إقبال القزويني تؤجل كل كلام ممكن فيما الحرب تدور

حجم الخط
0

إقبال القزويني تؤجل كل كلام ممكن فيما الحرب تدور

في روايتها ممرات السكون :فاروق يوسفإقبال القزويني تؤجل كل كلام ممكن فيما الحرب تدور في روايتها (ممرات السكون) الصادرة مؤخرا عن دار ازمنة لا تخفي اقبال القزويني ترددها الحائر بين تسجيل يومياتها كائنا مهمشا يعيش عزلته، في صفتها قدرا غامضا وبين وصف الحرب (غزو العراق) التي تدور هناك، في مكان آخر. ولكن اين؟ وهل تدور تلك الحرب فعلا في مكان آخر؟ بالنسبة لمن تطارده الحرب او اشباحها، كما هو حال الكاتبة العراقية المقيمة منذ زمن طويل في المانيا، تتساوي الامكنة: الداخل والخارج، الهناك والهنا، ما يظهر منها وما يظل وفيا لغيابه. لذلك فان الحرب التي تجري في وطنها البعيد تأخذ طريقها الي قلبها من غير اي استئذان، واذا ما كانت تلك الحرب تدور في الحاضر فانها تلتهم كل الماضي، حرب تقع في مكان واحد هو بالنسبة اليها كل مكان متاح بالنسبة لعاطفتها. (هل اتحدث عن الروائية ام البطلة؟). تعيش البطلة تهديد التيه في كل لحظة نظر، وهي اذ ترمم حواسها بمفردات وجودها السلبي فانها في الوقت نفسه تخشي الازاحة عن مكان وجدت نفسها فيه، في صفتها شاهدا اخرس علي الجريمة التي تعيش تفاصيلها بدقة من غير ان تراها الا علي شاشات التلفزيون. (ممرات السكون) هي محاولة للتعرف علي المكان المؤهل لاستقبال قدمي الراوية (زبيدة)، التي هي من غير ادني شك الروائية نفسها. (قد تكون هذه الثقة مصدر افساد او متعة للقراءة، حسب درجة الرغبة في التلصص لدي القارئ). تقول الراوية في وصف شعور بطلتها القلق بالمكان: ثلاثة امكنة تقطن في وجدانها: مكان هربت منه وتريد ان تعود اليه، ومكان حطت فيه الرحال وعاشت فيه قسوة سنين الغربة واحست انها تلاشت وصارت مجرد زمن ضائع يصعب البحث عنه في عالم ليس لها، ومكان لا تعرفه او تعرفه، تنسجه في خيالها وتتمناه ولا تستطيع الوصول اليه . تعيش زبيدة صراع تلك الامكنة في كل خطوة تلقيها، داخل البيت وفي العمل، في النوم وفي اليقظة، في النظر الصامت وفي اللغة المتعثرة، لينتج من كل هذا المزيج (لا مكان) هو عبارة عن هاوية سحيقة، يصل اليها الفنان، صديقها، قبلها فيختفي في اشارة الي انتحاره. لقد سافرت اليه لتهديء من روعها بحجة انقاذه، فوجدته قد سبقها الي ذلك اللامكان الذي تفر منه باستمرار. تتنقل الروائية بخفة مشوبة بالمرارة بين حربين، هما في حقيقتهما حرب واحدة بدأت منذ عقود ولما تنتهي بعد: حرب فضاؤها وطن صار يغيب تدريجياً وراء غبار المعارك وحرب مادتها جسد البطلة الذي لم يعد قادرا علي ان يجد الحيز المناسب له في الفراغ. 2لمن يبحث عن تسلسل الحكاية تبدو رواية (ممرات السكون) مكتظة بالثغرات والقفزات والدروب المسدودة. في الحقيقة هناك دائما حكاية مؤجلة او حكاية لم تعد صالحة لان تروي. حيرة المكان تتسلل الي الحكاية نفسها. تقول الروائية: تأتي قطارات وتغادر، يمتليء الرصيف بالمسافرين والمودعين والمستقبلين ثم يصبح خاليا ويعود ليمتليء من جديد. حركة القطارات تجعلها تشعر بدوار غريب وعيناها شاخصتان الي الفراغ. تمد يدها الي جيب المعطف وتتفحص تذكرة السفر وجواز السفر وتتحسس باليد الاخري حقيبتها الوحيدة وعندما تطمئن الي ان كل شيء في مكانه تعود الي شرودها وتظل جالسة مثل تمثال لا حياة فيه . مشهد جنائزي يصف انسانا لا يزال علي قيد العيش، لكن حياته تحلق في مكان آخر، مكان وهمي تشترك الحقيبة والتذكرة والجواز في صياغته، لتنتج عنه واقعة تحول البطلة الي تمثال، وهو تحول مضاد للزمن. تحولات زبيدة الهاربة من بغداد المسيجة بالقمع الي برلين الشرقية المبتلاة بالفقر الاشتراكي لا تمحو وقائع غابرة يشتد توترها مع الازمات، لينتهي كل شيء الي خلاصة مجدبة: امرأة وحيدة وبلد وحيد. في كل سطر من الرواية تبحث اقبال القزويني عن عناصر التشابه، بل التطابق بين ذلك البلد وتلك المرأة. من صنع للآخر غربته؟ من سبق الآخر الي العزلة؟ لا تبحث القزويني عن مذنبين الا في الصفحات الاخيرة من روايتها، وهي الصفحات التي تشظت فيها الرواية كما تشظي المشهد الذي تصفه. لم تعد الروائية في تلك الصفحات قادرة علي ان تحتكر القص، بل صار القص نفسه يمضي علي هواه. 3ربما شعرت اقبال القزويني بأن هناك حاجة الي توثيق الغياب الذي انتهي اليه بلدها. لقد صارت بطلتها تنظر بعيني المؤرخ العاطفي الي شاشة التلفزيون، وهو الفعل الوحيد الذي يتمكن جسدها من ادائه في لحظة الموت تلك. لم يكن ركام المشاهد الذي تراه مجرد صور، كان هناك نوع من الالهام الحزين يجعلها تشعر ان حياتها تفر مع تلك الصور الي مكان مجهول، مكان لم تنسجه من قبل في خيالها ولم تتعرف عليه. لقد سبقها اليه الآخرون، ربما لانهم اكثر حساسية منها، او ربما لان ارواحهم كانت اكثر خفة من روحها. خذني الي اللامكان ايها المسافر بي ، تقول زبيدة بخوف واضح من غير ان تمتلك الشجاعة التي اقترحها الآخرون، حين ذهبوا باقدامهم الي ذلك المنفي الغامض. وحدتها في البناية (حيث لا احد في الشقق الاخري) تعبر عن نوع من الحل الوجودي الذي ينسف الجسور بينها وبين العالم الخارجي. ذلك الحل لا يعبر عن مقاومة بل عن استسلام تباشره البطلة حين تفتح نوافذ شقتها ليدخل الهواء في نهاية الرواية وتنام. رمزيا يمكننا ان نقول تأويلا ان القزويني ذهبت ببطلتها الي النوم بعد ان افسدت اليقظة كل شيء. صارت اليقظة حيزا نتنا ولم يعد هنالك من خلاص الا في عالم الاحلام. ولكن زبيدة لم تعرف الا الكوابيس. وهكذا فان القزويني كما يبدو قد انتهت الي التسليم بأن الكوابيس اكثر رأفة ببطلتها (وبنا ايضا، نحن العراقيين) من الواقع. (ممرات السكون) في كل صفحة من صفحاتها تنحاز الي خاتمتها، تنبئ بها، تتقدمها، ليس هناك من امل سابق، وليس هناك ما يمكن ان نقف في انتظاره. لغة الروائية المشحونة بالتوتر اليائس لا تسعي الي تفسير ما حدث، بقدر ما تسعي الي التخلص من عبء الوقائع التي تثقل عليها، لذلك نراها تشف عن صمت جارح، لتكون في النهاية اشبه بلغة من لم يعد القول يغريه بالنطق. ہ شاعر وناقد من العراق0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية