسا في كيفية ايقاع واجراء المجازر بلا تمييز، لكنها لم تنجح في القضاء علي جذوة المقاومة وكسر ارادة القتال وذبح صمود المقاومين المصرين علي تحرير الأرض من دنس الاحتلال.
بعد هذه المدة الطويلة من الكر والفر والحروب الطويلة والقصيرة، أدركت الدولة العبرية بكل تياراتها السياسية والعسكرية مع كل حلفائها بأن جنوب لبنان قد تحول الي مستنقع الدم الاسرائيلي المهدر كل يوم دون توقف، وأدرك الجميع بأن جنوب لبنان هو الجبهة العربية الساخنة الوحيدة التي تمارس المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي الي جانب المقاومة الفلسطينية الباسلة في الداخل. واذا كان معظم العرب ـ اقصد هنا الحكام والحكومات ـ قد تكاتفوا مع الدولة العبرية الي جانب حليفتها أمريكا وبعض دول الغرب، فأن المقاومة المسلحة في فلسطين وجنوب لبنان سيبقي اللهب الذي يحرق وجه الاحتلال الاسرائيلي ويستنزف الدولة العبرية بالرغم من محاولاتها المستنجدة ـ في الخفاء ـ لأمريكا وحلفائها لاخفاء ضجيج القتل والدم الاسرائيلي النازف هنا وهناك. وهنا أود أن أقول للذين كانوا يرون ومازالوا يرون في المقاومة اللبنانية بكل فرقها وفصائلها وتنويعاتها بأنها مجرد مشاكسة صبيانية لا معني لها ولن تحقق شيئا له قيمة، اذ أنها لن تتمكن من زحزحة الاحتلال الاسرائيلي للجنوب ولن تهزم الجيش الذي لا يقهر، أو بأنها تشكل احراجا سياسيا وعسكريا لباقي الجبهات العربية الصامتة بحزم، بل قد تكون احراجا لخيار السلام الاستراتيجي الذي تبناه العرب مجتمعين وأن اختلفت سبل الوصول اليه والتفاوض حوله، أقول لهؤلاء بأن هذه المقاومة هي التي مازالت تحافظ علي كرامتكم التي أضعتموها بل بعتموها بأرخص الأثمان والموائد، فاجعلوا فقط هذه المقاومة تأخذ مجراها وستأتي بالذي عجزتم عن الاتيان به وفعله، ولتنتظروا يومكم الموعود الذي ستقولون فيه ياريتنا أكلنا يوم أكل الثور الأبيض.
معادي صوالحةطالب وباحث فلسطيني في المغرب 6