ليبيا والاعتراف بالفساد والفوضي
ليبيا والاعتراف بالفساد والفوضيطالب سيف الاسلام القذافي نجل الزعيم الليبي بعملية اصلاحية شاملة، تشمل الجوانب السياسية والاعلامية والاقتصادية والاجتماعية في بلاده، وقال ان ليبيا تشهد حاليا مرحلة اطلق عليها دولة الفوضي .وهذا الكلام عندما يصدر عن شخص في وزن ومكانة المهندس سيف الاسلام القذافي فانه يستحق التوقف عنده بتمعن واهتمام، لانه يشكل اعترافا صادقا واقرب الي الدقة بكل الامراض التي تعيشها ليبيا حاليا وخاصة امراض الفساد، وغياب الادارة، وانعدام الحريات بكل اشكالها.تري هل هذا الكلام الصريح والقوي الهدف منه الاصلاح فعلا، ام انه محاولة لامتصاص احتقان داخلي بدأ يتضخم لدرجة الانفجار، وأدركت السلطة الحاكمة ضرورة تنفيسه بطريقة او باخري، فاوعزت لنجل الزعيم ان يتولي هذه المهمة، ويتخذ من لقائه بمجموعة من الشباب فرصة لاطلاقه؟لا نعتقد ان القذافي الابن يمكن ان يطلق تصريحات علي هذه الدرجة من الخطورة دون التنسيق مع والده، والحصول علي موافقته، واذا كان الحال كذلك، فان هذا يعني ان الزعيم الليبي علي وشك اجراء عملية تغيير شاملة.فقد كان لافتا ان المهندس سيف الاسلام تحدث باستفاضة عن عمليات الفساد ونهب المال العام التي تسود الدولة ومؤسساتها، وقال ان بعض المدراء العامين في شركات القطاع العام حولوا شركاتهم هذه الي اقطاعيات خاصة، وتصرفوا فيها كيفما شاءوا، واستولوا علي اموال الشعب ظلما وعدوانا.هذه الاشارة غير مسبوقة، ولكنها غير كافية، لان نهب المال العام في ليبيا لم يعد حكراً علي رؤساء المؤسسات والشركات الحكومية، وانما اصبح من عمل مافيات خاصة من كبار المسؤولين في الدولة، وبالتحديد في الحلقة الضيقة المحيطة بالقيادة. ولعل اعتراف المهندس سيف الاسلام بغياب الصحافة هو خطوة لا تقل اهمية عن الاعتراف بانتشار الفساد واستفحاله في مؤسسات الدولة، ولكن السؤال هو حول كيفية تصحيح هذا الخطأ الذي ادي الي غياب السلطة الرابعة كلياً، واصدار نشرات غير مهنية تسيء الي ماضي البلاد العريق في الاعلام والصحافة الحرة والثقافة المستنيرة.ليبيا تراجعت كثيراً في مختلف المجالات بسبب عمليات التجريب التي تعرضت لها طوال الاعوام الثلاثين الماضية، من الاشتراكية الي الرأسمالية، ومن القومية العربية الي الافريقية، ومن القطاع العام الي القطاع الخاص، ومن الاممية والخيار الثالث الي الانطوائية.المهندس سيف الاسلام القذافي فاجأ الشعب الليبي بالعديد من المواقف الاصلاحية في السابق، واستطاع ان يترجم بعضها الي اعمال، بينما بقيت الكثير من الامور علي حالها، والمأمول ان لا يكون فتح مثل هذه الملفات الخطيرة، وخاصة ملفي الفساد والحريات مجرد محاولة لامتصاص احتقان او للفت الانظار.فليبيا بحاجة الي اصلاحات جذرية شاملة تضعها في المكان الذي تستحق، وتعالج كل الامراض الحالية التي فاقمت من معاناة شعبها ووضعته في خانة الشعوب الفقيرة، رغم المداخيل النفطية السنوية الهائلة التي تقترب من اربعين مليار دولار علي الاقل.اطلاق الحريات، والعودة الي صناديق الاقتراع، واعادة الاعتبار الي الاعلام، واقامة مؤسسات دولة حقيقية في اطار من الشفافية والمحاسبة ومعاقبة اللصوص مهما علا شأنهم، كلها عناصر وصفة ضرورية للقضاء علي كل العلل والامراض والانطلاق نحو مرحلة جديدة من الرخاء الحقيقي لهذا الشعب الليبي الذي عاني طويلا دون اي ذنب.9