تجنب شخصنة المقاومة
د. علي محمد فخروتجنب شخصنة المقاومةمن طبع البشر أن يتعلقوا بالأشخاص أكثر من تعلقهم بالمؤسسات. فالمؤسسة هي فكرة مجردة غير محسوسة بينما الأشخاص هم من لحم ودم متجسدون أمامنا فكراً وحديثا وتصرفات. هذا الطبع البشري هو نقطة ضعف في حياة المجتمعات وعلي الأخص في حياتها السياسية، لكنه يوجد مضاعفا في المجتمعات العربية. تلك مقدمة ضرورية عند النظر في كيفية تفاعل الإعلام والشارع العربيين مع المشهد الجديد في حياتنا العربية: مشهد إنجازات المقاومة العربية والإسلامية الباسلة في لبنان وفلسطين والعراق وغيرها. في تفاعل العرب مع ذلك المشهد تبرز ثلاث نقاط جديرة بالانتباه لها:أولاً: المبالغة في شخصنة حركات المقاومة إلي الحد الذي يبدو وكأن انتصاراتها هي حصيلة جهود وعبقرية الشخص القائد وحده. يبدو ذلك أكثر وضوحاً عند التعامل مع المقاومة الإسلامية في لبنان. فالانتصارات الرائعة التي حققها حزب الله تكاد تختزل في قائدها الفذ، ويكاد الناس أن ينسوا أن وراء سماحة السيد حسن نصر الله عشرات ممن نجحوا في كسر الطوق المعرفي والتكنولوجي العسكري الحديث، ومئات ممن درسوا وطبقوا بكفاءة عالية نظم الإدارة والتنظيم الحديثين الصارمين، ومئات ممن أبدعوا في تربية الألوف من الشباب تربية إسلامية ثورية جهادية استشهادية لا تهاب الموت بل وتعشقه، وألوف ممن توصلوا إلي جعل مجتمعات الجنوب المحلية واحات أمان واحتضان وسكان الجنوب بحرا من الشجاعة واحتقار العدو والثقة في المقاومة.ثانيا: وإذن، وكتكملة لما سبق، يجدر التركيز الشديد علي تفاصيل وخبايا مأسسة المقاومة، علي طريقة بنائها، علي منهجية وأساليب عملها، علي علاقاتها العضوية المتلاحمة المتناغمة مع محيطها المحلي والوطني، علي كفاءة تحالفاتها الإستراتيجية في الداخل والخارج، علي أساليب اتخاذ القرارات الكبري فيها، وأخيراً علي قدراتها الموضوعية في أن تكون رافداً لحركات التحرر الوطني والنهوض العربية في المستقبل المنظور. ذلك أن كيفية صنع المؤسسات وتسييرها بكفاءة وربطها بأحكام بالأسس الكبري التي تحرك عصرنا قد أصبحت احدي قضايا العربية الكبري بعد أن شاهدنا مآسي الوهن والبلادة والفوضي والتخلف التي تميزت بها الكثير من المؤسسات العربية، وعلي الأخص السياسية منها، عبر القرن الماضي كله. من هنا فان الانجازات التي حققتها حركات المقاومة، كل بأسلوبها الخاص الملفت للنظر، في العراق ولبنان وفلسطين يجب ان تتجذر في ثقافة العرب السياسية لتحفز وتغني كل مؤسسات المجتمع المدني في الأرض العربية كلها. وذلك لن يتم إذا رجحت كفة الشخصنة علي كفة المأسسة في تحليلنا الحالي للمقاومة الطليعية الواعدة التي تشع أنوارها من الأقطار العربية الثلاثة.ثالثا: لم يعرف التاريخ حركة مقاومة وطنية ناجحة وفاعلة دون تعاطف وإسناد من قبل محيطها البشري. وبالرغم من أن ذلك التعاطف والإسناد يمكن أن يكون عفويا، إلا إن التاريخ يشير إلي أن بناء تلك العلاقات يحتاج إلي أساليب متعددة، وعلي مستويات مختلفة، وإلي جهود دؤوبة مضنية طويلة الأمد. من هنا فان دراسة العلاقات الحميمية التعاضدية بين حركات المقاومة الثلاث وبين الجماهير المحيطة بها، بالرغم من الآلام والأحزان والتضحيات الجسام التي تتعرض لها تلك الجماهير يوميا بسبب نشاطات المقاومة، أصبحت أمراً بالغ الأهمية للحركات السياسية العربية كلها التي فشلت ولا تزال تفشل في تحريك أناس محيطها حتي للتظاهر، وليس مواجهة الموت والدمار، من أجل مقاومة الاستبداد والفساد الداخلي أو هيمنة الاستعمار الخارجي.قادة المقاومة لم يقصدوا قط أن تنقلب المقاومة الي استعراضات فولكلورية وقصص إعجاب لأفراد أبطال، بل يهمهم أن تتجذر روح ومنهجية المقاومة في أن تكون فاعلة بنجاح، عصرية إلي أبعد الحدود، مستمرة دون توقف، محتقرة للأقوال التي لا تسندها أفعال، ومتوجهة أبداً نحو النور الذي تطل تباشيره من المستقبل.9