بين الزنزانة والمنفي: ما قل ودل من خواطر لاجيء سياسي

حجم الخط
0

بين الزنزانة والمنفي: ما قل ودل من خواطر لاجيء سياسي

منذر اللاويبين الزنزانة والمنفي: ما قل ودل من خواطر لاجيء سياسي مت اسلاميا او شيوعيا في الزنزانة او في المنفي لا اعارضك فهو حظك، انت مسؤول عنه في الاخر، سواء جاء موتك بحبل المشنقة او برصاصة وسط مظاهرة، المهم ان دمك لن يجف من ذاكرة السنة الناس سواء مدحوك او ذموك في فعلتك تلك.ولكن حين يتعلق خبر الموت بأحد من اهلك واشد الاقربين اليك فهناك وقفة او وقفات تخفي وراءها حكاية:تقتاد من بيتكم ذات فجر بين افراد عائلتكم وهم في حيرة من امرهم لا حول ولا قوة لهم سواء السكرة علي عيونهم، وامك تقسم بأقدس شيء عندها وعندهم ان كانوا يؤمنون به ان يأخذوها مكان ابنها المحاط بعشرات رجال المخابرات وهو حافي القدمين لا يعرف الي اي مكان هو ذاهب ولكن بالتأكيد ليس للمسرح او الحديقة او للعب الكرة.وترمي الي زنزانة تزورها لاول مرة وتدخل الي عالم السياسة التطبيقية بعيدا عن شعارات المهرجانات الثقافية وتخرج من حلم المراهقة السياسية الي عالم لا تعرف كم ستظل بين جدران زنزانته المتواجد بداخلها اناس لم ترهم من قبل تختلف معهم في كل شيء الا في السياسة وحسب وتصير الزنزانة كتابا يكتبه سكانها من خلال الشعر والحكم والاغاني. وتظل انت معهم وينقطع الجميع عن العالم الخارجي. وتخرج بعد دهر وسنين معدودة فتجد الجدة فارقت الحياة وهي طالبت ذات مرة ان لا تلتحق بالمظاهرات خيفة عليك! غير عارفة بسقوط الشهداء وعدد الجرحي! ويتجنبك الصديق بعد الخروج مخافة عيون الرقيب التي تتناوب عليك وعلي غيرك ممن اختار ذاك الطريق. امك المسكينة كل مساء تبلل وجهك بدموعها البريئة الحارة: يا ولدي خذ عكس هذا الطريق وحدك لا تستطيع ان تقيم امة! وحدك تموت كالغريق! تزوج، انظر الي اقاربك وابناء الحارة والبعيد، الكل يملك المال والولد وبقيت وحدك المتخلف في كل شيء!في الاخير تختار سفينة الهروب من تلك (الزنزانة الكبيرة) فتودعك امك ذات جمعة مع تباشير الفجر وتقبل رأس ابيك وتغيب طويلا كما غابت الشمس عن زنزانتك وربما اكثر. ولكن رجال المباحث لا يغيبون عن ملاحقة امك وابيك صباح مساء نفس الحكاية (نريد عنوان ابنكم) حتي في مأتم اخيك الذي صادف موته يوم استشهاد الشيخ احمد ياسين، اخوك شاهد علي الهواء مباشرة جنازة الشيخ ياسين ثم اخذته المنية اثر حادث فصار شهيدا ايضا لكن بتفاوت في النية والمسؤولية مع تلاحق الارواح عند بارئها هناك التحقت ارواحهم بكل الذين سبقوا الي هناك الي عالم الخالدين من شهداء الفلوجة وجنين وبعقوبة وحماه وصبرا وشاتيلا وتدمر.غياب جدتك واخوك وابوك ليس بالحمل الثقيل مثلما حدث للاخرين ممن استوت بهم الارض وقد لا تخرج اجسادهم الا مع جملة الاثقال يوم الدين.ويزداد ألم الغربة وتحصل علي جنسية هذا البلد (فتخبر تلك الام المذبوحة بمصيبة فقدان ابنها لعل احزان الزمان تذهب عنها) لكن تلك الاخيرة ترجوك الا تعود اليها فتقرأ بين سطور رسالتها الهاتفية المستعجلة ان دار لقمان هي علي حالها وربما ازدادت سوءا! خاصة بعد ان رزق ذلك الحاكم بولد! وجاءت لحظات تنفس الصعداء لتري امك وأباك بعيدا عن الوطن بعد فراق دام سنين وسنين وكنت تطمح ان يكون اللقاء مفاجئا وتقبل ايديهما ولم لا ارجلهما! واقترب موعد زفاف اخيك الصغير وزفافك انت الذي لا وقت لتأخيره اكثر! ولكن فجأة هكذا يغادر ابوك الحياة تاركا وراءه شريطا (يصف عذاب