مصائر البعث السوداني في حياة شخصيتين: بدر الدين مدثر (2 من 2)
سياسي وعملي حتي النخاع كرّس اهتمامه للآخرين وظل الحزب حياته الحقيقية اليوميةالمؤسس الحقيقي لبعث السودان.. كان رمز مرحلة صعوده وغناه وفي مرضه كان رمزا لمرحلة انحسارهمصائر البعث السوداني في حياة شخصيتين: بدر الدين مدثر (2 من 2)عبد العزيزحسين الصاوي منذ يوم 25 كانون الثاني (يناير) الماضي الذي شهد رحيل بدر الدين مدثر، يسأل صاحبنا نفسه فجر كل يوم جديد: كيف يمر مثل هذا الحدث ولايتحرك ساكن قلمه بحرف واحد والصلة بالفقيد رفقة عمر، والاهم من ذلك، له موقعه في الحياة السودانية والعربية العامة ضمن صيغة حزبية تشاركا فيها طويلا؟ … لعل صاحبنا ظل يتوقع رد فعل مشابه لوفاة صديق ـ رفيق اخر قبل اعوام عديدة. صاحبنا كان قابل النبأ بما يشبه عدم الاكتراث وكأن عبد الله محمد عبد الرحمن لم يكن اول من استجاب لصرخة الولادة التي اطلقها تيار العروبة السياسية في جامعة الخرطوم اوائل الستينيات. غداة صدور اول عدد من جريدة الرائد الحائطية ظهر عبد الله في حجرة بداخلية سوباط كان صاحبنا يتقاسمها مع شريكه في اصدار الصحيفة محجوب الشيخ البشير (توفي اوائل السبعينيات)، عارضا خدماته دون معرفة سابقة. كل من عرف عبد الله احبه فقد كان تجسيدا لمعني كلمة انسان، تهش له القلوب من أول وهلة. كل ساعات يومه ونبضات فؤاده مكرسة للاخرين شأنا عاما وافرادا مدفوعا بمزاج رومانتيكي صوفي المنحي. وعندما اضحي عبد الله بعد ذلك ضمن مجموعات البعثيين الاولي ترسخت مكانته في وجدان صاحبنا. مع ذلك بقي نبأ وفاته في خاطره اسابيع دون ان يبدو عليه انه سمع به حتي عثر بمحض الصدفة علي صورة قديمة جمعتهما معا فانهارت سدود وبقي صاحبنا خارج مجري حياته العادية اياما. ربما غدا او بعد غد سيبكي صاحبنا بدر الدين مدثر بهذه الطريقة او بغيرها.تكوين شخصية بدر الدين مدثر كان نقيض تكوين شخصية عبد الله تماما وشبيهه في الان نفسه. فهو سياسي وعملي حتي النخاع، امهر الروائيين لا يستطيع استخراج غرام رومانتيكية واحد من شخصيته او سيرة حياته.. مع ذلك فقد كانت حياته مكرسة كلية للاخرين من خلال اختياراته السياسية ـ الفكرية فلم تعرف له حياة ومتع خاصة.. حتي بعد ان تزوج وانجب بقي الحزب حياته الحقيقية الي ومية. وبشهادة اكثر منتقديه عداء وشدة بقيت في بدر الدين نفحة من اللطف والادب في تعامله مع الناس حتي بعد ان توغل في اجواء العمل السياسي عميقا حينما اصبح البعث في السودان حزبا بحق وحقيق، ثم اعمق واعمق عندما توطد موقعه في سلطة البعث عراقيا. فالبعث، مثله في ذلك مثل احزاب وحكومات التغيير الشامل والسريع ايا كان اتجاهها، تخالط انسانيتها النابعة من مثاليتها وطوباوياتها المتعددة الأوجه قسوة تجاه من تعتبرهم اعداءها تنتهي بمرور الوقت الي استنزاف انسانيتها حتي في سلوك القيادات لا سيما اذا امتلكت سلطة الدولة وفي بلد مثل العراق بتاريخه المغمس في القسوة والعنف. ما هي مجموعة الروافد التي شكلت شخصية بدر الدين مدثر؟ ايهما اكثر اهمية من غيره؟ من حق الجميع ممن لهم الدراية والقدرة ثم الاهتمام ان تبقي هذه الاسئلة مفتوحة لمساهماتهم. فالشخصيات العامة ليست ملكا لنفسها او اسرتها او حزبها لان اختيارها نمط حياة يؤثر في حياة الاخرين يعطي الجميع الحق بالتفكير فيها. بديهي طبعا ان الاهتمام ببدر الدين مفقود حاليا. هذا ما يفيدنا به الصمت الصامت حول الموضوع فيما خلا بضع كتابات بعثية عند الوفاة. مسؤولية الصمت هي بالتأكيد انعكاس لغياب البعثيين عن المجال الفكري والسياسي المنفتح. بعض هذا الغياب جزء من الضعف الكبير في فعالية كافة الاحزاب، بدرجات متفاوته، تحت وطأة الغياب النوعي للقوي الحديثة بعد ان عصف بها عصر القمع السلطوي الطويل والتغييرات العشوائية للتركيبات الطبقية وبعض اسبابه بعثي بحت. البعض الاهم من البعض الاخير، حسب تقدير صاحبنا، هو خروج حزب البعث العربي الاشتراكي بمجموعه من دائرة التفاعل مع النخبة العربية المستنيرة بتماديه المتمادي في الانغلاق علي نفسه منذ عقود متأثرا بتوجهات نموذجيه التطبيقيين العراقي والسوري. اما البعض الاقل اهمية فهو ان تركيبة حزب البعث العربي الاشتراكي فوق ـ القطرية اقتضت غيابا طويلا للراحل عن السودان (25 عاما) بحكم عضويته في القيادة القومية وهو غياب لم ينته بعودته للسودان عام 2003 بسبب الحالة المرضية التي داهمته حتي وفاته. وهذا سر الصمت السوداني. تجربة البعد عن الساحة السودانية لم تعد غريبة علي الساسة السودانيين بعد تجاربهم المرة استثناء مع اكثر الدكتاتوريات الثلاث التي تحكمت بالبلاد منذ استقلالها دكتاتورية، ولكن الذين يقبلون او يتفهمون المنطق البعثي وراء خصوصية تركيبة الحزب فوق ـ القطرية هذه يدركون استثنائية الاعباء الباهظة التي تحملها بدر الدين ويقبلونها دون خصم علي دوره السوداني. الاف السودانيين شاهدوه علي شاشة التلفزيون محفوفا بمظاهر السلطة العراقية وفخامتها ولكن وراء ذلك كانت مسؤوليات جسام تزداد جسامة دون توقف، أي وحزب البعث يتحول باضطراد محاكيا تحول سلطة دولة راحت تتطور شموليا فتضيق فيها دائرة اتخاذ القرار. وكلما ضاقت دائرة القيادة ازدادت الاعباء كما وكيفا علي القياديين القلائل. وفي حالة بدر الدين مدثر توزعت الاعباء بين الاشراف الي ومي المباشر علي البعث في السودان وفي منطقة ممتدة من مصر حتي موريتانيا والمشاركة في بعض جوانب الحكم العراقي، لم يخفف منها هونا خلال السنوات الاخيرة الا ثقل المرض المتزايد. كفاءات بدر الدين ومميزات شخصيته رشحته لصعود سريع في العلاقة مع القيادة العراقية وصدام حسين شخصيا، كما في هرمية القيادة القومية للبعث حتي اصبح نائبا له كأمين عام متجاوزا بجدارة شخصيات بعثية عربية عمرها ضعف عمره. الخلفية الاسريةولد بدر الدين مدثر سليمان شاهين عام 1939 وولدت معه المسؤولية وكذلك كعب اخيل الصحي الذي نفذت من ثغرته الضيقة يد الموت المبكر. فقد رحل الوالد الذي عمل بالتجارة بجنوب السودان في الاربعينات من عمره متأثرا بمرض السكر وضغط الدم، وهو وراثي في بعض الاحيان، تاركا ابنه البكر في العاشرة من عمره ومعه شقيقاه سليمان وتيسير وشقيقته انعام وأرملة شابة ينادونها في الاسرة نينة . وهو لقب مستعار من اللهجة المصرية قد يكون اثرا من اثار جذور الوالد النوبية في شمال السودان الاقصي المتداخل مع النوبة المصرية او أثر التلاقح السوداني العام مع الثقافة المصرية في اجواء قلب الخرطوم القديمة التي تنتمي اليها السيدة فاطمة عمر. هذه المنطقة كانت احدي البؤر الرئيسية لولادة الحداثة السودانية اوائل القرن الماضي اطلق مخزونها المحلي التلاقح مع المصدر المصري فقدر لاهل العراقة المدينية هنا وبقية البؤر المشابهة تذوق ثمارها قبل غيرهم من اهل السودان ابتداء من الغناء الحضري كمظهر لنهوض ثقافي عام، الي السياسة الوطنية. وفي حدود ما يعرفه صاحبنا عن تاريخ الاسرة فإن هناك اشارتين واضحتين لمدي التفتح الذهني والنفسي للبيئة التي نشأت فيها السيدة فاطمة عمر. فمحمد عمر، شقيقها، كان ناشطا متميزا في الحركة الوطنيه وثورة 24 ضد الوجود البريطاني بينما يرد ذكر شقيقته في تاريخ الغناء السوداني الحديث كملهمة لواحدة من اشهر بواكير الغناء المديني. علي ان مدخل فاطمة عمر الي تاريخ البلاد الذي سيبقيها في الذاكرة اجيالا واجيالا، بعد عمر مديد نرجوه لها مخلصين بين ظهرانينا، كان في تأثيرها البناء علي اسرتها الخاصة. وهذه كانت توسعت لاحقا بذريتها من السيد كامل محمود: احلام وخالد وعلي بينما بقي شقيقان توأمان عند سن السادسة عندما ذهبا يلعبان في ماء المطر. كنت عندما تدخل محيط الاسرة في حي بري اللاماب بالخرطوم خلال الستينيات الاولي، حينما تعرف صاحبنا علي بدر الدين في سياق تأسيس اولي الخلايا البعثية، تكتشف ان الابواب مشرعة نحو مجموعة اصدقاء وليس عائلة سودانية تقليدية. اسرة متماسكة تنساب العلاقات فيها بنعومة ويسر بين الكبير والصغير، الرجال والنساء.. و العم كامل الذي اقترنت به السيدة فاطمة بعد وفاة زوجها الاول، روح مرحة سهلة اكثر شبوبية من شبان العائلة واصدقائهم.ليس عسيرا تصور ما كابدته هذه السيدة الجليلة من متاعب وما تنطوي عليه شخصيتها من مميزات لكي يتخلق من مجموعة اطفال تتوسع باضطراد مناخ عائلي بهذه الخصائص الايجابية. الاخوال والخالات لعبوا دورا بلا شك ولكن الام هي التي كانت في قلب الاشياء يوما بيوم وعقبة بعقبة حتي شب الاطفال عن الطوق. شب بدر الدين ربا اخر صغيرا للعائلة قبل ان يبلغ مبلغ الشباب مجسدا قيم الشعور العالي بالمسؤولية وقوة الاحتمال بما فاض عن الذاتي الي العام ومن العائلي الي الوطني والقومي مستلهما بشكل ما تراث اسرة والدته في هذا المجال ومستندا الي حس سياسي قوي، هي مجموعة المكونات التي جعلت منه الابرز بين مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي في السودان. ولكن الحقيقة هي ان الاسرة بكليتها كانت وراء هذا الدور التأسيسي بشكل ما.. مناخها الدافئ كانت قيمته مضاعفة لدي ثلة البعثيين اوائل الستينيات. هؤلاء كانوا وقتها يوشكون علي التجمد من صقيع برودة قصوي مصدرها مزيج العداء المكتوم والصريح او، ما هو اقسي علي المعنويات، الاهمال التام من حاضنتهم المفترضة في اوساط المتعلمين. في بري اللاماب كانوا يجدون الحاضنة البديلة. يتأنسون ببعضهم البعض من وحشة الصقيعة خارجها في وسط يرحب بهم كأشخاص وكبعثيين وفي قلبه قلب ام لم تكن غافلة عن المخاطر التي يتعرض لها بكرها ولكن ثقتها فيه وقد رأته ينضج قبل يومه رجلا مسؤولا، وتكوينها الشخصي وإرث الاسرة كان يجعلها ركيزة الحاضنة. المنزل كان مركزا بعثيا مكشوفا يمارس منه ايضا نشاط سياسي معاد لنظام نوفمبر 58 الدكتاتوري، والقادم الاعظم من الاذي لبدر الدين كانت نذره واضحة في الاعتقالات المتكررة التي يتعرض لها بينما تنجذب الي دائرة قياديته الطبيعية والمكتسبة شقيقته انعام ثم شقيقة الاصغر تيسير فيما بعد. بهذا المعني كانت الاسرة حقا اسرة البعث والام امه. اسر سودانية كثيرة وامهات كثر تحملن ضريبة العمل العام من خلال البعث بعد ذلك بسنوات وسنوات عندما نما الحزب وانتشر وبعضهم ممن فقدوا احباءهم دفعوا ثمنا اغلي، ولكن بمقياس فضل الريادة وغرس البذور الاولي تظل فاطمة عمر واسرة مدثر ـ كامل هي مستحقة التوصيف.بدر البعثجادل صاحبنا ويجادل بأن مستحق صفة المؤسس الاول للحزب هو بدر الدين مدثر بما لا ينتقص من ادوار الاخرين ولا سيما شخصية مثل شوقي ملاسي كان لها حضورها المميز نسبيا بالمقارنة للاخرين ممن قدر لهم ان يكونوا ضمن الصيغة البعثية السودانية الاولي بعد مرحلة الارهاصات منذ منتصف الخمسينات سواء بفعل فعلهم او مجرد الصدفة. احزاب المدي التاريخي تنشأ عادة لمقابلة حاجة مجتمعية تاريخية ولكن التوقيت يبقي رهينا بظهور شخصية ذات خصائص استثنائية في تلافيف تلك العلاقة الغامضة والمعقدة بين التاريخ الذي يصنع الافراد والافراد الذين يصنعون التاريخ. كذلك فإن التأسيس في الحركات التي تمر بمنعطفات هائلة لظروف خاصة بها او الواقع الذي تتأثر به له اكثر من مرحلة وتاليا اكثر من مؤسس. في سياق هذه التحفظات علي طبيعة الدورالفردي، حدوده وطبيعته، تنهض الصور التالية في سيرة بدر الدين مدثر كما يرسمها صاحبنا:الصورة الاولي: تحت شعر رأس لافت بغزارته والشارب الكث تطل عليك ملامح وجه مريح بتناغم ملامحه مركبا علي جسد متناقض بين ترهله وحركته الدائبة حتي ان احد اقربائه قال لاهله مرة ان ابنهم مثل العفريت تجده في كل شوارع الخرطوم. هكذا وقع نظر صاحبنا علي بدر الدين طالب الحقوق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم لاول مرة، أي قبل ما ينوف عن العشرين عاما من سياسة الترشيق التي طالت كبار المسؤولين في عراق صدام اوائل الثمانينيات واجراءات مكافحة امراض ضغط الدم والسكر وادت الي تخفيض وزنه. غير ان الوقت لم يطل بصاحبنا ليهتدي الي ان سر اجتماع الترهل والحركة في شخصية واحدة يعود الي ان مركزا ما في المخ كان يرسل اشارة واحدة لا غير الي الجسد فينزاح كعقبة امام الحركة، هي: لا بد من انجاح التجربة البعثية. تلك، بعبارة اخري، كانت احدي امارات عديدة لقوة الارادة في تكوين شخصية بدر الدين مدثر فيما خص السلوك الشخصي. وامارة ثانية : السياسي السوداني الرشيد الطاهر، وكانا في احد الاعتقالات المتكررة لبدر الدين يتقاسمان عنبرا في سجن كوبر مع اخرين، قال مازحا ان فلان له شهية للاكل ولكن بدر الدين له شهوة . وهذه حقيقه. فآخر ما فعله بدر الدين قبل ان يسلم نفسه لقبضة الدكتاتورية الثانية (69ـ 85) وربما للمشنقة في تموز (يوليو) 1971 كان تناول وجبة دسمة. في ذلك التاريخ انفلتت مجزرة اودت بقيادة الحزب الشيوعي اثر انقلاب فاشل بينما بعض الاشارات كانت تضع البعث في دائرة الاتهام علي ضآلة حجمه وقتها حتي انه لم يكن قادرا علي اخفاء بدر الدين. مع ذلك فإن صـــــــوم رمضان كان عادة متأصلة فيه منذ الصغر حتي وفاته، مع ان الافطار او الصوم المتقطع كان امرا عاديا في الاوساط المدينيه الشبابية آنذاك. وفي زمن ستيني كان عامرا بقيم الدين في المعاملات الخاصة والعامة، قبل ان يطرده الاسلامــــيون من القلوب الي الالسنة والمظاهر، كان ارتياد الازقة الحمراء ومقاربة المسكرات من قبل معظم الشباب امرا عاديا بينما قائمة (رذائل) بدر الدين الشاب العازب كانت تشمل الآتي: زجاجة جعة واحدة من حين لاخر، ارتياد السينما، التدخين و سفة صاعوت ( تبغ محلي يوضع تحت الشفة السفلي). ومع الزمن القصير لم يبق من هذه القائمة الا التدخين.الصورة الثانيةيذكر صاحبنا جيدا، وكان خلال فترة طويلة في بداية البدايات عضوا في القيادة ومسؤولا عنها احيانا، كيف كانت شرارة مبادرة من بدر الدين مدثر هي التي تحيي موات جمرات تكاد تندثر. الواقع السوداني، لا سيما في اوساط المتعلمين كان ولا يزال اكثر ازورارا عن صفة العربي بالمقارنة لواقع اقطار الوطن العربي الاخري. اضافة لذلك فإن البعث في المشرق كان آنئذ 60 ـ 63 محاصرا حد الاختناق بســــــطوة الناصرية الشعبوية وببداية سلسلة من التصدعات الداخلية نتيجة صراعه معها. من هنا كانت البدايات متعثرة تعثر احتضار في بعض الاحيان. يبلغ بنا الي أس قاعا مظلما فنبقي شهورا دون اجتماع واحد ويكون بدر الدين غالبا هو الذي يكسر حالة الاستسلام للعقم هذه.حتي عندما استوي العمل علي وتيرة استقرار ما كانت فكرة (مجنونة) من بدر الدين نقطة اختراق اوصل بعث السودان فيما بعد الي عتبة جماهيرية ما في غرب السودان لم يحققها في اي منطقة اخري. مثل كافة القوي السياسية السودانية، كبيرها وصغيرها، قديمها وجديدها، كان افراد المجموعات البعثية الاولي يدعون وصلا بليلي الثورة المهدية ضد الحكم التركي في القرن التاسع عشر. بيد ان سدا منيعا متعدد الطبقات في عقليتهم ونفسيتهم كان يمنع أي تفكير جدي بإمكانية التعامل مع قبائل غرب البلاد التي ارتبطت منذ اربعينات القرن اللاحق بحزب الامة وطائفة الانصار، منعا مطلقا وباتا. مزيج من الانتماء الاسري للمعسكر الاخر، طائفة الختمية والحزب الاتحادي (مع مصر)، والنشأة المدينية زائدا قلة المعرفة بالولاءات السياسية للقبائل البعيدة في بلد شاسع المساحة كان يلخص الغرب في مخيلة اوائل البعثيين السودانيين بحزب الامة المعادي لمصر والعروبة وفي الانصاري المخيف حامل الرمح جندي جيش الرجعية الريفي. وعندما طفق بدر الدين في مخاطباته المنابرية خلال فترة الديموقراطية الثانية ( 64 ـ 69 ) يتجاوز الاشادة الروتينية العادية بالثورة المهدية الي الحديث عن جماهيرها بنغمة ايجابية بدا الامر غريبا علي كافة افراد المجموعة، وفي افضل الاحوال عدوه ضربا من التشويش علي حزب الامة، عدونا الأوحد وقتها. لعل تفكير بدر الدين الواعي نفسه لم يذهب في مطالعه ابعد من هذا المدي ولكن مداومته علي الكلام حول الموضوع كان بالتأكيد ينطلق من حدس ما بأن للمسألة بعدا اعمق وارحب باعتبار ان هذه القبائل نفسها مستودع عروبة خام. بعض ملامح هذا البعد راحت تتضح رويدا رويدا تطويرا للفكرة تحت ضغط اضطراره للاهتمام بكيفية تنويع طريقة طرحه لها منعا لملل للتكرار. وهكذا هي الملكة القيادية: لا يشترط ان تكون عبقرية خارقة تنتج الافكار متكاملة من اول وهلة وانما هي دفع نحو آفاق غير مطروقة بمزيج من الخيال والواقعية مضبوط المقادير لا يتوفر بنفس القدر لدي الاخرين ويؤتي اكله بعنصر مكمل للملكة القيادية وهو قدرة التأثير في من حوله حتي دون تعمد. في هذا السياق شرع صاحبنا، وكان موكلا الي ه الجانب الثقافي، بمحاولات تقعيد للفكرة افضت في الثمانينات الي كتاب الثورة المهدية مشروع رؤية جديدة متلاقحة مع مجهودات وبحوث محمد علي جادين ومحمد عتيق وعمر مهاجر وغيرهم وهي اول دراسة لهذا الحدث التكويني للسودان المعاصر من وجهة نظر قومية. ومن تلك الفكرة ( المجنونة) ايضا توالد بعد ذلك عشرات الناشطين البعثيين من ابناء غرب السودان ونشأت مراكز اساسية للبعث في مدن المنطقه الابيض والدلنج وام روابة وحتي في مضارب قبائل المسيرية والرزيقات. بدر الغياب والتاريخفي سودان الي وم. سودان القسوة المرة المفروضة علي التوادد السوداني التقليدي بضغط ظروف الانهيار المعيشي والحروب الاهلية يعز علي السودانيين الاعتراف بأن البال ، وبالتالي الوقت، لم يعد يتسع لمن يطول مرضهم مهما كانت رغبتنا عكس ذلك. تراكمت علينا فجائع الموت المبكر والامراض المقعدة لاقرب الاقربين واحب الاحباء فبقي الاحساس بالصدمة والمأساة مقصورا علي اولئك الذين يعيشون هذه التجربة لاول مرة.اوضاع صاحبنا الشخصية الاستثنائية كانت تتيح له البقاء مع بدر الدين لفترات تطول احيانا بعد عودته للسودان عام 2003 صورة باهتة لبدر الدين الذي غادره منذ السبعينات بدون انقطاع سوي فترة قصيره خلال الديموقراطية الثالثه (85ـ89). يزداد احساسك بالفجيعة عندما كنت تجلس الي ه فيعود اليك للحظات خاطفة كما عرفته قبل ان يهجم علي ملكاته العقلية تحالف السكر والضغط والكولسترول بضربة مؤثرة بعد انهيار مصدات العناية الطبية مع انهيار النظام العراقي اثر بداية الحرب. في لحظات معينة يصفو ذهنه ويعود الي مخزون الذاكرة القديمة المشتركة بينكما مستخرجا منها ما لا تسعفك به حتي ذاكرتك المعافاة. الذهن الذي بات مشوشا مضطربا يتفجر بتفاصيل عن اول مؤتمر للفرقة (الشكل التنظيمي في البعث بعد الخلايا) ومحاولات النقد الذاتي الساذجة التي كادت تتحول الي ملاسنات شخصية بين فلان وفلان. تكاد تبكي فرحا وتحاول جاهدا الامساك بهذه اللحظة المضيئة ولكنها تفلت منك فيعود الذهن الي متاهات لا تعرف طريقك فيها. يطلب منك الحصول علي ممنوعات مهلكة في مثل حالته كالسجائر. يخالف كافة البديهيات والنصائح الطبية لمن يعانون مثله من كوكتيل امراض قاتل صاعق تفجيره عدم الانضباط التام في المأكل والمشرب قبل العقاقير وبعدها. كأنه كان يستعجل الرحيل ليحتفظ بصورته في الاذهان بهية عنفوانية او يمارس نوعا من الانسحاب اللاشعوري كرد فعل للانهيار المريع لعالمه البعثي (العراقي). اخرون مثله ظلوا علي ولائهم لحزب البعث كما اعادت قيادة صدام صياغته ويسعون لاعادة بناء هذا العالم بحجارة (المقاومة)، بعكس صاحبنا واخرين ممن يعتقدون بأن الافضل استخدام حجارة الديموقراطية، لماذا لم يعد معهم بدر الدين ليبقي كما عرفناه حتي ولو بعدت بيننا المسافات السياسية؟مهما كانت دوافع المحبة والتقدير الشخصيين والوفاء لذكريات الشباب يتعذر الهروب من فكرة ان رمزية بدر الدين مدثر ظلت فاعلة في مرضه ايضا كإشارة لمرحلة يتفق جميع البعثيين السودانيين علي انها انتهت وان اختلفوا في اسباب ذلك بين المسببات الداخلية والخارجية. مرحلة التأسيس والصعود كان بدر الدين رمزها الغني بلا منازع وأبت اقدار المرض الا ان يكون ايضا رمزا لمرحلة الانحسار فماذا يبقي منه للتاريخ: هل تجب (ضم الجيم وتشديد الباء) حقيقة كونه، حسب ما يعتقد صاحبنا ومن يشاركونه آراءه، ظل جزءا فاعلا من التراجع المضطرد للتجربة البعثية ما قدمه في المرحلة السابقة؟ وفق هذه الرؤيه اهدرت قيادة صدام اخر فرصة لتعديل المسار نحو الافق الديموقراطي بعد نهاية حرب الثماني سنوات مع ايران عام 1988. وجاء غزو الكويت اوائل العقد التاسع ليكشف عن التكرس النهائي لوجهة الانغلاق ضد الاخر العراقي السياسي ـ الفكري مدشنا تحول الحزب الي تركيبة عائلية ـ عشائرية تنافس الاسلاميين في الخطاب الديني. لماذا بقي بدر الدين مدثر متمسكا بقيادة صدام؟ هل هي القناعة ام الوفاء الشخصي لصدام حسين؟ هل خالطت انسانيته ومبدأيته شبهة الحرص علي الاوضاع السلطوية المريحة بأكثر من وجه، علي متاعبها واعبائها؟ هل .. وهل … وهل؟ هذه اسئلة لا يمكن لصاحبنا الا ان يطرحها علي نفسه لانها مطروحة من قبل الكثيرين بعثيين وغير بعثيين يتحدثون بلسان تاريخ سيكتب يوما ما بموضوعية وتوازن. يوم يعود فيه البعث وبدر الدين الي دائرة الاهتمام كجزء من عودة التطور السياسي العربي والسوداني الي مجراه الطبيعي. وحتي لو لم تنجح محاولة احياء بعث السودان الجارية الان علي مسارين احدهما من داخل الصيغة السابقة والاخر من خارجها، فإن التفكير الموضوعي لا يمكنه تجاهل المساحة البعثية في تاريخ السودان المعاصر لا سيما خلال الثمانينيات الاخيرة عندما تصدر حركة المعارضة ضد دكتاتورية جعفر نميري حتي سقوطها عام 85. ان اعظم تكريم لشخصية ما هو ان تبقي مصدر الهام للاجيال اللاحقة. وأهم شرط لذلك ان تقدم بصورة واقعية بشرية فيها السلبي والايجابي وليس كأبطال الاساطير المجبولين من طينة الايجاب المطلق الذين درجنا علي اختراعهم منذ الزمن الناصري. بهذا وحده يمكن للبشر الاخرين القادمين مستقبلا ان يتعرفوا علي انفسهم فيها ويتأثروا بايجابياتها. في نعي بدر الدين مدثر ينعي صاحبنا نفسه شخصا وتجربة بعثية. جزء من أي انسان يموت عندما يفقد عزيزا عليه خاصة في شطر العمر الاخير عندما يصبح الماضي وقاطنوه، اشخاصا وذكريات، اعز واجمل مما كانوا عليه في مرحلة سابقة. اما التجربة السياسية فرغم ان اسهام صاحبنا فيها لا يساوي قطرة في محيط بالمقارنة لاسهام بدر الدين مدثر الا ان النزف العاطفي لنهايتها في مسارها القديم يبقي موجودا ومحزنا. فمع ما اعتبره صاحبنا اخطاء مزمنة فيه، مما ادي لانسحابه منه، كانت هناك بطولات وصداقات ونوايا حسنة. بتاريخ 15 شباط (فبراير) 1999 كتب صاحبنا رسالة مسهبة الي بدر الدين مدثر شرح فيها تفكيره حول ضرورات تغيير المسار جاء فيها بالحرف: فقد ظللت امام الاخرين اقول دائما، عندما تأتي المناسبة، انه لولا بدر الدين مدثر لتأخر نشوء الحزب في السودان عشرة اعوام علي الاقل . وهي قناعة ستظل باقية دوما لديه. 7