قيادة سودانية باهتة للقمة العربية
د. عبدالوهاب الافنديقيادة سودانية باهتة للقمة العربية(1)في العدوان علي لبنان الذي وقع الشهر الماضي، واجهت الأمة العربية أزمة لم تشهد مثلها منذ غزو الكويت عام 1991، ذلك الحدث الذي مزق الأمة وأسلمها إلي أعدائها. وكان من المنتظر، بل من الواجب، التصدي الجماعي لهذا الحدث، خاصة وأن النزاع ليس بين طرفين عربيين كما كان الحال في 1991، بل بين طرف عربي وآخر يراه البعض عدواً. ولكن العمل الجماعي العربي كان الغائب الغائب عن الساحة. (2)السودان الذي تولي رئاسة القمة العربية هذا العام وسط الكثير من التهليل، كان صمته مدوياً، ولم نسمع من قيادته تصريحات تستنهض العرب للتحرك. وقد كانت الخرطوم التي شهدت قبل أشهر عقد أول قمة عربية فيها منذ قمة الخرطوم عام 1967، سبقتها أول قمة إفريقية في الخرطوم منذ عام 1978، وتنتظر عقد قمة دول الساحل والصحراء قبل نهاية هذا العام، اعتبرت في هذا التوافد عليها رداً للاعتبار وإيذاناً بعودتها إلي ساحة العمل الفاعل في هذه المنظمات. وكان هذا يتطلب أن تشمر الخرطوم عن ساعد الجد للاضطلاع بهذه الأدوار المتعددة التي سعت لها بحماس، ولكن الحال ظل علي حاله. (3)القيادة السودانية اتعظت علي ما يبدو من تسرعها في شجب التدخل الأجنبي إبان أزمة الكويت، وهو موقف دفعت مقابله ثمناً باهظاً، خاصة بعد أن لاحظت أن نفس الدول إياها التي أيدت التدخل الأمريكي في الجزيرة العربية هي التي أيدت التدخل الإسرائيلي في لبنان، فاختارت السلامة في التأني والصمت هذه المرة، مكتفية بـ التشاور مع من هم أصل البلاء بدلاً اتخاذ موقف قيادي تفرضه عليها رئاسة القمة. (4) بعد خراب البصرة (حقيقة لا مجازاً) وخراب بيروت وجنوب لبنان، ولا ننسي غزة المنسية، بعث الرئيس السوداني مستشاره ووزير الخارجية السابق مصطفي عثمان إسماعيل إلي عدة عواصم عربية باقتراح فضفاض حول ضرورة الاستفادة من الظروف الحالية لإعادة إحياء المبادرة العربية للسلام التي أصبحت سقف العرب. هذه المبادرة السودانية التي جاءت متأخرة وضعيفة وباهتة علي كل حال لم تلق أذناً صاغية من أحد، كما أن السودان لم يجتهد في دفعها حتي لا يغضب الأنظمة إياها. (5)لا جدال في أن مؤسسة القمة العربية كانت منذ تبلورها في عام 1964 فاقدة لكل فاعلية لأن الجامعة العربية تفتقد أبسط آليات العمل المشترك، إضافة إلي أنها تقوم علي شركاء متشاكسين عداء بعضهم لبعض أشد من العداء لمن يسمي عدواً. ولكن هناك ظروفاً تاريخية معينة تتيح الانتقال إلي مرحلة تعاون حتي بين الأعداء إذا تم استغلال اللحظة بذكاء وفاعلية كما حدث في قمة الخرطوم عام 1967 علي سبيل المثال. ولكن الذي غاب في اللحظة التي مرت كانت القيادة، من الخرطوم أو غيرها. الآخرون غابوا لأنهم شاءوا الغياب، ولكن ما عذر الخرطوم في تضييع هذه الفرصة التي انتظرتها طويلاً؟ (6)صحيح أن قدرات الخرطوم محدودة، كونها تقف علي هامش الهامش في ساحة الفعل العربي، بسبب ضعف الموارد أولاً، وبسبب انشغال حكومتها بصراعات داخلية بعضها داخل الحكومة نفسها. وتنشغل الحكومة هذه الأيام بأزمات متتابعة، أبرزها التهديد بالتدخل الأجنبي في دارفور، وكارثة فيضان النيل إضافة إلي أزمة اقتصادية تتفاقم وتهدد بالانفجار. ولكن الخرطوم كان يمكنها أن تضغط علي الدول المتراخية أو علي الأقل ترفع صوتها، وهو ما لم تفعله. (7)استمعت أمس الأول إلي وزير الخارجية السوداني الدكتور لام أكول وهو يعدد ما كسبه السودان من اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عقد هذا الأسبوع في القاهرة، فكان أبرز ما قاله أن المؤتمر أيد موقف السودان من رفض القوات الدولية في دارفور كما أيد عملية السلام هناك. ويبدو أن هذا هو المقابل الذي أخذه السودان لقاءالصمت. (8)لعل الدرس من فشل الخرطوم في تفعيل دورها في رئاسة القمة هو أن الأدوار تؤخذ ولا تعطي، وأن من فشل في ترتيب بيته غير مؤهل لتقديم النصائح للآخرين حول ترتيب بيوتهم وشوارعهم، خاصة إذا كان المعني يحتاج لمعونة هؤلاء الآخرين في ترتيب بيته الآيل للسقوط. (9)كانت هناك نكتة سودانية شهيرة انتشرت في الثمانينات مفادها أن زعيماً عربياً انتقد لاستحداثه وزارة زراعة في بلده الصحراوي رد قائلاً: وما وجه الاستغراب؟ أليس في السودان وزراة للمالية؟ ونحن نضيف أن لعله من المفيد إلغاء وزارة الخارجية السودانية أيضاً حتي إشعار آخر.9