القبر) دون اي شيء آخر، راحت روحه الطاهرة لتنام عند ربها ليلة الجمعة بعد ان كانت اخر مكالمة بينك وبينه انه توضأ (منتظرا صلاة العشاء)، الموت هذه المرة اخذ منك ابوك، ابوك الذي عاش اغلب الحروب العالمية! تجاوز سنه التسعين لم يشهد انه أحب اي نظام في تلك البلاد او في غيرها، عشق فلسطين والشيخ كشك وعلماء الامة العاملين دفن علي بعد متر من قبر اخيك الذي لم تفارق صورته سماء قلبك الذي غبت عن جنازته وقد تكون انت المغسل له الامام عليه، هو الموت اذا! جاء في الزمن المنسي، طرق بوابة الاحزان رمي بكل ما تمنيته عرض الحائط كان حلمك ان تصلي مع ابوك بالقدس الشريف! ان يبلغ ابوك المئة عام ان يزور مكتبتك الضخمة بلندن فهو الذي اشتري لك وانت لم تبلغ السابعة عشرة تفسير (في ظلال القرآن ـ للشهيد سيد قطب) وهو الذي ارسل لك قبل شهرين من رحيله مجموعة كتب نادرة عن تاريخ ذلك البلد قصد مساعدتك في تأليف كتاب تهديه لابيك وامك واخوتك الراحل منهم والباقي لاجل مسمي.جدتك اخوك ابوك وكبار العائلة سبقوك الي الدار التي لا بد منها. دع عنك حسناتهم وسيئاتهم فأمرهم مفوض لربهم! لكنهم لم يشاركوا في تشريد امة لم يقدموا ارواح شعبهم فريسة للحيتان الجائعة علي اطباق ـ قوارب الموت! ابوك لم يستطع ان يمنع الغزاة من اسقاط بلد الرشيد بغداد في التاسع من نيسان (ابريل) 2003 اكتفي بالدعاء في الصلاة علي الافرنجة وذلك ـ اضعف الايمان، امك المسكينة ايقظتك فجر قصف العراق سنة 1991 وهي متحسرة القلب عكس دول عربية شاركت في تلك الجريمة النكراء. احد اخوتك انضم لقوات الثورة الفلسطينية عكس جيوش دول عربية كانت متسابقة في دك مخيمات الفلسطينيين ارضاء لامريكا والصهيونية وما تبقي من اللقطاء من غير الجنس الادمي!رحل اخوك وابوك ورحل ادوارد سعيد وروبن كوك والشيخ احمد ياسين والرنتيسي وابو علي مصطفي الي العالم الاخر بعد ان ضحوا المواقف التي عاشوا من اجلها!والقضية يا صاحبي يا اخي الذي لم تلده امي:ان يرحل ذلك الزعيم الي خلف البحار حيث قصوره او ان يباع في سوق الاطمار البالية يفعل العالم الراحل (العز بن عبد السلام) مع امراء عصره حين ظلموا شعوبهم.لن يندم جرح فراق الوطن وفقدان الاهل الا بتحقيق هذا الشرط والي حين نهاية الساعة المظلمة! فليعد من شاء من النافذة او من الباب مع الفجر او عند الظهيرة من البحر او من الجو. فاللاجئون من بين وطني هم ثلاثة لا اقل ولا زيادة، منهم من خان الطريق وتناسي جراح الاخ والرفيق ومنهم من فارق الحياة ودفن في مقابر الغرباء عند فجر دامس دون بكاء الاهل وحضور الصديق، ومنهم من ظل يعيش علي مقولة سيدنا عمر بن الخطاب متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا رافضا التوقيع علي صك طلب الغفران من نافذة سفارة بالغرب هنا وهناك. ولكن حتما سيعود هو ومن ظل علي خط النضال وما اقلهم. سيعودون الان او عند المشيب او نعوشا او عظام رميم، او سيعودون من خلال كتابة تاريخ شعب قدره حتي الان انه لا يستطيع ان يرفع رأسه حتي كبقية افراخ الوز وسط براكين المياه. دماء الشهداء امانة في اعناق اهل البلد ليست قنطرة عبور لمن هب ودب! خذوا عنا احزابكم وخطاباتكم لا نريد صورا لزعماء، لا نثني بعد الله علي احد، سوي علي الدماء والجراح ورحيل الاخوان والاباء. كفانا زعامة ومنافع هيا ارحلوا عنا جميعا لم نعد مخبرا لتجارب الافكار والسياسات الفاشلة.ہ باحث من لندن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية