الطاهر العبيديعائدون… الطفولة هي السفينة والقبطان والمجداف، هي رمز الخلق والابداع، هي التنوير والتعمير والتبشير بغد يبشر بتجدّد الدماء، وتجدّد الوعي وتواصل الأجيال وبناء الجسور، والاستنهاض من تحت الاسمنت المنثور.. تصطدم الكلمات هنا علي الورق، وتحتاج اللغة المعدنية الي عملية تهوئة، تتصلب شرايين المفردات وهي تبحث في قاموس الطفولة، عن بقايا شعاع أمل أمام جدار الصمت اللغوي، وأمام جدار الفصل الاصطناعي، وأمام أنظمة منع التجول الفكري، ليكون المشهد مأزقا أمميا، حين تصبح الطفولة هدفا للتدمير العشوائي، وفريسة للقصف الذكي، والتدمير المنهجي، ليتحول الانسان المدني، الي كائن حجري، تتجمّد فيه قيم العقل وقيم العدل وقيم النضج الانساني، لتستيقظ فيه براكين الحقد العدمي، وبشاعة الجرم العبثي، وعدم الفصل بين من يحمل بندقية ومن يحمل لعبة يدوية، لتكون المجزرة تلو المجزرة، وبينهما أطفال أجسادهم تحت الركام مبعثرة، علي حدود أنظمة مقوّسة الظهر متفرّجة… ففي الوقت الذي ينعم فيه أطفال العالم بالبحر والعطل الصيفية، تنهمر القنابل العنقودية، لتقصف الطفولة البريئة في قانا، وصيدا، وبعلبك… وغيرها من مدن الوجع العربي، في الزمن الانكساري والجرم الانساني… أطفال العالم يتمتعون بحرارة شمس الصيف في المصائف والمضائف والغابات والشواطئ، وأطفال لبنان هناك مشرّدون في الحدائق في العراء هائمون، في الشوارع متناثرون، في المدارس مكدّسون، في الملاجئ مبعثرون، في الجوامع في الكنائس في الادارات في الساحات قابعون، يحلمون بسقف بيت، يحميهم من لسعات القيظ والحر، وزاوية ينشرون فيها لعبهم الطفولية، بعيدا عن روائح اللحم البشري المشوي، وغبار البيوت المهدّمة، والجسور المحطمة، والمباني المدمّرة، والأجساد المقطعة، والأحلام المفتتة، ومشاهد الصور المرعبة… أطفال العالم في البحار والمسابح يستجمّون، وأطفال لبنان جياع هناك، لا خبز لا حليب ولا حلوي ولا دواء، وسبات تسكنه كوابيس وبكاء، وعيونهم معلقة في سماء لا تمطر سوي عناقيد الموت والدمار، وأرض تشتعل تحت سعال القذائف والدبابات… أجساد غضّه أنهكها أزيز الطائرات، وقصف المدفعيات، وقعقعة الصواريخ العابرة للحدود والممرات، وحديث الحرب وصفارات الانذار، وولولة سيارات الاسعاف، والنيران المشتعلة في الأشجار والأحجار والبيوت والأجسام… تلك هي بعض مشاهد واقع الدمار، من حرب مسعورة، تحاول قصف أحلام طفولة لبنان، تريد أن تسطو علي براءة الأطفال، لتكون الصورة أطفالا من مختلف الأعمار، يتوسّدون الانتظار، يترقبون انقشاع السماء ليعودوا الي مواطنهم هناك، ليرسموا علي كراساتهم المنهكة بقلم رصاص، بعض النداءات أو بعض البلاغات، أو بعض الكلمات منادين: يا أهالينا في كل المواقع والمهاجر من وراء البحار هناك، يا أحبابنا وأصدقاءنا في كل المواقع والمنابر الشريفة، التي تحترم الرأي والرأي المضاد، وتحاول بناء العقل، وزرع الفعل الحضاري، وبذر قيم الدفاع عن العرض والأرض وتثوير الضمير، يا كل الصحف والجرائد التي تحترم البشر والعباد، وتشترك معنا في نفس المصير، يا كل المستيقظين في زمن السبات وزمن الفتات، وزمن النعاس وزمن السعير، يا كل هؤلاء، يا كل الأقلام الحرة المنتفضة علي الرسوب في المناطق الوسطي، ما بين الفعل والتنظير، ما بين النص والتحرير، ما بين الكلام والتحليل، ليكون الحرف الواعي شاهدا علي العصر، محتضنا لهموم ومتاعب الانسان، بعيدا عن المربّعات الجغرافية والحدود الاقليمية، يا تلك النصوص والكتابات الصاحية التي ترفض أن تكون تكرارا لهزائم العقل العربي، واجترارا للتحنط الاعلامي، ولا تروم الركود في نفس المكان وفي نفس الزمان وفي نفس الخطاب، يا كل الصحف والجرائد والمجلات الناضجة المحتضنة لأرض الآباء، من أجل حصد الأعشاب الطفيلية وزرع نبات المعرفة وثقافة الحوار الجاد، من لبنان الكرامة والفداء نحن أطفال صغار خارجون للتو من رحم الركام، نرسم علي جبين التاريخ سمفونية الصمود والتحدي ومقاومة الاحتلال… يا أهالينا في كل أرض ومكان، نحن أطفال صيدا، ومارون الراس، وقانا المكررة، وبيروت، والجنوب، والبقاع، وكل أطفال لبنان… نقول لكم اننا عائدون، عائدون، رغم القصف عائدون، رغم اللهيب عائدون، رغم التدمير عائدون، فما عاد الامس يشبه اليوم، ولا بقي التاريخ جامدا كما كان منذ سنين، فقد انتفض لبنان الارادة علي العقل العربي المهزوم، ورسم ملامح التغيير وعناوين الصمود وعدم الانحناء… اننا عائدون، وعبركم نقول ان التاريخ لا يصنعه المتخاذلون، وان التغيير لا ينجزه المترددون.. اننا يا أحبّاءنا عائدون، عائدون للبناء والتعمير، والقطع مع عهود القمم الجدباء، والخطب الجوفاء، والحلول الحدباء، وكل المفاوضات العرجاء… اننا عائدون، عائدون… ہ رئيس تحرير مجلة مرايا، باريس8