جائزة الانجاز الثقافي للشاعر والمفكر صلاح نيازي .. ألا يستحقها؟
باسم المرعبيجائزة الانجاز الثقافي للشاعر والمفكر صلاح نيازي .. ألا يستحقها؟ لئن عُرف صلاح نيازي شاعراً بالدرجة الأساس مستهلاًّ نشاطه الثقافي والإبداعي بكتابه الشعري الاول: كابوس في فضة الشمس قصيدة واحدة ، الصادر في بغداد عام 1962، فانه في الوقت ذاته ينطوي، ان صحّ القول، علي أدوار أخري فاعلة في مجالها.. فهو الأكاديمي – استاذ بمعهد اوكسفورد للدراسات العليا – والمترجم الدؤوب المتشدد في عمله والمحرر والناشر الثقافي عبر مجلته الاغتراب الأدبي والمتفاعل مع محيطه والحاضر بآرائه ولفتاته المتوقدة التي يمتحها من خزين تجربته وسني ّعمره وهو في كل ذلك لا يبخل بجهد او طاقة من أجل مواصلة شوطه الثقافي والمعرفي شأنه في ذلك شأن من يحمل رسالة متجشماً الكثير من الصعوبات هي صنو مثل هذه الطريق عادة. والمهمة التي ينهض بها الشاعر تتحقق عبر أكثر من سبيل ينتهجه، فثمة القصيدة والبحث والمحاضرة والترجمة والرأي والحوار وغيرها من تجليات حال ثقافي وابداعي والذي هو خيار ترتب عليه وجود الشاعر ومصيره ليجد نفسه ازاء مهمة عسيرة كما في مجتمعاتنا وقد خبرها عن كثب هو الذي كابد الظلم والحرمان والفقد مبكراً كما أخبرتنا بذلك سيرته: غصن مطعم بشجرة غريبة التي هي واحدة من أجمل وأهم السير المعاصرة لصدقها وثرائها بما تعرض له من وقائع وأحداث شخصية وعامة بأسلوب أخاذ رغم ما يكتنفها من أسي وآلام. كل جهد لدي نيازي ينطوي علي مهمـة حاضرة وهدف يفسره انتقاؤه للأعمال الـتي يتصدي للعمل عليها، يقول في مقدمة ترجمـته لمسرحية ابن المستر ونزلو لـترانس راتيغـان: اذا فتشنا – ولم نجد – في كتبنا التراثية علاجـاً لبعض أدوائنا العربية المستوطنة، فلا بد لنا مـن الاستلاف والاستيراد، عن طريق الترجمة ما يسدّ ذلك النقص، وتلك بديهة… قد يتعب المرء في العثور علي شبيه ولو من بعيد، لموضوع مسرحية ابن المستر ونزلو في الآداب العالمية. ربما ما من عمل اهتم بإحقاق الحق عن طريق القانون من قبل، اهتمام هذه الرواية به . يوظف الدكتور صلاح نيازي هذه الترجمة لأجل اظهار أهمية ان تتحلي السلطات والمجتمعات -العربية – باحترام القانون وقبول حكمه علي الجميع. يواصل القول في مقدمته: يبدو ان ما يعانيه الفرد العربي، في تفاصيل حياته اليومية، هو عدم تطبيق النظام والقانون بالدرجة الاولي. بكلمات اخري ان الفرد العربي ضحية المخالفات والتجاوزات والانتهاكات. فتعامله اليومي مع السلطة او مع الأفراد الآخرين مرهون فقط بما يضمنه الدستور للمواطن من حقوق، وما يفرضه عليه من واجبات . قد يبدو مثل هذا الكلام بديهياً غير ان المؤسي ان وضعنا العربي بحاجة دائمة الي اعادة التذكير به. ما أحوجنا، هنا، الي استعادة صوت من قال: حتي البديهيات بحاجة الي توضيح! وعن ترجمته لمسرحية شكسبير الشهيرة مكبث وبعد ان يتوقف عند أخطاء هامة وقع بها المترجمون السابقون لهذا العمل يبيّن دواعي ترجمته هذه بقوله: اما مبررات الترجمة هذه فكانت ردة فعل، علي اجتهادات غريبة في الترجمات السابقة، غرابة لافتة للنظر، تضر بشكسبير وبالقارئ العربي في آن واحد . وحقاً يقدم نيازي نماذج عديدة من الأخطاء في مقدمة ترجمته للمسرحية والتي يعجب القارئ من وقوع البعض ممن هو راسخ في ثقافتنا ومتخصص في مجاله، كـ جبرا في مثل الأخطاء التي عرض لها الشاعر. وأري من الضروري لمن كان قد اطلع علي تلك الترجمات ان يقرأ ترجمة نيازي ليكتشف بنفسه.. وثمة كما أسلفنا الرسالة التي يعوّل الشاعر علي ايصالها عبر مثل هذه الأعمال فهو، مثلاً، يقول عن مكبث أثناء الحديث عن مسرحية ونزلو : مكبث بالإضافة الي شعريتها المحكمة الصناعة وهي قصيدة ممسرحة من أعلي طراز، وبالإضافة الي قممها النفسية المدوخة، فانها تنفر قارئها من كل دم وقتل، وخلاصتها، الدم يورث الدم ولا ينقطع الا بقطع النسل بالجملة . وفي مقابلة مع جمانة القروي يقول: أعتقد انها لو قُرئت ومُثلت، لو أدرجت في المناهج الدراسية فسيكون لها مفعول شديد في التقليل علي الأقل من توحّش الانسان . هذا إذن ما يحرص علي ايصاله نيازي، الشاعر والمفكر، وهو يندرج تحت ما يمكن تسميته محاولة الاضطلاع بعبء تربية المجتمع اضافة الي هم نقل القيمة الجمالية والإبداعية للعمل بحد ذاته بطبيعة الحال. وتماهياً مع هذه الأفكار الإصلاحية و التربوية يشير نيازي في كتابه الاغتراب والبطل القومي الي انّ: الديمقراطية، ليست شعارا سياسيا، وان بدت كذلك، ما هي إلا طريقة في التعايش الاجتماعي، يبدأ من داخل الأسرة، طريقة في التعايش الفكري، بتعبير آخر، لا يمكن للمرء ان يكون ديمقراطيا في المحافل العامة ما لم يكتسبها تقليداً من أبويه، وتعلماً من المدرسة، وترسّماً من التاريخ والكتب..الديمقراطية عادات سلوكية، تكون أكثر جدوي، إذا اقتنع الفرد اقتناعا حقيقياً بلا معصوميته، وبضعفه البشري المعرض للخطأ، والاوهام.. . ان تصدياً لمهمة كهـذه يستدعي جوانب اخري مكملة، لذا أطلق في عام 1985 بمعية الكاتبة سميرة المانع، زوجته، مجلة الاغتراب الأدبي لتكون نافذة ومتنفساً لنتاج المثقفين المغتربين وقد واصلت هذه المجلة الفصلية مسيرتها لفترة 17عاماً. ان فكرة اصدار المجلة تصبّ في ذات المتجه الجمالي والأخلاقي الذي التزمه الشاعر.وأعتقد ان ثمة نوعاً من الفدائية الثقافية في عمل كهذا فقد موّل من ماله الخاص صدور المجلة طوال الفترة المذكورة وقد كان ما انفقه، وحسبما عرفت ذلك مباشرة منه، عشرات الآلاف من الجنيهات الانكليزية وهو كفيل بتأمين سكن فاخر له ولعائلته في لندن التي يقيم فيها منذ ستينيات القرن الماضي.. انفق ذلك دون مَنّ او تفكير باستعادة ما انفق علي طريقة تجار الثقافة. ان أبسط واجباتنا ازاء هذا الرجل هو ان نلتفت عرفاناً لما قدمه طوال عقود، فالمكافأة او الجائزة التي نتطلع ان يحوزها الشاعر والمفكر صلاح نيازي، وهو جدير بها علي أية حال، هي نوع من العرفان الضروري لرجالات من هذا النوع يهبون ما لديهم بروح منفتحة ودون انتظار لمردود بالمعني المادي العابر الذي يغدو هدفاً وغاية في حد ذاتها لآخرين. الجائزة التي نطمح ان ينالها الشاعر صلاح نيازي هي لتثمين دوره ولنتاجاته المتعددة الآفاق ومن أجل تشجيع روح العطاء التي تؤثر الآخر فكيف اذا اقترنت هذه بطاقة ثقافية ومعرفية تتوخي الخير والإصلاح في مجتمعها وامتها. ان ينال الشاعر صلاح نيازي جائزة لمجمل جهوده الشعرية والثقافية والأكاديمية هو انصاف لجهة التكريم ذاتها مـن حيث ان ذهاب الجائزة لمثل هذه الشخصية التي قدمت الكثير بتواضع جم وتفان ودون أي ادعاء يعيد لنا ثقتنا ويعزز ايماننا بوجود ثوابت أخلاقية لا تتغير مهما تعسف الزمن وانّ ثمة مِن المعنيين مَن يمحص ويزن الناس بقدر ما يبذلونه من جهود لنشر قيم العدل والجمال وكل ذلك في اهاب جمالي، ابداعي، فكري ينشد الانسان.ہ شاعر من العراق صلاح نيازي ـ سطورالولادة، الناصرية ـ العراق 1935 تخرج في دار المعلمين العالية في بغداد تعرض للاعتقال عقب انقلاب 1963الا انه تمكن من مغادرة العراق الي لندن في العام ذاته أكمل دراسته العليا في لندن حتي حصل علي درجة الدكتوراه في عام 1975 أصدر مجلة الاغتراب الأدبي في لندن 1985 ـ 2002النتاجات الصادرة:الشعركابوس في فضة الشمس ـ بغداد 1962 المفكر ـ بغداد 1976 الهجرة الي الداخل ـ بغداد عام 1977 نحن ـ بغداد عام 1979 الصهيل المعلب ـ لندن 1988 وهم الأسماء ـ لندن 1996 أربع قصائد ـ لندن 2003 ابن زريق وما شابه ـ بيروت 2004البحوث والدراساتتحقيق ديوان ابن المقرب العيوني مع دراسة نقدية، أطروحة دكتوراه مقدمة لجامعة لندن ـ 1975البطل والاغتراب القومي ـ بيروت 1999المختار من أدب العراقيين المغتربين الجزء الاول/ المقالةالسيرة الذاتيةغصن مطعم بشجرة غريبة ـ بيروت 2002الترجمةرواية العاصمة القديمة لكاواباتا ـ دمشق 1999مسرحية مكبث لشكسبير ـ بيروت 2000رواية يوليسيس لجيمس جويس ـ دمشق 2001مسرحية ابن المستر ونزلو لترانس راتيغان ـ بيروت 2002في انتظار الطبع:1 ـ مسرحية هاملت / ترجمة2 ـ ملحمة كلكامش / دراسة نقديةالموضوع ينشر بالاتفاق مع مجلة ملامح التي سيصدر العدد الاول منها قريباً.0