اسرائيل تتخبط وتتصرف بدوافع انتقامية
د. محي الدين عميموراسرائيل تتخبط وتتصرف بدوافع انتقاميةبداية، تحية التقدير لكل لبنان، لمسلميه بكل مذاهبهم ولمسيحييه بكل طوائفهم، ولرجال السياسة بكل اتجاهاتهم، فالجميع نددوا بالعدوان الإسرائيلي، الذي تراه قناة عربية نفطية مجرد هجوم، ولم نسمع في لبنان صوتا يردد ما يُسميه الطابور العربي الخامس خطأ ارتكبه حزب الله، ولم يكن هناك فرق كبير بين ما قاله العماد ميشيل عون وما قاله سعد الحريري، وبين ما صرح به رئيس الجمهورية الصامد إميل لحود وما توجه به للمجتمع الدولي رئيس الوزراء فؤاد السنيورة.وفتح المسيحيون في الأشرفية بيوتهم وكنائسهم للمهاجرين المسلمين من الجنوب، وخرجت جموع الشعب لترفض التواطؤ الدولي مع إسرائيل ضد لبنان، ولم يرتفع صوت واحد مسؤول ليشكك في المقاومة اللبنانية.وهنا لا بد من نظرة سريعة للخلف.فكشف الحساب بين المقاومة اللبنانية والعدو الإسرائيلي تختصره عقدة رئيسية هي أن هذه المقاومة هي التي أخرجته من لبنان، بتضامن شعبي واسع، وهي عقدة تشبه عقدة الفيتنام عند الأمريكيين وعقدة عبور قناة السويس عند الإسرائيليين وعقدة ارتفاع العلم الجزائري علي المرسي الكبير عند الفرنسيين.وعندما أسترجع مصرع رفيق الحريري، الذي قلت عنه أنه عمل إجرامي بشع، يتأكد لدي اليوم، بعد استقالة المحقق ميليس والتعتيم علي تقرير خليفته البلجيكي، بأن إسرائيل هي مدبرته.فقد كانت إسرائيل تريد خروجا ذليلا للسوريين يكون خطوة نحو تفكيك المقاومة اللبنانية نهائيا، وهكذا تم تسخير مجلس الأمن لإصدار القرار 1559، وتزامن ذلك مع الحملة الأمريكية علي إيران وطاقتها النووية، مما يُفسر تناسي قضية كوريا الشمالية، التي يجب أن يُوجه لها الشكر العميق لأنها عادت، في هذا الوقت بالذات، للتجارب الصاروخية.وصمدت إيران، بل إنها تجاوزت خط الصمود إلي تحركات الهجوم الدفاعي، وبوجه خاص بفضحها للمبالغات الإسرائيلية حول الهولوكوست، بجانب تمسكها بحقوقها النووية المشروعة (وما لم يفهمه البعض عندنا أن الأمر قد يبدأ من طهران لينتهي في عين وسارة).وكانت المأساة المُضحكة أن دولا إسلامية راحت تدعم العداء الأمريكي والغربي ضد إيران، وتعلن خوفها من المخاطر علي المنطقة نتيجة لنشاطاتها النووية، ولم يكن هذا أمرا جديدا في حد ذاته، فمنذ قيام ثورة الخميني والحملة ضدها لا تتوقف يوما إلا لتستأنف بشكل أكثر حدة وعنفا، ووصل الأمر إلي تحريض صدام حُسين علي مهاجمة إيران بعد إصداره بيانا من نقاط ثماني أطلق عليه اسم الميثاق القومي العربي صادق عليه بعض القادة العرب قبل قراءته، ورفضته الجزائر لأنها رأته تخريبا لعلاقات الوطن العربي مع عمقه الاستراتيجي الإسلامي.وتنادت جل القيادات العربية ضد إيران، ثم ركزت علي تشويه مواقفها الدفاعية بالتهويلات حول ما أسمي إيران غيت ، التي يمكن أن يفسرها أو يبررها تهاطل كل صور الدعم علي العراق.وجود عربي أو إسلامي فاعل ومؤثر في العالم يُمكن أن يفضح خنوعها ويكشف تواطؤها، ومن بين أولئك كل الذين تآمروا علي جمال عبد الناصر ومن مولوا خصومه ومنافسيه في الداخل والخارج، وكل الذين أجهضوا سلاح النفط، ومن بينهم من لا يملكون نفطا مؤثرا علي الإطلاق، وهو ما دفع الشهيد الملك فيصل، ببصيرته الثاقبة، إلي إلزام القيادات العربية المطالبة بإيقاف حظر النفط بتقديم ذلك كتابيا.ولم تكن مصر الثورة وحدها هي التي تعرضت للتآمر فقد عشنا نحن في الجزائر أمثال ذلك، تارة بالفتاوي التي تتهمنا بالشيوعية أو بالعمل علي خفض أسعار النفط، وتارة بتحريض بعض الجيران وتمويلهم لابتزاز طاقتنا، ووجدوا عندنا من تعاون معهم في ذلك انطلاقا من فكر إسلامي مرتزق.فبعد الانتصار الذي حققه الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وظهور الولايات المتحدة علي الساحة الدولية بصفتها زعيمة النصر وراعيته، كان اليقين الأمريكي أن من حقه أن يستفيد تماما من كل ما تحقق ويستعد لليوم الذي يكون فيه العالم إمبراطورية للعم سام، تكون خاتما في أصبعه، وهكذا سار العمل علي محاور متوازية، من بينها دعم أوروبا بمشروع مارشال ليكون ازدهار أوروبا الغربية عامل تخريب لأوروبا الشرقية، التي لم تتلق دعما من حليفتها الروسية يوازي ما قدمته واشنطن، التي وضعت نصب عينيها قلب أولويات موسكو في محاولتها بناء ما تهدم وخرب في الحرب العالمية الثانية، وشيئا فشيئا أصبحت الأسبقية الأمنية هي التي تقف علي رأس اهتمامات الكرملين علي حساب أسبقية التنمية، وهكذا اختل العمل الديمقراطي وهو أساس التنمية وحرية المنافسة.وهكذا بدأ تآكل الكتلة الاشتراكية التي كان وجودها علي الساحة العالمية عنصر توازن يكفل للشعوب الضعيفة مجالا معقولا للمناورة ولانتزاع الحقوق الضائعة، وساهمت دول إسلامية في تخريب الاتحاد السوفييتي بتعليمات مؤكدة من واشنطن رغم أنه البلد الذي حاربنا وانتصرنا بأسلحته ودعمه، وهكذا تكررت قصة فرانكشتين وبرز اسم أسامة بن لادن والمجاهدين الأفغان، الذين جرت ملاحقتهم دمويا فيما بعد عندما قررت واشنطن أنها ليست في حاجة لهم.وتواصل العمل لاختراق الساحة العربية فكريا، فبعد إقامة الجامعات الأمريكية في بعض الدول العربية أصدرت نسخة عربية من مجلة المختار من ريدرز دايجست ، وتكامل ذلك مع الإنتاج التلفزيوني الأمريكي الهائل الممجد للولايات المتحدة، والذي عشنا شبابنا منبهرين به.وفي الوقت نفسه قامت شركات النفط باختيار أعداد هامة من الشباب أرسلوا لتلقي العلم، وفق مقاييس معينة، في بلاد العم سام، وهم الذي يطلق عليهم أحيانا جماعة أرامكو ويسمون اليوم كتبة المارينز ، الذين يتغنون بأناشيد الحكمة والتعقل، ويشنون الحملات الشرسة ضد القومجية الذين تسببوا، باندفاعهم، في احتلال الأرض العربية، متناسين بأن التواطؤ العربي الإسلامي كان يطعن القيادات المناضلة في الظهر، وبعض قاعات القمم العربية كانت مرصعة بميكروفونات التجسس الإسرائيلي، بالإضافة إلي حجم كبير من عنصر المعلومات وعبارات التحريض.وكتاب المارينز هؤلاء يتكاملون مع الدور الذي تقوم به فضائيات عربية تحولت إلي كباريهات لتخدير الأمة كلها ولتشتيت اهتماماتها ولتلميع العملاء الجدد من القيادات التي أوصلتنا إلي الدرك الأسفل بحجة ممارسة الحكمة والتعقل، في حين أن القرارات والتوصيات مترجمة من اللغة الانكليزية ومملاة من السفارة الأمريكية أو مسربة من عملاء الـ CIA واســألوا تومــاس فريدمان. وبسقوط الكتلة الاشتراكية أصبح العدو المحدد للغرب هو الوطن العربي، بإسلامه ومسيحيته علي حد سواء، وهكذا برزت الاتجاهات الإنجيلية الجديدة التي كانت تخفي شراستها ضد المسلمين، دينا أو حضارة، قبل سقوط موسكو وانهيار سور برلين، وهو التفسير الوحيد المقنع لموقف بوش الذي يضع اليوم إثم العدوان الإسرائيلي علي المقاومة اللبنانية وعلي حزب الله علي وجه التحديد.وهكذا تتعنتر إسرائيل لأن الغرب وراءها وعلي رأسه واشنطن والمجموعة الأوروبية، وهؤلاء يغضون البصر عن جرائم الصهاينة التي تفوق كل وصف لأنهم يجدون في القيادات العربية من يبرر مواقفهم وينحي باللائمة علي رجال المقاومة بزعم أنهم أساءوا تقدير الموقف وتسرعوا في أسر الجنديين الإسرائيليين. وهنا لا بد من أن أوضح أمرين. الأول هو أن القول بسوء توقيت حزب الله لعملية الجنديين يتجاوز دائرة الهراء إلي مستنقع الكذب المفضوح والتجني الواضح، فأسرهما ، وليس اختطافهما، هو عمل عسكري تم ضد موقع عسكري إسرائيلي يقع علي الأرض اللبنانية، وهو خلفية الموقف الجزائري في القاهرة، والأسر جزء من عمل طويل الأمد تقوم به المقاومة اللبنانية للضغط من أجل إطلاق سراح الرهائن العرب واللبنانيين في المعتقلات الإسرائيلية، وكنت أتمني أن أعرف شيئا مشرفا عن قيادات الحكمة والتعقل بالنسبة لاختطاف وزراء ونواب فلسطينيين، بدون أن أتحدث عن عمليات الاغتيال اليومية للعزل من أبناء فلسطين، وآخرهم أسرة الطفل هدي.الأمر الثاني هو ما سمعته من نصف رجل كان يعاير دمشق بأنها لا تفتح جبهة الجولان أمام العمل الفدائي، وهذه صيحة حق يُراد بها باطل، فهكذا استفز عبد الناصر في ايار (مايو) 1967 لطلب سحب بعض القوات الأممية في سيناء، وهو ما كان مطلوبا ليتولي العميل الإسرائيلي رالف بانش دفع الأمور نحو السحب الكامل للقبعات الزرقاء، التي كان بعض العرب يعيرون عبد الناصر بأنه يختفي، جبنا، وراءها. ولم يكن الرئيس المصري بقادر علي تحمل إهانة من هذا النوع، فسقط في الفخ الذي نصبته إسرائيل بالتعاون مع أصوات عربية، وهكذا حدثت مأساة 1967.وافرض يعني مثلا أن حزب الله أخطأ في أسر إسرائيليين علي الأرض اللبنانية، فهل يبرر هذا ما حدث من عدوان طال كل شيء في لبنان، عسكريين ومدنيين، سنة وشيعة، بشرا وأرضا؟وألم يكن أكرم للحكماء العرب أن يتحلوا بحجم من الرجولة فيرفضون العدوان علنا ويوجهون اللوم سرا للمقاومة اللبنانية، ويتمثلون بالعقلاء الذين تفهموا غضبة زيدان وضربته الرأسية ؟ولقد أصبحت إيران اليوم رمزا للرجولة والفحولة والإسلام الصحيح بالتناقض مع من جعلتهم مواقفهم أقرب إلي وضعية التيس المُستعار.ويبقي أن أتساءل عن سر سكوت جمعيات حقوق الإنسان، وعن صمت الإمام الأكبر والداعية المودرن وأمثالهم من جماعة فتاوي البترودولار.9